فتح القدير
فتح القدير · الجزء السابع
الصفحة 4322 · ص. المطبوع 331 · الشرح
( قَوْلُهُ وَمَنْ أَقَرَّ ) هُنَا مَسَائِلُ الْإِقْرَارِ بِالْقَبْضِ وَمَسَائِلُ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ ، أَمَّا مَسَائِلُ الْقَبْضِ مَا إذَا أَقَرَّ ( أَنَّهُ قَبَضَ مِنْ فُلَانٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا زُيُوفٌ صُدِّقَ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ اقْتَضَى وَهُوَ أَيْضًا الْقَبْضُ ) يَعْنِي أَقَرَّ 331 أَنَّهُ قَبَضَ مِنْ مَدْيُونِهِ بِدَيْنِ قَرْضٍ اقْتَرَضَهُ أَوْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ بَدَلِ إجَارَةٍ أَوْ قَالَ غَصَبْت مِنْهُ أَوْ أَوْدَعَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ إلَّا أَنَّهَا زُيُوفٌ أَوْ نَبَهْرَجَةٌ أَوْ قَالَ بَعْدُ نَعَمْ هِيَ زُيُوفٌ أَوْ نَبَهْرَجَةٌ يُصَدَّقُ فِي الْوَصْلِ وَالْفَصْلِ .
وَفِي الْمَبْسُوطِ : أَقَرَّ الطَّالِبُ أَنَّهُ قَبَضَ مِمَّا لَهُ عَلَى فُلَانٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ وَجَدْتهَا زُيُوفًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ ، وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ قَوْلَهُ صِدْقٌ يُفِيدُهُ ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ بِالدَّيْنِ . فِي الْمَبْسُوطِ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ : لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ 332 أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ إجَارَةٍ إلَّا أَنَّهَا زُيُوفٌ أَوْ نَبَهْرَجَةٌ لَمْ يُصَدَّقْ فِي دَعْوَى الزِّيَافَةِ وَصَلَ أَمْ فَصَلَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَعِنْدَهُمَا يُصَدَّقُ إنْ وَصَلَ لَا إنْ فَصَلَ . وَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ سَبَبِ تِجَارَةٍ أَوْ غَصْبٍ قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ : هُوَ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا لِأَنَّ مُطْلَقَ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ يَنْصَرِفُ إلَى الِالْتِزَامِ بِالتِّجَارَةِ إذْ هُوَ اللَّائِقُ بِحَالِ الْمُسْلِمِ . وَقِيلَ يُصَدَّقُ هُنَا إذَا وَصَلَ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ صِفَةَ الْجَوْدَةِ تَصِيرُ مُسْتَحَقَّةً بِعَقْدِ التِّجَارَةِ ، فَإِذَا لَمْ يُصَرِّحْ فِي كَلَامِهِ بِجِهَةِ التِّجَارَةِ لَا تَصِيرُ صِفَةُ الْجَوْدَةِ مُسْتَحَقَّةً ، وَتَأْتِي الْحُجَجُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْجَانِبَيْنِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ : إذَا فَصَلَ لَا يُقْبَلُ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ لِأَنَّهُ كَمَا ذَكَرَ الْعَشَرَةَ فَهُمْ الْجِيَادُ .
وَقَوْلُهُ هِيَ زُيُوفٌ رُجُوعٌ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ . قُلْنَا : مَسْأَلَتُنَا إنَّمَا أَقَرَّ بِقَبْضِ الدَّرَاهِمِ وَقَبْضُ الدَّرَاهِمِ لَا يَخْتَصُّ بِالْجِيَادِ ، لِأَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِمِ لَا يَخْتَصُّ بِالْجِيَادِ بَلْ يَقَعُ عَلَى الزُّيُوفِ وَالنَّبَهْرَجَةِ ، فَإِذَا قَالَ هِيَ زُيُوفٌ أَوْ نَبَهْرَجَةٌ كَانَ حَاصِلُهُ أَنَّهُ اعْتَرَفَ بِقَبْضِ عِدَّةٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ مُنْكِرًا أَنَّهُ قَبَضَ حَقَّهُ أَعْنِي الْجِيَادَ ، فَيُصَدَّقُ مَعَ يَمِينِهِ إذَا كَانَ الْآخَرُ يُكَذِّبُهُ وَلَمْ يَكُنْ رُجُوعًا عَنْ شَيْءٍ لِأَنَّ الْأَعَمَّ يُصَدَّقُ عَلَى كُلِّ أَخَصَّ ، فَإِذَا نَفَى أَنَّهُ بَعْدَمَا صَدَقَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ وَأَنَّهُ مِنْ صَدَقَاتِهِ الْأُخْرَى لَا يَكُونُ مُنَاقِضًا ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ هِيَ سَتُّوقَةٌ أَوْ رَصَاصٌ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهَا فَكَانَ رُجُوعًا .
وَأَمَّا لَوْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ قَبَضَ الْجِيَادَ أَوْ حَقَّهُ أَوْ الثَّمَنَ أَوْ اسْتَوْفَى مَالَهُ عَلَيْهِ لَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ الزُّيُوفَ وَالنَّبَهْرَجَةَ ، لِأَنَّهُ فِي هَذَا مُقِرٌّ بِقَبْضِ الْجِيَادِ صَرِيحًا فِي الْأَوَّلِ وَدَلَالَةً فِيمَا بَعْدَهُ لِأَنَّ حَقَّهُ الثَّمَنُ ، وَكَذَا بَدَلُ الْإِجَارَةِ هِيَ الْجِيَادُ .
قَالَ فِي النِّهَايَةِ : جَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ فِي الْجَوَابِ بِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ وَلَيْسَ الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى السَّوَاءِ ، فَإِنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِقَبْضِ الْجِيَادِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا زُيُوفٌ لَا يُصَدَّقُ لَا مَوْصُولًا وَلَا مَفْصُولًا ، وَفِيمَا بَقِيَ يُصَدَّقُ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا . وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ قَبَضْت مَا لِي عَلَيْهِ أَوْ حَقِّي إقْرَارٌ بِقَبْضِ الْقَدْرِ وَالْجَوْدَةِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، فَإِذَا اسْتَثْنَى الْجَوْدَةَ فَقَدْ اسْتَثْنَى الْبَعْضَ مِنْ الْجُمْلَةِ فَيَصِحُّ مَوْصُولًا كَمَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا مِائَةً . أَمَّا إذَا قَالَ قَبَضْت عَشَرَةً جِيَادًا فَقَدْ أَقَرَّ بِالْقَدْرِ بِلَفْظٍ عَلَى حِدَةٍ وَبِالْجَوْدَةِ بِلَفْظٍ عَلَى حِدَةٍ ، فَإِذَا قَالَ إلَّا أَنَّهَا زُيُوفٌ فَقَدْ اسْتَثْنَى الْكُلَّ مِنْ الْكُلِّ فِي حَقِّ الْجَوْدَةِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ ، كَمَا إذَا قَالَ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَدِينَارٌ إلَّا دِينَارًا فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا .
فَإِنْ قِيلَ : يَجِبُ أَنْ لَا يَصِحَّ اسْتِثْنَاءُ الْجَوْدَةِ وَإِنْ دَخَلَتْ تَحْتَ الْإِقْرَارِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ الْجَوْدَةَ تَبَعٌ لِلدَّرَاهِمِ وَصِفَةٌ لَهَا ، وَاسْتِثْنَاءُ التَّبَعِ مَوْصُولًا لَا يَصِحُّ كَاسْتِثْنَاءِ 333 الْبِنَاءِ مِنْ الدَّارِ لَا يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا . قُلْنَا : إنَّمَا لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْبِنَاءِ لِأَنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ اسْمِ الدَّارِ تَبَعًا فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مَوْصُولًا . وَأَمَّا الْجَوْدَةُ فَدَخَلَتْ تَحْتَ اللَّفْظِ مَقْصُودًا كَالْوَزْنِ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِقَبْضِ مَا عَلَيْهِ ، وَكَمَا عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْوَزْنِ عَلَيْهِ الْجَوْدَةُ فَكَانَتْ دَاخِلَةً تَحْتَ قَوْلِهِ مَا لِي عَلَيْهِ وَحَقِّي عَلَيْهِ مَقْصُودًا لَا تَبَعًا فَيَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ مَوْصُولًا انْتَهَى .
وَقَالَ صَاحِبُ الدِّرَايَةِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَهُ : فِيهِ نَوْعُ تَأَمُّلٍ . وَعِنْدِي أَنَّ التَّأَمُّلَ يَشُدُّهُ لَا يَرُدُّهُ ; وَكَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أُشْكِلَ عَلَيْهِ تَبَعِيَّةُ الْجَوْدَةِ لِمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ مِنْ أَنَّهَا تَبَعٌ وَصِفَةٌ لِلدَّرَاهِمِ وَالصِّفَةُ أَبَدًا تَابِعَةٌ لِلْمَوْصُوفِ . وَهَذَا سَهْوٌ عَنْ قَوْلِهِ دَخَلَتْ تَحْتَ اللَّفْظِ مَقْصُودًا . فَحَاصِلُ رَدِّهِ عَلَى السَّائِلِ أَنَّ مَا يَكُونُ تَبَعًا فِي الْوُجُودِ قَدْ يَكُونُ مَقْصُودًا لِلْمُتَكَلِّمِ بِاللَّفْظِ وَصِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَقْصُودًا مِنْ اللَّفْظِ كَقَصْدِ الْبَاقِي سَوَاءٌ كَانَ تَبَعًا فِي الْوُجُودِ لَهُ أَوْ أَصْلًا مِثْلُهُ .
وَإِنَّمَا كَانَتْ السَّتُّوقَةُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ لِأَنَّ غِشَّهَا غَالِبٌ ، وَاسْمُ الدَّرَاهِمِ بِاعْتِبَارِ الْفِضَّةِ وَالنِّسْبَةِ إلَى الْغَالِبِ مُتَعَيَّنٌ . فَإِذَا كَانَ الْغَالِبُ هُوَ الْغِشُّ فَلَيْسَتْ دَرَاهِمَ إلَّا مَجَازًا ، وَلِذَا قِيلَ هُوَ مُعَرَّبُ سه طَاقه : يَعْنِي ثَلَاثَ طَاقَاتٍ الطَّاقُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ فِضَّةٌ ، وَالْأَوْسَطُ نُحَاسٌ ، وَهِيَ شِبْهُ الْمُمَوَّهِ . وَتَعَقَّبَ فِي النِّهَايَةِ إطْلَاقَ قَوْلِهِ فِي السَّتُّوقَةِ لَا يُصَدَّقُ بَلْ ذَاكَ إذَا قَالَ مَفْصُولًا ، أَمَّا فِي الْمَوْصُولِ يَجِبُ أَنْ يُصَدَّقَ لِأَنَّهُ قَالَ فِي إقْرَارِ الْمَبْسُوطِ : لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ مِمَّا لَهُ عَلَى الْمَدْيُونِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَمَا سَكَتَ هُوَ رَصَاصٌ لَمْ يُصَدَّقْ ، لِأَنَّ اسْمَ الدَّرَاهِمِ لَا يَتَنَاوَلُ الرَّصَاصَ حَقِيقَةً ، وَإِنْ قَالَ مَوْصُولًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الرَّصَاصَ مِنْ الدَّرَاهِمِ صُورَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا مَعْنًى فَكَانَ بَيَانًا مُغَيِّرًا لِظَاهِرِ كَلَامِهِ إلَى مَا هُوَ مُحْتَمَلٌ فَيَصِحُّ مَوْصُولًا فَفِي السَّتُّوقَةِ أَوْلَى ، لِأَنَّ الرَّصَاصَ أَبْعَدُ مِنْهَا إلَى الدَّرَاهِمِ .
وَذَكَرَ الْمَحْبُوبِيُّ فِي جَامِعِهِ مُصَرِّحًا فَقَالَ : فَأَمَّا إذَا قَالَ وَجَدْتهَا سَتُّوقَةً أَوْ رَصَاصًا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ : ذَكَرَ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ يَصِحُّ إذَا كَانَ مَوْصُولًا ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَابِضِ مَعَ يَمِينِهِ فَلَا يَمِينَ عَلَى الطَّالِبِ أَنَّهَا كَانَتْ جِيَادًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : أُحَلِّفُهُ إذَا اتَّهَمْته .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث