فتح القدير
فتح القدير · الجزء الثامن
الصفحة 4597 · ص. المطبوع 7 · الشرح
( قَالَ ) أَيْ الْقُدُورِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُخْتَصَرِهِ : ( وَتَجُوزُ الْوَكَالَةُ بِالْخُصُومَةِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ ) أَيْ فِي جَمِيعِهَا ( لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ الْحَاجَةِ ) يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ عَلَى اعْتِبَارِ بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ ( إذْ لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَهْتَدِي إلَى وُجُوهِ الْخُصُومَاتِ ) تَعْلِيلٌ لِجَرَيَانِ مَا قَدَّمَهُ هَاهُنَا . قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ : أَمَّا التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ فَإِنَّمَا جَازَ لِمَا رَوَيْنَا قَبْلَ هَذَا { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَّلَ فِي الشِّرَاءِ } ، فَإِذَا جَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ جَازَ فِي غَيْرِهِ ; لِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ فَجَازَ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ لِمَا قَدَّمْنَا انْتَهَى . أَقُولُ : تَعْلِيلُهُ الثَّانِي الَّذِي هُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ لِمَا قَدَّمْنَا صَحِيحٌ لَا رَيْبَ فِيهِ ، وَأَمَّا تَعْلِيلُهُ الْأَوَّلُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ هَاهُنَا فِي التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَاتِ لَا فِي التَّوْكِيلِ فِي الْعُقُودِ ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي تَعْلِيلِهِ الْأَوَّلِ إنَّمَا يَتَمَشَّى فِي الْعُقُودِ دُونَ الْخُصُومَاتِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَقَدْ صَحَّ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَكَّلَ عَقِيلًا ) أَيْ وَكَّلَهُ فِي الْخُصُومَاتِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَخْتَارُ عَقِيلًا ; لِأَنَّهُ كَانَ ذَكِيًّا حَاضِرَ الْجَوَابِ ; حَتَّى حُكِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَقْبَلَهُ يَوْمًا وَمَعَهُ عَنْزٌ فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى سَبِيلِ الدُّعَابَةِ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ أَحْمَقُ ، فَقَالَ عَقِيلٌ : أَمَّا أَنَا وَعَنْزِي فَعَاقِلَانِ ( وَبَعْدَمَا أَسَنَّ عَقِيلٌ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ) الطَّيَّارَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، إمَّا ; لِأَنَّهُ وَقَّرَ عَقِيلًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِكِبَرِ سِنِّهِ ، أَوْ لِأَنَّهُ انْتَقَصَ ذِهْنَهُ فَوَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ شَابًّا ذَكِيًّا ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ .
أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : كَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَكْرَهُ الْخُصُومَةَ ، وَكَانَ إذَا كَانَتْ لَهُ خُصُومَةٌ وَكَّلَ فِيهَا عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَلَمَّا كَبِرَ عَقِيلٌ وَكَّلَنِي . وَأُخْرِجَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ بِالْخُصُومَةِ . وَقَالَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ جَهْمِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ لَا يَحْضُرُ الْخُصُومَةَ وَكَانَ يَقُولُ : إنَّ لَهَا قُحَمًا تَحْضُرُهَا الشَّيَاطِينُ ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْخُصُومَةَ إلَى عَقِيلٍ ، فَلَمَّا كَبِرَ وَرَقَّ حَوَّلَهَا إلَيَّ ، فَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : مَا قُضِيَ لِوَكِيلِي فَلِي وَمَا قُضِيَ عَلَى وَكِيلِي فَعَلَيَّ انْتَهَى . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ : إنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَّلَ أَخَاهُ عَقِيلًا بِالْخُصُومَةِ ، ثُمَّ وَكَّلَ بَعْدَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَكَانَ لَا يَحْضُرُ الْخُصُومَةَ وَيَقُولُ : إنَّ لَهَا لَقُحَمًا ، وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَحْضُرُهَا : أَيْ مَهَالِكَ وَشَدَائِدَ . وَقُحَمُ الطَّرِيقِ مَا صَعُبَ مِنْهُ وَشَقَّ عَلَى سَالِكِهِ انْتَهَى . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى أَنْ لَا يَحْضُرَ مَجْلِسَ الْخُصُومَةِ بِنَفْسِهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لِصُنْعِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : الْأَوْلَى أَنْ يَحْضُرَ بِنَفْسِهِ ; لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الْحُضُورِ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي مِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِينَ ، وَقَدْ وَرَدَ الذَّمُّ عَلَى ذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَإِذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ } ، { إنَّمَا كَانَ قَوْلُ الْمُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } وَجَوَابُهُ أَنَّ تَأْوِيلَ الْآيَةِ الرَّدُّ مِنْ الْمُنَافِقِ وَالْإِجَابَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ اعْتِقَادًا ، كَذَا فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي . وَذُكِرَ فِي 7 غَايَةِ الْبَيَانِ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث