فتح القدير
فتح القدير · الجزء الثامن
الصفحة 4801 · ص. المطبوع 237 · الشرح
( فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَاخْتَلَفَتْ وَرَثَتُهُ مَعَ الْآخَرِ فَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا ) أَيُّهُمَا كَانَ ( لِأَنَّ الْيَدَ لِلْحَيِّ دُونَ الْمَيِّتِ ) أَيْ لَا يَدَ لِلْمَيِّتِ ( وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ) يَعْنِي مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لَا مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلُ ( قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ ) لِأَنَّ الْمَذْكُورَ مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلُ لَيْسَ قَوْلُهُ خَاصَّةً ، فَإِنَّ كَوْنَ مَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ وَمَا 237 يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِذَلِكَ ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ ( وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَدْفَعُ إلَى الْمَرْأَةِ مَا يُجَهَّزُ بِهِ مِثْلُهَا ) وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي الْمُشْكِلِ ، وَأَمَّا فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فَقَوْلُهُ كَقَوْلِهِمَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مِثْلِهَا ، هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَشُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ، وَفِي لَفْظِ الْكِتَابِ نَوْعُ تَخْلِيطٍ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ هَذَا فِيمَا ذُكِرَ قَوْلُهُمَا فِي حَقِّ الْمُشْكِلِ ، وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ : وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا كَالْآنِيَةِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَدْفَعُ لِلْمَرْأَةِ مَا يُجَهَّزُ بِهِ مِثْلُهَا ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ ( وَالْبَاقِي ) أَيْ مِنْ الْمُشْكِلِ ( لِلزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَأْتِي بِالْجِهَازِ ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ يَدْفَعُ إلَى الْمَرْأَةِ مَا يُجَهَّزُ بِهِ مِثْلُهَا ( وَهَذَا أَقْوَى ) أَيْ هَذَا الظَّاهِرُ ، وَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَأْتِي بِالْجِهَازِ ظَاهِرٌ قَوِيٌّ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ ( فَيَبْطُلُ بِهِ ظَاهِرُ يَدِ الزَّوْجِ ) وَهُوَ يَدُهُ ( ثُمَّ فِي الْبَاقِي لَا مُعَارِضَ لِظَاهِرِهِ ) أَيْ لِظَاهِرِ الزَّوْجِ ( فَيُعْتَبَرُ ) وَقَوْلُهُ ثُمَّ فِي الْبَاقِي إلَى هُنَا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَالْبَاقِي لِلزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ ( وَالطَّلَاقُ وَالْمَوْتُ سَوَاءٌ ) أَيْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ( لِقِيَامِ الْوَرَثَةِ مَقَامَ مُوَرِّثِهِمْ ) .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : مَا كَانَ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ ، وَمَا كَانَ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ ، وَمَا يَكُونُ لَهُمَا فَهُوَ ( لِلرَّجُلِ ) أَيْ إنْ كَانَ حَيًّا ( أَوْ لِوَرَثَتِهِ ) إنْ كَانَ مَيِّتًا ( لِمَا قُلْنَا لِأَبِي حَنِيفَةَ ) مِنْ الدَّلِيلِ وَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ وَمَا فِي يَدِهَا فِي يَدِ الزَّوْجِ وَالْقَوْلُ لِصَاحِبِ الْيَدِ ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَيَاةِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَمَاتِ فَقَوْلُهُ ( وَالطَّلَاقُ وَالْمَوْتُ سَوَاءٌ لِقِيَامِ الْوَارِثِ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ ) وَذَكَرَ فِي الْفَوَائِدِ : مُحَمَّدٌ يَقُولُ : وَرَثَةُ الزَّوْجِ يَقُومُونَ مَقَامَ الزَّوْجِ لِأَنَّهُمْ خُلَفَاؤُهُ فِي مَالِهِ ; فَكَمَا أَنَّ فِي الْمُشْكِلِ الْقَوْلَ فِي حَيَاتِهِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَمَاتِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ وَرَثَتِهِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ : يَدُ الْبَاقِي مِنْهُمَا إلَى الْمَتَاعِ أَسْبَقُ ، لِأَنَّ الْوَارِثَ إنَّمَا يَثْبُتُ يَدَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ ، وَكَمَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِقُوَّةِ الْيَدِ نَظَرًا إلَى صَلَاحِيَّةِ الِاسْتِعْمَالِ فَكَذَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ بِسَبْقِ الْيَدِ لِأَنَّ يَدَ الْبَاقِي مِنْهُمَا يَدُ نَفْسِهِ وَيَدَ الْوَارِثِ خَلَفٌ عَنْ يَدِ الْمُوَرِّثِ ، فَهَذَا نَوْعٌ مِنْ التَّرْجِيحِ فَكَانَ الْمُشْكِلُ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ ( وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ) أَيْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ( مَمْلُوكًا ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَحْجُورًا أَوْ مَأْذُونًا لَهُ أَوْ مُكَاتَبًا ( فَالْمَتَاعُ لِلْحُرِّ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ لِأَنَّ يَدَ الْحُرِّ أَقْوَى ) لِكَوْنِ الْيَدِ يَدَ نَفْسِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَيَدُ الْمَمْلُوكِ لِغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ الْمَوْلَى وَالْأَقْوَى أَوْلَى ، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي الْحُرَّيْنِ ، فَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ لِقُوَّةِ يَدِهِ فِيهِ ، وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ لِذَلِكَ ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ ( وَلِلْحَيِّ بَعْدَ الْمَمَاتِ ) أَيْ وَالْمَتَاعُ لِلْحَيِّ 238 بَعْدَ الْمَمَاتِ حُرًّا كَانَ الْمَيِّتُ أَوْ مَمْلُوكًا ، هَكَذَا وَقَعَ فِي عَامَّةِ نُسَخِ شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ : وَلِلْحُرِّ بَعْدَ الْمَمَاتِ ، ثُمَّ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ : وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ : لِلْحَيِّ مِنْهُمَا وَهُوَ سَهْوٌ ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ . وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ مُخْتَارَ الْعَامَّةِ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ( لِأَنَّهُ لَا يَدَ لِلْمَيِّتِ فَخَلَتْ يَدُ الْحَيِّ عَنْ الْمُعَارِضِ ) فَكَانَ الْمَتَاعُ لَهُ ( وَهَذَا ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ بِلَا فَصْلٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْمَحْجُورِ وَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ وَالْمُكَاتَبِ ( عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا : الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَالْمُكَاتَبُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ لِأَنَّ لَهُمَا يَدًا مُعْتَبَرَةً فِي الْخُصُومَاتِ ) وَلِهَذَا لَوْ اخْتَصَمَ الْحُرُّ وَالْمُكَاتَبُ فِي شَيْءٍ هُوَ فِي أَيْدِيهِمَا قَضَى بِهِ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْيَدِ ، وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ ثَالِثٍ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ اسْتَوَيَا فِيهِ ، فَكَمَا لَا يَتَرَجَّحُ الْحُرُّ بِالْحُرِّيَّةِ فِي سَائِرِ الْخُصُومَاتِ فَكَذَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ .
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْيَدَ عَلَى مَتَاعِ الْبَيْتِ بِاعْتِبَارِ السُّكْنَى فِيهِ ، وَالْحُرُّ فِي السُّكْنَى أَصْلٌ دُونَ الْمَمْلُوكِ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث