فتح القدير
فتح القدير · الجزء الثامن
الصفحة 4717 · ص. المطبوع 147 · الشرح
( وَإِنْ لَحِقَ ) أَيْ الْوَكِيلُ ( بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّصَرُّفُ إلَّا أَنْ يَعُودَ ) مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ( مُسْلِمًا ) هَذَا إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَإِنَّهُ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْمَبْسُوطِ : وَإِنْ لَحِقَ الْوَكِيلُ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْوَكَالَةِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا مَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ وَهَكَذَا أَشَارَ إلَيْهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ حَيْثُ قَالَ : وَلَوْ ارْتَدَّ الْوَكِيلُ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ انْتَقَضَتْ الْوَكَالَةُ لِانْقِطَاعِ الْعِصْمَةِ بَيْنَ مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَبَيْنَ مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَقَدَّرَ مَوْتَهُ أَوْ جَعَلَهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ فَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ انْتَهَى .
كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا ( قَالَ ) أَيْ قَالَ الْمُصَنِّفُ ( وَهَذَا ) أَيْ جَوَازُ التَّصَرُّفِ لِلْوَكِيلِ عِنْدَ عَوْدِهِ مُسْلِمًا ( عِنْدَ مُحَمَّدٍ ، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَعُودُ الْوَكَالَةُ ) أَيْ وَإِنْ عَادَ مُسْلِمًا ( لِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْوَكَالَةَ إطْلَاقٌ ) أَيْ إطْلَاقُ التَّصَرُّفِ ( لِأَنَّهُ ) أَيْ الْوَكَالَةَ 147 بِتَأْوِيلِ التَّوْكِيلِ أَوْ الْعَقْدِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ ( رُفِعَ الْمَانِعُ ) فَإِنَّ الْوَكِيلَ كَانَ مَمْنُوعًا شَرْعًا عَنْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي شَيْءٍ لِمُوَكِّلِهِ ، فَإِذَا وَكَّلَهُ رُفِعَ الْمَانِعُ ( أَمَّا الْوَكِيلُ يَتَصَرَّفُ بِمَعَانٍ قَائِمَةٍ بِهِ ) أَيْ بِالْوَكِيلِ : يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَحْدُثُ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ وَوِلَايَةٌ ، بَلْ إنَّمَا يَتَصَرَّفُ بِمَعَانٍ قَائِمَةٍ بِهِ وَهِيَ الْعَقْلُ وَالْقَصْدُ إلَى ذَلِكَ التَّصَرُّفِ وَالذِّمَّةُ الصَّالِحَةُ لَهُ .
( وَإِنَّمَا عَجَزَ ) أَيْ وَإِنَّمَا عَجَزَ الْوَكِيلُ عَنْ التَّصَرُّفِ ( بِعَارِضِ اللَّحَاقِ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ ) يَعْنِي أَنَّ الْإِطْلَاقَ بَاقٍ مِنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ بَعْدَ عُرُوضِ هَذَا الْعَارِضِ ، وَلَكِنْ إنَّمَا عَجَزَ الْوَكِيلُ عَنْ التَّصَرُّفِ بِهَذَا الْعَارِضِ ( فَإِذَا زَالَ الْعَجْزُ وَالْإِطْلَاقُ بَاقٍ عَادَ وَكِيلًا ) وَفِي الْمَبْسُوطِ : وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ : صَحَّتْ الْوَكَالَةُ لِحَقِّ الْمُوَكِّلِ وَحَقُّهُ قَائِمٌ بَعْدَ لَحَاقِ الْوَكِيلِ بِدَارِ الْحَرْبِ ، وَلَكِنَّهُ عَجَزَ عَنْ التَّصَرُّفِ بِعَارِضٍ وَالْعَارِضُ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ ، فَإِذَا زَالَ يَصِيرُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فَبَقِيَ الْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ زَمَانًا ثُمَّ أَفَاقَ ( وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ ) أَيْ التَّوْكِيلَ ( إثْبَاتُ وِلَايَةِ التَّنْفِيذِ ) أَيْ تَمْلِيكُ وِلَايَةِ تَنْفِيذِ التَّصَرُّفِ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ لِلْوَكِيلِ لَا إثْبَاتُ وِلَايَةِ أَصْلِ التَّصَرُّفِ لَهُ ( لِأَنَّ وِلَايَةَ أَصْلِ التَّصَرُّفِ ) ثَابِتَةٌ لَهُ ( بِأَهْلِيَّتِهِ ) لِجِنْسِ التَّصَرُّفِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ ( وَوِلَايَةُ التَّنْفِيذِ بِالْمِلْكِ ) أَيْ وَتَمْلِيكُ وِلَايَةِ التَّنْفِيذِ مُلْصَقٌ بِالْمِلْكِ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ بِلَا مِلْكٍ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فَكَانَ الْوَكِيلُ مَالِكًا لِلتَّنْفِيذِ بِالْوَكَالَةِ ( وَبِاللَّحَاقِ ) أَيْ بِاللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ ( لَحِقَ ) أَيْ الْوَكِيلُ ( بِالْأَمْوَاتِ ) فَبَطَلَ الْمِلْكُ ( وَبَطَلَتْ الْوِلَايَةُ ) أَيْ إذَا بَطَلَتْ الْوِلَايَةُ بَطَلَ التَّوْكِيلُ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَخَلُّفُ الْمَعْلُولِ عَنْ الْعِلَّةِ ( فَلَا تَعُودُ ) أَيْ الْوِلَايَةُ : يَعْنِي إذَا بَطَلَتْ الْوِلَايَةُ فَلَا تَعُودُ ( كَمِلْكِهِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ ) فَإِنَّهُ إذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَقَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ تَعْتِقُ أُمُّ وَلَدِهِ وَمُدَبَّرُهُ ثُمَّ بِعَوْدِهِ مُسْلِمًا لَا يَعُودُ مِلْكُهُ فِيهِمَا وَلَا يَرْتَفِعُ الْعِتْقُ ، فَكَذَلِكَ الْوِلَايَةُ الَّتِي بَطَلَتْ لَا تَعُودُ ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ لَحِقَ بِالْأَمْوَاتِ إلَى أَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا قَضَى الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ .
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْضِ بِذَلِكَ فَلَا يَخْرُجُ الْوَكِيلُ عَنْ الْوَكَالَةِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ : قَالَ صَاحِبُ 148 الْعِنَايَةِ : بَقِيَ الْكَلَامُ فِي قَوْلِهِ : لِأَنَّ وِلَايَةَ أَصْلِ التَّصَرُّفِ بِأَهْلِيَّتِهِ فَإِنَّهُ بَعِيدُ التَّعَلُّقِ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ أَنَّهُ إثْبَاتُ وِلَايَةِ التَّنْفِيذِ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّفَ فَيُقَالَ : الْوَكِيلُ لَهُ وِلَايَتَانِ : وِلَايَةُ أَصْلِ التَّصَرُّفِ ، وَوِلَايَةُ التَّنْفِيذِ ، وَالْأُولَى ثَابِتَةٌ لَهُ قَبْلَ التَّوْكِيلِ وَبَعْدَهُ ، وَالثَّانِيَةُ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً قَبْلَهُ ، وَإِنَّمَا حَدَثَتْ بَعْدَهُ وَلَمْ يَتَجَدَّدْ عَلَيْهِ شَيْءٌ سِوَى التَّوْكِيلِ فَكَانَتْ ثَابِتَةً بِهِ انْتَهَى .
أَقُولُ : إنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ وِلَايَةَ أَصْلِ التَّصَرُّفِ بِأَهْلِيَّتِهِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى مَنْطُوقِ قَوْلِهِ إنَّهُ إثْبَاتُ وِلَايَةِ التَّنْفِيذِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ بَعِيدُ التَّعَلُّقِ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَيْهِ ، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى مَفْهُومِ ذَلِكَ ، وَهُوَ لَا إثْبَاتَ وِلَايَةِ أَصْلِ التَّصَرُّفِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ مِنْ قَبْلُ ، فَالْمَعْنَى أَنَّ التَّوْكِيلَ إثْبَاتُ وِلَايَةِ التَّنْفِيذِ لِلْوَكِيلِ لَا إثْبَاتُ وِلَايَةِ أَصْلِ التَّصَرُّفِ لَهُ ، حَتَّى يَجُوزَ أَنْ تَعُودَ الْوَكَالَةُ بِعَوْدِ الْوَكِيلِ مُسْلِمًا كَمَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ ; لِأَنَّ وِلَايَةَ أَصْلِ التَّصَرُّفِ ثَابِتَةٌ لَهُ بِأَهْلِيَّتِهِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُثْبِتَهَا الْمُوَكِّلُ لَهُ بِالتَّوْكِيلِ ، وَإِنْ لَمْ يَسْلَمْ اعْتِبَارُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَنَقُولُ : هُوَ دَلِيلٌ عَلَى مُقَدِّمَةٍ مَطْوِيَّةٍ مَفْهُومَةٍ مِنْ الْكَلَامِ بِمَعُونَةِ قَرِينَةِ الْمَقَامِ وَهِيَ لَا إثْبَاتُ وِلَايَةِ التَّصَرُّفِ لَهُ فَلَا إشْكَالَ عَلَى كُلِّ حَالٍ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث