فتح القدير
فتح القدير · الجزء العاشر
الصفحة 5702 · ص. المطبوع 108 · الشرح
108 ( فَصْلٌ فِي طَبْخِ الْعَصِيرِ )
قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ : لَمَّا كَانَ طَبْخُ الْعَصِيرِ مِنْ أَسْبَابِ مَنْعِهِ عَنْ التَّخَمُّرِ أَلْحَقَهُ بِالْأَشْرِبَةِ تَعْلِيمًا لِإِبْقَاءِ مَا هُوَ حَلَالٌ عَلَى حِلِّهِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَمَّا ذَكَرَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْعَصِيرَ لَا يَحِلُّ مَا لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ شَرَعَ يُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ طَبْخِ الْعَصِيرِ إلَى أَنْ يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّ الَّذِي يَذْهَبُ زَبَدًا هُوَ الْعَصِيرُ أَوْ مَا يُمَازِجُهُ ، وَأَيًّا مَا كَانَ جُعِلَ كَأَنَّ الْعَصِيرَ تِسْعَةٌ فَيَكُونُ ثُلُثُهَا ثَلَاثَةً ) أَقُولُ : فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ 109 أَنَّ وَجْهَ جَعْلِ الْعَصِيرِ تِسْعَةَ دَوَارِقَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الذَّاهِبُ زَبَدًا هُوَ الْعَصِيرُ غَيْرُ ظَاهِرٍ ; إذْ لَا يَكُونُ حِينَئِذٍ فَرْقٌ بَيْنَ الذَّاهِبِ زَبَدًا مِنْ عَشَرَةِ دَوَارِقَ وَبَيْنَ الْبَاقِي مِنْهَا فِي كَوْنِهَا عَصِيرًا ، فَإِذَا جَازَ اعْتِبَارُ بَعْضٍ مِنْهَا وَهُوَ الذَّاهِبُ زَبَدًا فِي حُكْمِ الْعَدَمِ بِلَا أَمْرٍ يُوجِبُهُ فَلِمَ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ بَعْضٍ مِنْ التِّسْعَةِ الْبَاقِيَةِ مِنْهَا أَيْضًا فِي حُكْمِ الْعَدَمِ عِنْدَ ذَهَابِهِ بِالطَّبْخِ
وَالْأَظْهَرُ فِي تَعْلِيلِ هَذَا الْأَصْلِ أَنْ يُقَالَ : لِأَنَّ الَّذِي يَذْهَبُ زَبَدًا جُعِلَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ ; لِأَنَّ الزَّبَدَ لَيْسَ بِعَصِيرٍ فَصَارَ كَمَا لَوْ صُبَّ فِيهِ دَوْرَقٌ مِنْ مَاءٍ ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ الْمَاءُ فَكَذَلِكَ هَذَا ، وَيُفْصِحُ عَنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْغَايَةُ نَقْلًا عَنْ أَصْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ حَيْثُ قَالَ : قَالَ مُحَمَّدٌ : فِي الْأَصْلِ عَشَرَةُ دَوَارِقَ عَصِيرٍ تُصَبُّ فِي قِدْرٍ فَتُطْبَخُ فَتَغْلِي وَيَقْذِفُ بِالزَّبَدِ ، فَجَعَلَ يَأْخُذُ ذَلِكَ الزَّبَدَ حَتَّى جَمَعَ مِنْ ذَلِكَ الزَّبَدِ قَدْرَ دَوْرَقٍ ، ثُمَّ يُطْبَخُ الْبَاقِي حَتَّى يَبْقَى ثَلَاثَةُ دَوَارِقَ وَهُوَ ثُلُثُ الْبَاقِي بَعْدَ الدَّوْرَقِ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ ، وَذَلِكَ ; لِأَنَّ مَا أُخِذَ مِنْ الدَّوْرَقِ زَبَدٌ فَجُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ; لِأَنَّ الزَّبَدَ لَيْسَ بِعَصِيرٍ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الزَّبَدُ عَصِيرًا يُعْتَبَرُ بِمَا لَوْ كَانَ صُبَّ فِيهِ دَوْرَقٌ مِنْ مَاءٍ ، وَلَوْ 110 كَانَ كَذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ الْمَاءُ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْعَصِيرُ وَهِيَ تِسْعَةُ دَوَارِقَ ، فَكَذَلِكَ هَذَا ، إلَى هُنَا لَفْظُهُ ( قَوْلُهُ وَفِيمَا اكْتَفَيْنَا بِهِ كِفَايَةٌ وَهِدَايَةٌ إلَى تَخْرِيجِ غَيْرِهَا مِنْ الْمَسَائِلِ ) قُلْت : فِيهِ إيهَامٌ لَطِيفٌ لِكِتَابَيْهِ الْمُسَمَّى أَحَدُهُمَا بِكِفَايَةِ الْمُنْتَهَى وَالْآخَرُ بِالْهِدَايَةِ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث