فتح القدير
فتح القدير · الجزء السادس
الصفحة 3779 · ص. المطبوع 387 · الشرح
قَوْلُهُ وَمَنْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ ( أَوْ ثَوْبَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً وَقَبَضَ أَحَدَهُمَا وَوَجَدَ بِالْآخَرِ ) الَّذِي لَمْ يَقْبِضْ ( عَيْبًا فَإِنَّهُ بِالْخِيَارِ ) إنْ شَاءَ أَخَذَهُمَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُمَا ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ السَّلِيمَ وَيَرُدَّ الْمَعِيبَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ( لِأَنَّ الصَّفْقَةَ إنَّمَا تَتِمُّ بِقَبْضِهِمَا ) ; لِأَنَّهَا إنَّمَا تَتِمُّ بِقَبْضِ الْمَبِيعِ ، وَلَمْ يُوجَدْ ( فَيَكُونُ رَدُّ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ ) تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ ، ( وَهَذَا ) أَيْ كَوْنُ رَدِّ أَحَدِهِمَا بَعْدَ قَبْضِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ قَبْلَ تَمَامِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَفْرِيقَهَا قَبْلَ الْقَبْضِ كَتَفْرِيقِهَا فِي نَفْسِ الْعَقْدِ فِيمَا إذَا قَالَ : بِعْتُكَهُمَا بِأَلْفٍ فَقَالَ : قَبِلْتُ فِي هَذَا بِخَمْسِمِائَةٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ( لِأَنَّ الْقَبْضَ لَهُ شَبَهٌ بِالْعَقْدِ ) ; لِأَنَّهُ يُثْبِتُ مِلْكَ التَّصَرُّفِ كَمَا يُثْبِتُ الْعَقْدُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ ; وَلِأَنَّهُ أَعْنِي الْقَبْضَ مُؤَكِّدٌ لِمَا أَثْبَتَهُ الْعَقْدُ ، حَتَّى أَنَّ الشُّهُودَ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ إذَا رَجَعُوا يَضْمَنُونَ نِصْفَ الْمَهْرِ ; لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ بِتَمْكِينِهَا ابْنَ الزَّوْجِ وَنَحْوِهِ ، فَالشُّهُودُ بِشَهَادَتِهِمْ أَكَّدُوا لُزُومَهُ وَحَقَّقُوهُ وَمَا قُبِلَ فِي تَمَامِهِ ، وَحُكْمُ الْمُشَبَّهِ حُكْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ لِلنَّارِ وَعَلَى النَّجَاسَةِ حَرَامٌ ، وَلَوْ صَلَّى وَبَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ وَبِقُرْبِهِ نَجَاسَةٌ كَانَ مَكْرُوهًا لَيْسَ تَمْثِيلًا صَحِيحًا فَإِنَّ الثَّابِتَ الْكَرَاهَةُ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَهُ لَوْ ثَبَتَتْ الْحُرْمَةُ .
387 هَذَا إذَا كَانَ الْعَيْبُ فِي غَيْرِ الْمَقْبُوضِ ( فَإِنْ وُجِدَ الْعَيْبُ فِي الْمَقْبُوضِ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، يُرْوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَرُدُّهُ خَاصَّةً ) ; لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَامَّةٌ فِي الْمَقْبُوضِ ( وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَأْخُذُهُمَا أَوْ يَرُدُّهُمَا ; لِأَنَّ تَمَامَ الصَّفْقَةِ تَعَلَّقَ بِقَبْضِ الْمَبِيعِ وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّهِ ) فَمَا لَمْ يَقْبِضْ الْكُلَّ لَا تَتِمُّ فَيَكُونُ تَفْرِيقًا قَبْلَ التَّمَامِ ( وَصَارَ تَمَامُ الصَّفْقَةِ كَحَبْسِ الْبَيْعِ لَمَّا تَعَلَّقَ زَوَالُهُ بِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ لَا يَزُولُ ) الْحَبْسُ ( دُونَ قَبْضِ جَمِيعِهِ ) حَتَّى لَوْ بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ دِرْهَمٌ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ الْمَبِيعَ عَلَيْهِ ، وَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي : أَنَا أُمْسِكُ الْمَعِيبَ وَآخُذُ النُّقْصَانَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ( فَ ) أَمَّا ( لَوْ ) كَانَ ( قَبَضَهُمَا ) أَعْنِي الْعَبْدَيْنِ ( ثُمَّ وَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا ) فَإِنَّ لَهُ أَنْ ( يَرُدَّهُ خَاصَّةً خِلَافًا لِزُفَرَ ، هُوَ يَقُولُ : فِيهِ ) أَيْ فِي رَدِّهِ وَحْدَهُ ( تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ ، وَلَا يَعْرَى عَنْ ضَرَرٍ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ ضَمُّ الْجَيِّدِ إلَى الرَّدِيءِ ) لِتَرْوِيجِ الرَّدِيءِ ، وَفِي إلْزَامِهِ الْمَعِيبَ وَحْدَهُ إلْزَامُ هَذَا الضَّرَرِ فَاسْتَوَى مَا قَبْلَ قَبْضِهِمَا وَمَا بَعْدَهُ فِي تَحَقُّقِ الْمَانِعِ مِنْ رَدِّهِ وَحْدَهُ ( وَأَشْبَهَ خِيَارَ الشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ ) فِي أَنَّ الصَّفْقَةَ لَا تَتِمُّ إذَا كَانَ فِيهَا أَحَدُ الْخِيَارَيْنِ هَكَذَا ذُكِرَ خِلَافُ زُفَرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ ، وَقَالَ الْقُدُورِيُّ فِي التَّقْرِيبِ : قَالَ أَصْحَابُنَا ; إذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ صَفْقَةً فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا بَعْدَ الْقَبْضِ رَدَّهُ خَاصَّةً ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ رَدَّهُمَا ، وَقَالَ زُفَرُ : يَرُدُّ الْمَعِيبَ فِي الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ صَحَّ فِيهِمَا وَالْعَيْبُ وُجِدَ بِأَحَدِهِمَا فَصَارَ كَمَا بَعْدَ الْقَبْضِ ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَلِفِ وَالْمَنْظُومَةِ مِثْلَ مَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ عَنْ زُفَرَ ( وَلَنَا أَنَّهُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ بَعْدَ التَّمَامِ ; لِأَنَّ بِالْقَبْضِ يَتِمُّ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ ، بِخِلَافِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ ) وَالتَّفْرِيقُ بَعْدَ التَّمَامِ جَائِزٌ شَرْعًا .
388 بِدَلِيلِ أَنَّهُ ( لَوْ اُسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا ) بَعْدَ الْقَبْضِ ( لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْآخَرَ ) بَلْ يَرْجِعُ بِحِصَّةِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَى الْبَائِعِ مَعَ أَنَّهُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَالضَّرَرُ الَّذِي لَزِمَ الْبَائِعَ جَاءَ مِنْ تَدْلِيسِهِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَائِعَ عَالِمٌ بِحَالِ الْمَبِيعِ وَصَارَ كَمَا لَوْ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَمَنًا أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي أَحَدِهِمَا لِنَفْسِهِ ، ثُمَّ هَذَا فِيمَا يُمْكِنُ إفْرَادُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فِي الِانْتِفَاعِ كَالْعَبْدَيْنِ ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْعَادَةِ كَنَعْلَيْنِ أَوْ خُفَّيْنِ أَوْ مِصْرَاعَيْ بَابٍ فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهُمَا أَوْ يُمْسِكُهُمَا بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّهُمَا فِي الْمَعْنَى وَالْمَنْفَعَةِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ ، وَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الْمَعْنَى ، وَفِي الْإِيضَاحِ وَالْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ : وَلِهَذَا قَالَ مَشَايِخُنَا لَوْ اشْتَرَى زَوْجَيْ ثَوْرٍ وَقَبَضَهُمَا ثُمَّ وَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا وَقَدْ أَلِفَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِحَيْثُ لَا يَعْمَلُ دُونَهُ لَا يَمْلِكُ رَدَّ الْمَعِيبِ خَاصَّةً ، .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث