فتح القدير
فتح القدير · الجزء التاسع
الصفحة 5488 · ص. المطبوع 497 · الشرح
( قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمَذْبُوحُ مَيْتَةٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ۝ كُلُّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَأَفْرَى الْأَوْدَاجَ مَا خَلَا الظُّفْرِ وَالسِّنُّ فَإِنَّهُمَا مُدَى الْحَبَشَةِ } ) أَقُولُ : هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ عَلَى تَمَامِ مُدَّعَى الشَّافِعِيِّ ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مُدَّعَاهُ فِي الْبَعْضِ ، فَإِنَّ الْقَرْنَ أَيْضًا دَاخِلٌ فِي الْمُدَّعَى مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ أَكْلِ الْمَذْبُوحِ بِذَلِكَ بَلْ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ حَيْثُ اسْتَثْنَى الظُّفْرَ وَالسِّنَّ فَبَقِيَ مَا عَدَاهُمَا فِي حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ( قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَلَا يَكُونُ ذَكَاةً ) أَقُولُ : فِيهِ بَحْثٌ ، لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ إنَّهُ فِعْلٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ فَهُوَ مَمْنُوعٌ عِنْدَنَا بَلْ هُوَ أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فَهُوَ مُسَلَّمٌ ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَكَاةً حِينَئِذٍ بَلْ هُوَ أَيْضًا أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ 497 عِنْدَنَا ، وَلَكِنَّهُ ذَكَاةٌ يَجُوزُ أَكْلُ الْمَذْبُوحِ بِهِ كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ بِأَكْلِهِ بَأْسٌ ، إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ هَذَا الذَّبْحُ فَلَمْ يَخْلُ هَذَا التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ مِنْ قِبَلِ الشَّافِعِيُّ عَنْ الْمُصَادَرَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ كَمَا تَرَى ( قَوْلُهُ وَالنُّخَاعُ عِرْقٌ أَبْيَضُ فِي عَظْمِ الرَّقَبَةِ ) .
قَالَ فِي الْمُغْرِبِ : النُّخَاعُ خَيْطٌ أَبْيَضُ فِي جَوْفِ عَظْمِ الرَّقَبَةِ يَمْتَدُّ إلَى الصُّلْبِ ، وَالْفَتْحُ وَالضَّمُّ لُغَةٌ فِي الْكَسْرِ ، وَمَنْ قَالَ هُوَ عِرْقٌ فَقَدْ سَهَا ، إنَّمَا ذَلِكَ الْبِخَاعُ بِالْبَاءِ يَكُونُ فِي الْقَفَا ، وَمِنْهُ بَخَعَ الشَّاةَ إذَا بَلَغَ بِالذَّبْحِ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ ، فَالْبَخْعُ أَبْلَغُ مِنْ النَّخْعِ انْتَهَى . وَذَكَرَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مَا فِي الْمُغْرِبِ بِعَيْنِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَنْسُبْهُ إلَى الْمُغْرِبِ فَصَاحِبُ الْعِنَايَةِ كَأَنَّهُ حَسِبَ أَنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ ذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ حَيْثُ قَالَ : فَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ عِرْقٌ أَبْيَضُ فِي عَظْمِ الرَّقَبَةِ ، وَنَسَبَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ إلَى السَّهْوِ وَقَالَ : هُوَ خَيْطٌ أَبْيَضُ فِي جَوْفِ عَظْمِ الرَّقَبَةِ يَمْتَدُّ إلَى الصُّلْبِ . وَرُدَّ بِأَنَّ بَدَنَ الْحَيَوَانِ مُرَكَّبٌ مِنْ عِظَامٍ وَأَعْصَابٍ وَعُرُوقٍ هِيَ شَرَايِينُ وَأَوْتَارٌ وَمَا ثَمَّةَ شَيْءٌ يُسَمَّى بِالْخَيْطِ أَصْلًا ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْعِنَايَةِ . أَقُولُ : الرَّدُّ الْمَذْكُورُ مَرْدُودٌ ، لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْعِظَامِ وَالْأَعْصَابِ وَالْعُرُوقِ إنَّمَا هُوَ أَعْضَاءٌ مُفْرَدَةٌ لِبَدَنِ الْحَيَوَانِ ، وَلَهُ أَعْضَاءٌ أُخَرُ مُفْرَدَةٌ كَالْغُضْرُوفِ وَالرِّبَاطِ وَالْغِشَاءِ وَاللَّحْمِ وَالشَّحْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَمُرَكَّبَةٌ تَرْكِيبًا أَوَّلِيًّا كَالْعَضَلِ ، أَوْ ثَانِيًا كَالْعَيْنِ ، أَوْ ثَالِثًا كَالْوَجْهِ ، ثُمَّ الرَّأْسُ مَثَلًا عَلَى مَا بُيِّنَ كُلُّهُ فِي كُتُبِ الطِّبِّ .
498 فَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَمَا ثَمَّةَ شَيْءٌ يُسَمَّى بِالْخَيْطِ أَنَّهُ مَا فِي الْأَعْضَاءِ الْمُفْرَدَةِ الْمَخْصُوصَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا شَيْءٌ يُسَمَّى بِالْخَيْطِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ ، لَكِنْ لَا يُجْدِي شَيْئًا إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّ النُّخَاعَ مِنْ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ الْمَخْصُوصَةِ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ أَنْ لَا يُسَمَّى شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ بِالْخَيْطِ أَنْ لَا يَكُونَ النُّخَاعُ خَيْطًا ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ مَا فِي أَعْضَاءِ بَدَنِ الْحَيَوَانِ وَأَجْزَائِهِ مُطْلَقًا شَيْءٌ يُسَمَّى بِالْخَيْطِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ جِدًّا ، كَيْفَ وَلَا شَكَّ أَنَّ النُّخَاعَ مِنْ أَجْزَائِهِ وَكُتُبُ اللُّغَةِ مَشْحُونَةٌ بِتَفْسِيرِهِ بِالْخَيْطِ : مِنْهَا الْمُغْرِبُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ ، وَمِنْهَا صِحَاحُ الْجَوْهَرِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ : وَهُوَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ الَّذِي فِي جَوْفِ الْفَقَارِ ، وَمِنْهَا الْقَامُوسُ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ : وَالنُّخَاعُ مُثَلَّثَةٌ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ فِي جَوْفِ الْفَقَارِ يَنْحَدِرُ مِنْ الدِّمَاغِ وَيَتَشَعَّبُ مِنْهُ شُعَبٌ فِي الْجِسْمِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُعْتَبَرَاتِ كُتُبِ اللُّغَةِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث