فتح القدير
فتح القدير · الجزء السادس
الصفحة 3377 · ص. المطبوع 56 · الشرح
( فَإِنْ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْحَوْلَانِ تَدَاخَلَتْ ) أَيْ الْجِزْيَةُ أَنَّثَ فِعْلَ الْحَوْلَيْنِ لِتَأْوِيلِهِ بِالسَّنَتَيْنِ ، وَلَا دَاعِيَ إلَى ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ ، أَوْ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ : أَيْ جِزْيَةُ حَوْلَيْنِ ، وَلَفْظُ الْقُدُورِيِّ فِيمَا ذَكَرَهُ الْأَقْطَعُ : وَإِنْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ حَوْلَانِ ( وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ : وَمَنْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ خَرَاجُ رَأْسِهِ حَتَّى مَضَتْ السَّنَةُ ، وَجَاءَتْ سَنَةٌ أُخْرَى ) لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ : يُؤْخَذُ مِنْهُ ، فَإِنْ مَاتَ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ، وَكَذَا إنْ مَاتَ فِي بَعْضِ السَّنَةِ أَمَّا مَسْأَلَةُ الْمَوْتِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهَا .
( وَقِيلَ خَرَاجُ الْأَرْضِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ ) فَإِذَا مَضَتْ سُنُونَ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ خَرَاجٌ عِنْدَهُ ، وَعِنْدَهُمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا مَضَى ( وَقِيلَ لَا تَدَاخُلَ ) فَيُؤْخَذُ مَا مَضَى ( بِالِاتِّفَاقِ لَهُمَا فِي الْخِلَافِيَّةِ ) وَهِيَ تَدَاخُلُ الْجِزْيَةِ ( أَنَّ الْخَرَاجَ ) أَيْ الْجِزْيَةَ ; لِأَنَّهَا خَرَاجُ الرَّأْسِ ( وَجَبَ عِوَضًا ، وَالْأَعْوَاضُ إذَا اجْتَمَعَتْ وَأَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا ) عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ ( تُسْتَوْفَى ، وَقَدْ أَمْكَنَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بَعْدَ تَوَالِي السِّنِينَ ) ; لِأَنَّهُ مَا دَامَ كَافِرًا أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ وَالْإِذْلَالِ لَهُ 56 بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ ; لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ ) ; لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَجِبُ إذْلَالُهُ بَلْ يَجِبُ تَوْقِيرُهُ ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ كَوْنَهَا وَجَبَتْ عِوَضًا ، وَكَوْنُ الْمُتَحَصِّلِ مِنْهَا أَعْوَاضًا خِلَافَ مَا تَقَدَّمَ وَأَنَّهُ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَلْيَقُ ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالْأَعْوَاضِ الْأَجْزِيَةُ الْوَاقِعَةُ عُقُوبَةً تَمَّ عَلَيْهِمَا وَجْهُ أَبِي حَنِيفَةِ الْقَائِلِ : وَالْعُقُوبَاتُ تَتَدَاخَلُ حَتَّى قُلْنَا بِتَدَاخُلِ كَفَّارَاتِ الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ مَعَ أَنَّهَا عُقُوبَةٌ وَعِبَادَةٌ ، غَيْرَ أَنَّ الْمُرَجَّحَ فِيهَا جِهَةُ الْعُقُوبَةِ فَكَيْفَ بِالْعُقُوبَةِ الْمَحْضَةِ وَالْجِزْيَةُ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلِهَذَا إلَخْ ) اسْتِيضَاحٌ عَلَى أَنَّهَا عُقُوبَةٌ ; يَعْنِي ( لَوْ بَعَثَ بِهَا عَلَى يَدِ نَائِبِهِ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ ، بَلْ يُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بِنَفْسِهِ فَيُعْطِيَ قَائِمًا وَالْقَابِضُ جَالِسٌ . وَفِي رِوَايَةٍ : يَأْخُذُ بِتَلْبِيبِهِ ) وَهُوَ مَا يَلِي صَدْرَهُ مِنْ ثِيَابِهِ ( وَيَقُولُ : أَعْطِ الْجِزْيَةَ يَا ذِمِّيُّ ) وَقَبُولُهَا مِنْ النَّائِبِ يُفَوِّتُ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْ إذْلَالِهِ عِنْدَ الْإِعْطَاءِ ، قَالَ تَعَالَى : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } وَوَجْهٌ آخَرُ ( أَنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْقَتْلِ فِي حَقِّهِمْ وَعَنْ النُّصْرَةِ فِي حَقِّنَا كَمَا ذَكَرْنَا ، لَكِنْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ) يَعْنِي عَنْ الْقَتْلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالنُّصْرَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ( لِأَنَّ الْقَتْلَ إنَّمَا يُسْتَوْفَى لِحِرَابٍ قَائِمٍ فِي الْحَالِ لَا لِحِرَابٍ مَاضٍ ، وَكَذَا النُّصْرَةُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ; لِأَنَّ الْمَاضِيَ وَقَعَتْ الْغُنْيَةُ عَنْهُ ) بِانْقِضَائِهِ فَانْقَطَعَتْ الْحَاجَةُ فِيهِ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ .
وَفِي الْمَبْسُوطِ : وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَيْسَ هُوَ الْمَالُ بَلْ اسْتِذْلَالُ الْكَافِرِ وَاسْتِصْغَارُهُ ، وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِاسْتِيفَاءِ جِزْيَةٍ وَاحِدَةٍ ( ثُمَّ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ ) : وَجَاءَتْ سَنَةٌ أُخْرَى ، حَمَلَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ عَلَى مُضِيِّ السَّنَةِ مَجَازًا 57 فَقَالَ : الْوُجُوبُ بِآخِرِ السَّنَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُضِيِّ ; لِيَتَحَقَّقَ الِاجْتِمَاعُ فِي الْحَوْلَيْنِ أَوْ فِي الْجِزْيَتَيْنِ ( فَتَتَدَاخَلُ ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ هُوَ مُجْرًى عَلَى حَقِيقَتِهِ ) وَهُوَ أَنْ يُرَادَ دُخُولُ أَوَّلِ السَّنَةِ ، فَإِنَّ مَجِيءَ الشَّهْرِ بِمَجِيءِ أَوَّلِهِ ، وَمَجِيءَ السَّنَةِ بِمَجِيءِ أَوَّلِهَا ، وَالْأَصَحُّ هُوَ هَذَا ( فَالْوُجُوبُ عِنْدَنَا بِأَوَّلِ السَّنَةِ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِهِ اعْتِبَارًا بِالزَّكَاةِ . وَلَنَا أَنَّ مَا وَجَبَتْ ) الْجِزْيَةُ ( بَدَلًا عَنْهُ ) وَهُوَ النُّصْرَةُ ( وَالْقَتْلُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ ) مِنْ أَنَّ الْقَتْلَ إنَّمَا يُسْتَوْفَى لِحِرَابٍ قَائِمٍ فِي الْحَالِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَبَدَلًا عَنْ نُصْرَتِهِمْ . وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ ; لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي الْمَالِ النَّامِي فَلَا بُدَّ مِنْ الْحَوْلِ ; لِيَتَحَقَّقَ الِاسْتِنْمَاءُ فَلَمْ تَجِبْ قَبْلَهُ ; لِعَدَمِ اتِّصَافِهِ بِذَلِكَ قَبْلَهُ ثُمَّ أُقِيمَ الْحَوْلُ مَقَامَ النَّمَاءِ ; لِأَنَّهُ الْمُمْكِنُ مِنْهُ فَصَارَ الْمَالُ بِهِ نَامِيًا تَقْدِيرًا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث