فتح القدير
فتح القدير · الجزء الثامن
الصفحة 4905 · الشرح
( قَالَ ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ ( وَمَنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فَصَدَّقَهُ الْمُقِرُّ لَهُ فِي الدَّيْنِ وَكَذَّبَهُ فِي التَّأْجِيلِ لَزِمَهُ الدَّيْنُ حَالًا ) هَذَا عِنْدَنَا ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَزِمَهُ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَالٍ مَوْصُوفٍ بِأَنَّهُ مُؤَجَّلٌ إلَى وَقْتٍ فَيَلْزَمُهُ بِالْوَصْفِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقٌّ لِمَنْ عَلَيْهِ الْمَالُ فَكَيْفَ يَكُونُ صِفَةً لِلْمَالِ الَّذِي هُوَ حَقُّ الدَّائِنِ وَلَكِنَّهُ مُؤَخَّرٌ لِلْمُطَالَبَةِ إلَى مُضِيِّهِ ، فَكَانَ دَعْوَاهُ الْأَجَلَ كَدَعْوَاهُ الْإِبْرَاءَ ، كَذَا ذَكَرَ فِي بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْمَبْسُوطِ . قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا ( لِأَنَّهُ ) أَيْ لِأَنَّ الْمُقِرَّ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ ( أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَالٍ وَادَّعَى حَقًّا لِنَفْسِهِ فِيهِ ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْمَالِ فَيُصَدَّقُ فِي الْإِقْرَارِ بِلَا حُجَّةٍ دُونَ الدَّعْوَى ( فَصَارَ ) أَيْ فَصَارَ الْمُقِرُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ( كَمَا إذَا أَقَرَّ ) لِغَيْرِهِ ( بِعَبْدٍ فِي يَدِهِ ) أَيْ بِعَبْدٍ كَائِنٍ فِي يَدِ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ مَلَكَ ذَلِكَ الْغَيْرَ ( وَادَّعَى الْإِجَارَةَ ) أَيْ ادَّعَى أَنَّهُ اسْتَأْجَرَ هَذَا الْعَبْدَ مِنْ صَاحِبِهِ فَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي الْمِلْكِ دُونَ الْإِجَارَةِ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ هُنَاكَ فِي دَعْوَى الْإِجَارَةِ ، فَكَذَا هَاهُنَا فِي دَعْوَى الْأَجَلِ ( بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ بِالدَّرَاهِمِ السُّودِ ) أَيْ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِالدَّرَاهِمِ السُّودِ فَصَدَّقَهُ فِي الْمُقَرِّ لَهُ بِالدَّرَاهِمِ دُونَ وَصْفِ السَّوَادِ حَيْثُ يَلْزَمُهُ الدَّرَاهِمُ السُّودُ دُونَ الْبِيضِ ( لِأَنَّهُ ) أَيْ لِأَنَّ السَّوَادَ ( صِفَةٌ فِيهِ ) أَيْ فِي الدَّرَاهِمِ أَوْ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ فَيَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا ، وَأَمَّا الْأَجَلُ فَلَيْسَ بِصِفَةٍ فِي الدُّيُونِ الْوَاجِبَةِ بِغَيْرِ عَقْدِ الْكَفَالَةِ كَالْقُرُوضِ وَثَمَنِ الْبِيَاعَاتِ وَالْمَهْرِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ ، بَلْ الْأَجَلُ فِيهَا أَمْرٌ عَارِضٌ وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ بِلَا شَرْطٍ ، وَالْقَوْلُ لِمُنْكَرِ الْعَارِضِ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ( وَقَدْ مَرَّتْ الْمَسْأَلَةُ فِي الْكَفَالَةِ ) فَإِنَّهُ قَالَ فِي فَصْلِ الضَّمَانِ مِنْ كِتَابِ الْكَفَالَةِ وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ : لَك عَلَيَّ مِائَةٌ إلَى شَهْرٍ وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ هِيَ حَالَّةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي ، وَإِنْ قَالَ : ضَمِنْت لَك عَنْ فُلَانٍ مِائَةً إلَى شَهْرٍ وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ هِيَ حَالَّةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الضَّامِنِ .
وَقَالَ : وَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْمُقِرَّ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ ثُمَّ ادَّعَى حَقًّا لِنَفْسِهِ وَهُوَ تَأْخِيرُ الْمُطَالَبَةِ إلَى أَجَلٍ ، وَفِي الْكَفَالَةِ مَا أَقَرَّ بِالدَّيْنِ فَإِنَّهُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ إنَّمَا أَقَرَّ بِمُجَرَّدِ الْمُطَالَبَةِ بَعْدَ الشَّهْرِ ، وَلِأَنَّ الْأَجَلَ فِي الدُّيُونِ عَارِضٌ حَتَّى لَا يَثْبُتَ إلَّا بِالشَّرْطِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ أَنْكَرَ الشَّرْطَ كَمَا فِي الْخِيَارِ ، أَمَّا الْأَجَلُ فِي الْكَفَالَةِ نَوْعٌ حَتَّى يَثْبُتَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ بِأَنْ كَانَ مُؤَجَّلًا عَلَى الْأَصِيلِ انْتَهَى ( قَالَ ) أَيْ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ ( وَيُسْتَحْلَفُ الْمُقَرُّ لَهُ ) أَيْ يُسْتَحْلَفُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ ( عَلَى الْأَجَلِ ) أَيْ عَلَى إنْكَارِ الْأَجَلِ ( لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ حَقًّا عَلَيْهِ ) فَإِنَّ الْمُقِرَّ يَدَّعِي عَلَيْهِ التَّأْجِيلَ وَهُوَ يُنْكِرُ ذَلِكَ ( وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ ) بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَفِي الذَّخِيرَةِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ الْإِقْرَارِ ، وَلَا يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ بِالْحَلِفِ حَتَّى إنَّ مَنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ ثُمَّ أَنْكَرَ فَاسْتَحْلَفَهُ الْقَاضِي فَحَلَفَ ثُمَّ أَقَامَ الطَّالِبُ بَيِّنَةً عَلَى إقْرَارِهِ قَضَى لَهُ بِالْمُقَرِّ بِهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث