فتح القدير
فتح القدير · الجزء الثامن
الصفحة 4642 · ص. المطبوع 57 · الشرح
( قَالَ ) أَيْ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ( وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ ثَمَنًا فَاشْتَرَى لَهُ أَحَدَهُمَا جَازَ ; لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ ) يَعْنِي أَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ اشْتِرَائِهِمَا مُتَفَرِّقَيْنِ أَوْ مُجْتَمِعَيْنِ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ .
( وَقَدْ لَا يَتَّفِقُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ) أَيْ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ ( فِي الْبَيْعِ ) فَوَجَبَ أَنْ يَنْفُذَ عَلَى الْمُوَكِّلِ ( إلَّا فِيمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ جَازَ : أَيْ جَازَ اشْتِرَاءُ أَحَدِهِمَا إلَّا فِيمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِ ( لِأَنَّهُ ) أَيْ ; لِأَنَّ التَّوْكِيلَ الْمَذْكُورَ ( تَوْكِيلٌ بِالشِّرَاءِ ) وَهُوَ لَا يَتَحَمَّلُ الْغَبْنَ الْفَاحِشَ بِالْإِجْمَاعِ ، بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُجَوِّزُ الْبَيْعَ مِنْ الْوَكِيلِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ ( وَهَذَا كُلُّهُ بِالْإِجْمَاعِ ) أَيْ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كُلُّهُ بِالْإِجْمَاعِ ، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ وَعَنْ التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ الْعَبْدَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا ، وَقَدْ سَمَّى لَهُ ثَمَنَهُمَا وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ( وَلَوْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُمَا بِأَلْفٍ ) أَيْ لَوْ أَمَرَ رَجُلًا بِأَنْ يَشْتَرِيَ الْعَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ ( وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ قِيمَتَهُمَا سَوَاءٌ ( فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ اشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ أَوْ أَقَلَّ جَازَ ) أَيْ جَازَ الشِّرَاءُ وَيَقَعُ عَنْ الْمُوَكِّلِ ( وَإِنْ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ ) قَلَّتْ الزِّيَادَةُ أَوْ كَثُرَتْ ( لَمْ يَلْزَمْ الْآمِرُ ) بَلْ يَقَعُ عَنْ الْوَكِيلِ ( لِأَنَّهُ ) أَيْ الْآمِرُ ( قَابَلَ الْأَلْفَ بِهِمَا ) أَيْ بِالْعَبْدَيْنِ ( وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ فَيُقَسَّمُ ) أَيْ الْأَلْفُ ( بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ دَلَالَةً ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الدَّلَالَةُ وَيَعْمَلُ بِهَا عِنْدَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ 57 فَكَانَ آمِرًا بِشِرَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسِمِائَةِ ، ثُمَّ الشِّرَاءُ بِهَا ) أَيْ بِخَمْسِمِائَةِ ( مُوَافَقَةً ) لِأَمْرِ الْآمِرِ ( وَبِأَقَلَّ مِنْهَا ) أَيْ بِالشِّرَاءِ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ ( مُخَالَفَةً إلَى خَيْرٍ ) فَيَجُوزُ ( وَبِالزِّيَادَةِ إلَى شَرٍّ ) أَيْ الشِّرَاءُ بِالزِّيَادَةِ مُخَالَفَةٌ إلَى شَرٍّ ( قَلَّتْ الزِّيَادَةُ أَوْ كَثُرَتْ فَلَا يَجُوزُ ) قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ : احْتَمَلَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا اخْتِلَافَ فِيهَا ; لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ إنَّمَا قَالَ لَمْ يَجُزْ شِرَاؤُهُ عَلَى الْآمِرِ إذَا زَادَ زِيَادَةً لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا . وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَا فِي الَّذِي يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْآمِرُ ، فَإِذَا حُمِلَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافٌ ، وَاحْتُمِلَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا اخْتِلَافٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا زَادَ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لَا يَجُوزُ عَلَى الْآمِرِ ، وَفِي قَوْلِهِمَا يَجُوزُ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ قَلِيلَةً انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ : إنَّ بَعْضَ مَشَايِخِنَا قَالُوا : لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافٌ فِي الْحَقِيقَةِ ، فَإِنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ كَثِيرَةً بِحَيْثُ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ قَلِيلَةً بِحَيْثُ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا ; لِأَنَّهُ لَا تَسْمِيَةَ فِي حَقِّ هَذَا الْوَاحِدِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ لَهُ وَلَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا فَاشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ جَازَ كَذَا هَاهُنَا . ثُمَّ قَالَ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الِاخْتِلَافِ ، فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْجَوَابَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَفَصَّلَهُ عَلَى قَوْلِهِمَا انْتَهَى . وَالْمُصَنِّفُ اخْتَارَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَيْثُ قَالَ : وَبِالزِّيَادَةِ إلَى شَرٍّ قَلَّتْ الزِّيَادَةُ أَوْ كَثُرَتْ فَلَا يَجُوزُ ( إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ الْبَاقِيَ بِبَقِيَّةِ الْأَلْفِ قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمَا ) فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ وَيَلْزَمُ الْآمِرُ ( اسْتِحْسَانًا ) قَيَّدَ بِهِ ; لِأَنَّ جَوَابَ الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَلْزَمَ الْآمِرُ لِثُبُوتِ الْمُخَالَفَةِ ، وَبِهِ أَخَذَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ .
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ ( لِأَنَّ شِرَاءَ الْأَوَّلِ قَائِمٌ ) يَعْنِي أَنَّ شِرَاءَ الْعَبْدِ الْأَوَّلِ قَائِمٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ بِالْخُصُومَةِ ( وَقَدْ حَصَلَ غَرَضُهُ الْمُصَرَّحُ بِهِ ) أَيْ وَقَدْ حَصَلَ عِنْدَ اشْتِرَاءِ الْبَاقِي غَرَضُ الْأَوَّلِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ ( وَهُوَ تَحْصِيلُ الْعَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ وَمَا ثَبَتَ الِانْقِسَامُ ) أَيْ لَمْ يَثْبُتْ ( إلَّا دَلَالَةً وَالصَّرِيحُ يَفُوقُهَا ) أَيْ يَفُوقُ الدَّلَالَةَ : يَعْنِي أَنَّ الِانْقِسَامَ بِالسَّوِيَّةِ إنَّمَا كَانَ ثَابِتًا بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ ، وَإِذَا جَاءَ الصَّرِيحُ وَأَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِ بَطَلَتْ الدَّلَالَةُ ( وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ : إنْ اشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْأَلْفِ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ وَقَدْ بَقِيَ ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ ( مِنْ الْأَلْفِ مَا يُشْتَرَى بِمِثْلِهِ الْبَاقِي جَازَ ) وَلَزِمَ الْآمِرُ ( لِأَنَّ التَّوْكِيلَ مُطْلَقٌ ) أَيْ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِخَمْسِمِائَةٍ ( لَكِنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِالْمُتَعَارَفِ وَهُوَ ) أَيْ الْمُتَعَارَفُ ( فِيمَا قُلْنَا ) أَيْ فِيمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ ( وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى مِنْ الْأَلْفِ بَاقِيَةٌ يُشْتَرَى بِمِثْلِهَا الْبَاقِي ) مِنْ الْعَبْدَيْنِ ( لِيُمْكِنَهُ ) أَيْ لِيُمْكِنَ الْمَأْمُورُ ( تَحْصِيلَ غَرَضِ الْآمِرِ ) وَهُوَ تَمَلُّكُ 58 الْعَبْدَيْنِ مَعًا
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث