فتح القدير
فتح القدير · الجزء السابع
الصفحة 4170 · ص. المطبوع 205 · الشرح
( قَوْلُهُ وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا ) بَلْ مَاتَ مُفْلِسًا ( فَتَكَفَّلَ رَجُلٌ لِلْغُرَمَاءِ بِمَا عَلَيْهِ لَا تَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ ) وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ( تَصِحُّ لِأَنَّهُ كَفَلَ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ الزَّعِيمُ غَارِمٌ } وَلِمَا رُوِيَ { ۝ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِجِنَازَةِ أَنْصَارِيٍّ فَقَالَ : هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنٌ ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ دِرْهَمَانِ أَوْ دِينَارَانِ ، فَقَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ ، فَقَامَ أَبُو قَتَادَةَ وَقَالَ : هُمَا عَلَيَّ فَصَلَّى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } فَلَوْ لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ عَنْ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ لَمَا صَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ الْكَفَالَةِ ، وَلِأَنَّهُ كَفَلَ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ ( لِأَنَّهُ ) أَيْ الدَّيْنَ ( وَجَبَ ) فِي حَيَاتِهِ ( لِحَقِّ الطَّالِبِ ) وَهُوَ بَاقٍ ( وَلَمْ يُوجَدْ الْمُسْقِطُ ) وَهُوَ الْأَدَاءُ أَوْ الْإِبْرَاءُ أَوْ انْفِسَاخُ سَبَبِ وُجُوبِهِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ بِالْمَوْتِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَيَدُلُّ عَلَى بَقَائِهِ كَوْنُهُ يُطَالَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ ( وَ ) أَنَّهُ ( لَوْ تَبَرَّعَ بِهِ إنْسَانٌ جَازَ ) أَخْذُ الطَّالِبِ مِنْهُ وَلَوْ سَقَطَ بِالْمَوْتِ مَا حَلَّ لَهُ أَخْذُهُ ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِهِ كَفِيلٌ قَبْلَ مَوْتِهِ بَقِيَتْ الْكَفَالَةُ ، وَلَوْ بَطَلَ الدَّيْنُ بَطَلَتْ الْكَفَالَةُ لِسُقُوطِهِ عَنْ الْكَفِيلِ بِسُقُوطِهِ عَنْ الْأَصِيلِ ( وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ كَفَلَ بِدَيْنٍ سَاقِطٍ ) فِي حُكْمِ الدُّنْيَا لَا مُطْلَقًا ، وَالْكَفَالَةُ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِأَنَّهَا تُوَثَّقُ لِيَأْخُذَهُ فِيهَا لَا فِي الْآخِرَةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ لَهَا وُجُودٌ بِلَا دَيْنٍ 205 كَذَلِكَ ، ( وَلِأَنَّ الدَّيْنَ فِعْلٌ حَقِيقَةً وَلِذَا يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ ) وَالْمَوْصُوفُ بِالْأَحْكَامِ الْأَفْعَالُ ( وَقَدْ عَجَزَ عَنْهُ بِنَفْسِهِ وَبِخَلَفِهِ ) هُوَ الْكَفِيلُ الْكَائِنُ قَبْلَ سُقُوطِهِ فَسَقَطَ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا ضَرُورَةً ( وَالتَّبَرُّعُ لَا يَعْتَمِدُ قِيَامَ الدَّيْنِ ) وَلَوْ كَانَ بِقَيْدِ الْإِضَافَةِ : أَيْ التَّبَرُّعُ بِالدَّيْنِ وَهُوَ الْحَقُّ فَإِنَّمَا يَعْتَمِدُ قِيَامُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ عَلَيْهِ دُونَ مَنْ لَهُ ، وَالْكَفَالَةُ نِسْبَةٌ بَيْنَ كُلٍّ مِنْ الْمَكْفُولِ لَهُ وَالْأَصِيلِ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ مَا عَلَى الْأَصِيلِ لِلْمَكْفُولِ لَهُ ، وَلَوْ كَانَ بِهِ كَفِيلٌ لَمْ يَعْجِزْ بِخَلَفِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ 206 الدَّيْنُ بِمَوْتِهِ ، بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّهَا كَفَالَةٌ بَعْدَ السُّقُوطِ ( وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَالْإِفْضَاءُ إلَى الْأَدَاءِ بَاقٍ ) فَلَمْ يَسْقُطْ الدَّيْنُ فَصَحَّتْ كَفَالَتُهُ عَنْ الْمَيِّتِ الْمَلِيءِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فَلَيْسَ فِيهِ صَرِيحُ إنْشَاءِ الْكَفَالَةِ بَلْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ هُمَا عَلَيَّ كُلًّا مِنْ إنْشَائِهَا وَالْإِخْبَارِ بِهَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ ، وَلَا عُمُومَ لِوَاقِعَةِ الْحَالِ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي خُصُوصِ مَحَلِّ النِّزَاعِ ، وَيُحْتَمَلُ الْوَعْدُ بِهَا وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا ، وَامْتِنَاعُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِيَظْهَرَ طَرِيقُ إيفَائِهِمَا لَا بِقَيْدِ طَرِيقِ الْكَفَالَةِ ، فَلَمَّا ظَهَرَ بِوَعْدِهَا أَوْ بِالْإِقْرَارِ بِالْكَفَالَةِ بِهِمَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ فَصَلَّى عَلَيْهِ . وَنُوقِضَ إثْبَاتُ سُقُوطِ الدَّيْنِ بِمَسَائِلَ : أَحَدُهَا لَوْ مَاتَ الْمُشْتَرِي مُفْلِسًا قَبْلَ أَدَائِهِ الثَّمَنَ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ ، وَلَوْ سَقَطَ الثَّمَنُ بَطَلَ ، وَلَوْ اشْتَرَى بِفُلُوسٍ فِي الذِّمَّةِ فَكَسَدَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِهَلَاكِ الثَّمَنِ فِي نَفْسِهِ فَعُلِمَ أَنَّ سُقُوطَ الدَّيْنِ ، بِالنِّسْبَةِ إلَى الدُّنْيَا لَا يُبْطِلُ الدَّيْنَ .
ثَانِيهَا : أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِالدَّيْنِ كَفِيلٌ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ إذَا مَاتَ مُفْلِسًا وَلَوْ سَقَطَ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لَمْ تَبْقَ الْكَفَالَةُ .
ثَالِثُهَا : لَوْ كَانَ بِالدَّيْنِ رَهْنٌ بَقِيَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مُفْلِسًا وَبَقَاءُ الرَّهْنِ إنَّمَا يَكُونُ بِبَقَاءِ الدَّيْنِ ، وَلِأَنَّ تَعَذُّرَ الْمُطَالَبَةِ لِمَعْنًى لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ الدَّيْنِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ ، كَالْعَبْدِ الْمَحْجُورِ إذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ فَكَفَلَ عَنْهُ بِهِ كَفِيلٌ صَحَّ وَإِنْ كَانَ لَا يُطَالَبُ بِهِ فِي حَالِ رِقِّهِ فَكَذَا فِي حَالِ الْمَوْتِ .
أُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ فِي حَقِّ الْمُسْتَحِقِّ حَتَّى جَازَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُتَبَرِّعِ وَالْكَفَالَةُ تَعْتَمِدُ قِيَامَ الدَّيْنِ فِي حَقِّ الْأَصِيلِ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَقَدْ سَقَطَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ لِضَرُورَةِ بُطْلَانِ الْمَحَلِّ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ .
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ كَسَادَ الْفُلُوسِ يُبْطِلُ الْمِلْكَ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي فَلِذَلِكَ انْتَقَضَ الْعَقْدُ وَهُنَا الدَّيْنُ بَاقٍ فِي حَقِّ صَاحِبِ الدَّيْنِ فَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ .
وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ ذِمَّةَ الْكَفِيلِ السَّابِقِ كَفَالَتُهُ خَلَفٌ عَنْ ذِمَّتِهِ فَلَا تَبْطُلُ ذِمَّتُهُ بِالْمَوْتِ وَمِثْلُهُ الرَّهْنُ . وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَهُ ذِمَّةٌ صَالِحَةٌ فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ وَتَتَأَخَّرُ الْمُطَالَبَةُ لِحَقِّ 207 الْمَوْلَى كَمَا أَنَّ الدَّيْنَ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ الْحَيِّ وَإِنْ كَانَ لَا يُطَالَبُ بِهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث