فتح القدير
فتح القدير · الجزء الثامن
الصفحة 4901 · ص. المطبوع 336 · الشرح
( وَلَوْ قَالَ الْمُقِرُّ ) فِي قَوْلِهِ : عَلَيَّ أَوْ قِبَلِي ( وَهُوَ وَدِيعَةٌ وَوَصَلَ ) أَيْ وَوَصَلَ قَوْلَهُ : عَلَيَّ أَوْ قِبَلِي بِقَوْلِهِ هُوَ وَدِيعَةٌ ( صُدِّقَ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ ) أَيْ يَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ ( مَجَازًا ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمَجَازُ ( حَيْثُ يَكُونُ الْمَضْمُونُ عَلَيْهِ حِفْظَهُ ) أَيْ حِفْظَ الْمُودَعِ ، فَإِنَّ الْمُودَعَ مُلْتَزِمٌ حِفْظَ الْوَدِيعَةِ ( وَالْمَالُ مَحَلُّهُ ) أَيْ مَحَلُّ الْحِفْظِ فَقَدْ ذَكَرَ الْمَحَلَّ وَهُوَ مَالُ الْوَدِيعَةِ وَأَرَادَ الْحَالَ وَهُوَ حِفْظُهُ فَجَازَ مَجَازًا كَمَا فِي قَوْلِهِمْ : نَهْرٌ جَارٍ لَكِنَّهُ تَغْيِيرٌ عَنْ وَضْعِهِ ( فَيُصَدَّقُ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا ) لِأَنَّهُ صَارَ بَيَانَ تَغْيِيرٍ ، وَبَيَانُ التَّغْيِيرِ يُقْبَلُ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ ( قَالَ ) أَيْ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَفِي نُسَخِ الْمُخْتَصَرِ ) يَعْنِي مُخْتَصَرَ الْقُدُورِيِّ ( فِي قَوْلِهِ قِبَلِي ) أَيْ وَقَعَ فِي قَوْلِ الْمُقِرِّ قِبَلِي ( أَنَّهُ إقْرَارٌ بِالْأَمَانَةِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَنْتَظِمُهُمَا ) أَيْ يَنْتَظِمُ الدَّيْنَ وَالْأَمَانَةَ ( حَتَّى صَارَ قَوْلُهُ ) أَيْ قَوْلُ الْقَائِلِ ( لَا حَقَّ لِي قِبَلَ فُلَانٍ إبْرَاءً عَنْ الدَّيْنِ وَالْأَمَانَةِ جَمِيعًا ) نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأَصْلِ حَيْثُ قَالَ : إذَا قَالَ : لَا حَقَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ بَرِئَ فُلَانٌ مِمَّا هُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ ، وَإِنْ قَالَ : لَا حَقَّ عِنْدَهُ فَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا أَصْلُهُ الْأَمَانَةُ ، وَإِنْ قَالَ لَا حَقَّ لِي قِبَلَ فُلَانٍ بَرِئَ مِمَّا عَلَيْهِ وَمِمَّا عِنْدَهُ لِأَنَّ مَا عِنْدَهُ قِبَلَهُ وَمَا عَلَيْهِ قِبَلَهُ انْتَهَى ( وَالْأَمَانَةُ أَقَلُّهُمَا ) هَذَا تَتِمَّةُ الدَّلِيلِ : يَعْنِي أَنَّ الْأَمَانَةَ أَقَلُّ الدَّيْنِ وَالْأَمَانَةِ فَيُحْمَلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ عَلَيْهَا لِكَوْنِهَا الْأَدْنَى الْمُتَيَقَّنَ . قَالَ الْمُصَنِّفُ ( وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ) أَيْ مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ هُوَ الْأَصَحُّ قَالَ فِي الْكَافِي : وَالْأَوَّلُ مَذْكُورٌ فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي الدُّيُونِ أَغْلَبُ وَأَكْثَرُ فَكَانَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ أَحْرَى وَأَجْدَرَ . وَقَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ : وَالْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّهُ إقْرَارٌ بِالدَّيْنِ أَصَحُّ ، ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ ، وَعَلَّلَ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي الدَّيْنِ أَغْلَبُ وَأَكْثَرُ فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى انْتَهَى .
أَقُولُ : لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : يُنْتَقَضُ هَذَا التَّعْلِيلُ بِمَا إذَا قَالَ : لَا حَقَّ لِي قِبَلَ فُلَانٍ فَإِنَّهُ لَمْ يُحْمَلْ هُنَاكَ عَلَى الدَّيْنِ خَاصَّةً ، بَلْ جُعِلَ إبْرَاءً عَنْ الدَّيْنِ وَالْأَمَانَةِ جَمِيعًا بِالِاتِّفَاقِ مَعَ جَرَيَانِ هَذَا التَّعْلِيلِ هُنَاكَ أَيْضًا . ثُمَّ أَقُولُ : يُمْكِنُ 336 دَفْعُ ذَلِكَ بِإِمْكَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِأَنَّ إحْدَاهُمَا صُورَةُ الْإِثْبَاتِ ، وَلَمَّا لَمْ يَتَيَسَّرْ جَمْعُ إثْبَاتِ الدَّيْنِ وَإِثْبَاتِ الْأَمَانَةِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ حُمِلَ عَلَى مَا هُوَ الْأَرْجَحُ مِنْهُمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، وَأَمَّا الْأُخْرَى فَصُورَةُ النَّفْيِ ، وَلَمَّا تَيَسَّرَ جَمْعُ نَفْيِ الدَّيْنِ وَنَفْيِ الْأَمَانَةِ عَنْ شَيْءٍ حُمِلَ عَلَى نَفْيِهِمَا مَعًا فِي تِلْكَ الصُّورَةِ . وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْفَرْقَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا حَيْثُ قَالَ : وَمَنْ أَوْصَى لِمَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ أَعْتَقَهُمْ وَمَوَالٍ أَعْتَقُوهُ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ . ثُمَّ قَالَ : وَلَنَا أَنَّ الْجِهَةَ مُخْتَلِفَةٌ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مَوْلَى النِّعْمَةِ وَالْآخَرَ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ فَصَارَ مُشْتَرَكًا فَلَمْ يَنْتَظِمْهُمَا لَفْظٌ وَاحِدٌ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ مَوَالِيَ فُلَانٍ حَيْثُ يَتَنَاوَلُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ لِأَنَّهُ مَقَامُ النَّفْيِ وَلَا تَنَافِيَ فِيهِ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ قِيَاسُ تَرْتِيبِ وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُذْكَرَ أَوَّلًا مَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ ثُمَّ يُذْكَرَ مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ ; لِأَنَّ الْهِدَايَةَ شَرْحَ الْبِدَايَةِ الَّتِي تَجْمَعُ مَسَائِلَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَمُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ وَالزَّوَائِدُ عَلَيْهَا مَذْكُورَةٌ عَلَى سَبِيلِ التَّفْرِيعِ ، إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّا رَأَى الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ فِي الْأَصْلِ هُوَ الْأَصَحَّ قَدَّمَهُ فِي الذِّكْرِ ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ فِي الْبِدَايَةِ غَيْرَ مَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ ( وَلَوْ قَالَ عِنْدِي أَوْ مَعِي أَوْ فِي بَيْتِي أَوْ فِي كِيسِي أَوْ فِي صُنْدُوقِي فَهُوَ إقْرَارٌ بِأَمَانَةٍ فِي يَدِهِ ) وَهَذِهِ كُلُّهَا مِنْ مَسَائِلِ الْأَصْلِ . قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهَا ( لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ بِكَوْنِ الشَّيْءِ فِي يَدِهِ ) لَا فِي ذِمَّتِهِ ( وَذَلِكَ ) أَيْ مَا كَانَ فِي يَدِهِ ( يَتَنَوَّعُ إلَى مَضْمُونٍ وَأَمَانَةٍ فَيَثْبُتُ أَقَلُّهُمَا ) وَهُوَ الْأَمَانَةُ . تَوْضِيحُهُ أَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ مَحَلٌّ لِلْعَيْنِ لَا لِلدَّيْنِ ، إذْ الدَّيْنُ مَحَلُّهُ الذِّمَّةُ وَالْعَيْنُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً وَأَمَانَةً وَالْأَمَانَةُ أَدْنَاهَا فَحُمِلَ عَلَيْهَا لِلتَّيَقُّنِ بِهَا ، وَهَذَا لِأَنَّ كَلِمَةَ عِنْدَ لِلْقُرْبِ وَمَعَ لِلْقِرَانِ وَمَا عَدَاهُمَا لِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ فَيَكُونُ مِنْ خَصَائِصِ الْعَيْنِ ، وَلَا يَحْتَمِلُ الدَّيْنَ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِهِ فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ ، فَإِذَا كَانَتْ مِنْ خَصَائِصِ الْعَيْنِ تَعَيَّنَتْ الْأَمَانَةُ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ تُسْتَعْمَلُ فِي الْأَمَانَاتِ وَمُطْلَقُ الْكَلَامِ يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ .
فَإِنْ قُلْت : يُشْكِلُ هَذَا بِمَا قَالَ : لَهُ قِبَلِي مِائَةُ دِرْهَمٍ دَيْنُ وَدِيعَةٍ أَوْ وَدِيعَةُ دَيْنٍ فَإِنَّهُ إقْرَارٌ بِالدَّيْنِ لَا بِالْأَمَانَةِ مَعَ أَنَّ الْأَمَانَةَ أَقَلُّهُمَا . قُلْت : تَنَوُّعُ اللَّفْظِ إلَى الضَّمَانِ وَالْأَمَانَةِ فِيمَا فِيهِ نَحْنُ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ ، وَفِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مِنْ لَفْظَيْنِ ، وَالْأَصْلُ أَنَّ أَحَدَ اللَّفْظَيْنِ إذَا كَانَ لِلْأَمَانَةِ وَالْآخَرُ لِلدَّيْنِ فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِقْرَارِ تَرَجَّحَ الدَّيْنُ ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ هَذَا عَنْ الْمَبْسُوطِ : وَهَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ اسْتِعَارَةَ اللَّفْظِ الَّذِي يُوجِبُ الدَّيْنَ لِمَا يُوجِبُ الْأَمَانَةَ مُمْكِنٌ لَا عَلَى الْعَكْسِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ اسْتِعَارَةُ الْأَدْنَى لِلْأَعْلَى ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ كَمَا لَا يَصِحُّ اسْتِعَارَةُ لَفْظِ الطَّلَاقِ لِلْعَتَاقِ ، وَأَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَكَانَ فِيهِ اسْتِعَارَةُ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى وَهُوَ صَحِيحٌ كَاسْتِعَارَةِ الْعِتْقِ لِلطَّلَاقِ ، وَالِاسْتِعَارَةُ إنَّمَا تَصِحُّ فِي اللَّفْظَيْنِ لَا فِي اللَّفْظِ الْوَاحِدِ الْمُحْتَمِلِ لِلشَّيْئَيْنِ ، بَلْ إنَّمَا يُنْظَرُ فِيهِ إلَى مَا هُوَ الْأَعْلَى الْمُحْتَمَلُ وَالْأَدْنَى الْمُتَيَقَّنُ فَيُحْمَلُ عَلَى الْأَدْنَى الْمُتَيَقَّنِ لِثُبُوتِهِ يَقِينًا انْتَهَى .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث