فتح القدير
فتح القدير · الجزء الثامن
الصفحة 4628 · ص. المطبوع 39 · الشرح
( قَالَ ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ ( وَإِذَا دَفَعَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ وَقَبَضَ الْمَبِيعَ ) لَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا ( فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ ) أَيْ بِالثَّمَنِ ( عَلَى الْمُوَكِّلِ ; لِأَنَّهُ انْعَقَدَتْ بَيْنَهُمَا ) أَيْ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ ( مُبَادَلَةٌ حُكْمِيَّةٌ ) أَيْ بَيْعٌ حُكْمِيٌّ فَصَارَ الْوَكِيلُ كَالْبَائِعِ مِنْ الْمُوَكِّلِ .
قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ فِي تَعْلِيلِ هَذَا ; لِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَكِيلِ أَوَّلًا ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنْهُ إلَى الْمُوَكِّلِ انْتَهَى ، أَقُولُ : هَذَا شَرْحٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِمَا لَا يَرْتَضِيهِ صَاحِبُهُ ; لِأَنَّ انْتِقَالَ الْمِلْكِ أَوَّلًا إلَى الْوَكِيلِ ثُمَّ إلَى الْمُوَكِّلِ طَرِيقَةُ الْكَرْخِيِّ . وَالْمُصَنِّفُ قَدْ اخْتَارَ فِيمَا مَرَّ طَرِيقَةَ أَبِي طَاهِرٍ ، وَقَالَ : هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازًا عَنْ طَرِيقَةِ الْكَرْخِيِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشُّرَّاحُ قَاطِبَةً هُنَاكَ ، وَمِنْهُمْ هَذَا الشَّارِحُ . وَطَرِيقَةُ أَبِي طَاهِرٍ ثُبُوتُ الْمِلْكِ ابْتِدَاءً لِلْمُوَكِّلِ ، لَكِنْ خِلَافَةً عَنْ الْوَكِيلِ عَلَى مَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُحْمَلَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْمِلْكَ وَإِنْ ثَبَتَ لِلْمُوَكَّلِ ابْتِدَاءً عَلَى طَرِيقَةِ أَبِي طَاهِرٍ إلَّا أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ خِلَافَةً عَنْ الْوَكِيلِ لَا أَصَالَةً كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ . وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ كَافٍ فِي انْعِقَادِ الْمُبَادَلَةِ الْحُكْمِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَافِيًا فِي الْمُبَادَلَةِ الْحَقِيقِيَّةِ ( وَلِهَذَا ) أَيْ وَلِانْعِقَادِ الْمُبَادَلَةِ الْحُكْمِيَّةِ بَيْنَهُمَا ( إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ يَتَحَالَفَانِ ) وَالتَّحَالُفُ مِنْ خَوَاصِّ الْمُبَادَلَةِ ( وَيَرُدُّ الْمُوَكِّلُ بِالْعَيْبِ عَلَى الْوَكِيلِ ) أَيْ وَإِذَا وَجَدَ الْمُوَكِّلُ عَيْبًا بِالْمُشْتَرَى رَدَّهُ عَلَى الْوَكِيلِ ، وَهَذَا أَيْضًا مِنْ خَصَائِصِ الْمُبَادَلَةِ .
لَا يُقَالُ : مَا ذَكَرْتُمْ فَرْعٌ عَلَى الْمُبَادَلَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَيْهَا ؟ ; لِأَنَّا نَقُولُ : هَذَا دَلِيلٌ إنِّيٌّ لَا دَلِيلٍ لَمِّيٌّ فَلَا يُنَافِي الْفَرْعِيَّةَ تَأَمَّلْ ( وَقَدْ سَلَّمَ الْمُشْتَرَى لِلْمُوَكِّلِ ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ سَلَّمَ الْمُشْتَرَى لِلْمُوَكِّلِ ( مِنْ جِهَةِ الْوَكِيلِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ ) أَيْ فَيَرْجِعُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِالثَّمَنِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُوَكِّلُ كَالْمُشْتَرِي مِنْ الْوَكِيل وَقَدْ سَلَّمَ الْمُشْتَرَى لِلْمُوَكِّلِ مِنْ جِهَةِ الْوَكِيلِ رَجَعَ الْوَكِيلُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُوَكِّلِ قَطْعًا ( وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ ) دَلِيلٌ آخَرُ ( لَمَّا كَانَتْ إلَيْهِ ) أَيْ لَمَّا كَانَتْ رَاجِعَةً إلَى الْوَكِيلِ ( وَقَدْ عَلِمَهُ الْمُوَكِّلُ ) أَيْ عَلِمَ رُجُوعَهَا إلَيْهِ ( فَيَكُونُ ) أَيْ الْمُوَكِّلُ ( رَاضِيًا بِدَفْعِهِ ) أَيْ بِدَفْعِ الثَّمَنِ ( مِنْ مَالِهِ ) أَيْ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلُ .
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ التَّبَرُّعَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا كَانَ الدَّفْعُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُوَكِّلِ ، وَالْأَمْرُ ثَابِتٌ هُنَا دَلَالَةً ; لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْحُقُوقَ تَرْجِعُ إلَى الْوَكِيلِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا دَفْعُ الثَّمَنِ عَلِمَ أَنَّهُ مُطَالَبٌ بِدَفْعِ الثَّمَنِ لِقَبْضِ الْمَبِيعِ فَكَانَ رَاضِيًا بِذَلِكَ آمِرًا بِهِ دَلَالَةً ( فَإِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ ) أَيْ فِي يَدِ الْوَكِيلِ ( قَبْلَ حَبْسِهِ ) أَيْ قَبْلَ حَبْسِ الْوَكِيلِ الْمَبِيعَ ( هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَلَمْ يَسْقُطْ الثَّمَنُ ) أَيْ لَمْ يَسْقُطْ عَنْ الْمُوَكَّلِ ، هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ : يَعْنِي أَنَّ هَلَاكَ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْوَكِيلِ قَبْلَ حَبْسِهِ إيَّاهُ لَا يَسْقُطُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ ( لِأَنَّ يَدَهُ ) أَيْ يَدَ الْوَكِيلِ ( كَيَدِ الْمُوَكِّلِ ، فَإِذَا لَمْ يَحْبِسْهُ ) أَيْ الْوَكِيلُ ( يَصِيرُ الْمُوَكِّلُ قَابِضًا بِيَدِهِ ) أَيْ بِيَدِ الْوَكِيلِ ، فَالْهَلَاكُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ 39 كَالْهَلَاكِ فِي يَدِ الْمُوَكِّلِ فَلَا يَسْقُطُ الرُّجُوعُ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث