فتح القدير
فتح القدير · الجزء العاشر
الصفحة 5786 · ص. المطبوع 174 · الشرح
( بَابُ الرَّهْنِ يُوضَعُ عَلَى يَدِ الْعَدْلِ )
لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْأَحْكَامِ الرَّاجِعَةِ إلَى نَفْسِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ الْأَحْكَامَ الرَّاجِعَةَ إلَى نَائِبِهِمَا وَهُوَ الْعَدْلُ لِمَا أَنَّ 174 حُكْمَ النَّائِبِ يَقْفُو حُكْمَ الْأَصْلِ
ثُمَّ إنَّ الْمُرَادَ بِالْعَدْلِ هَا هُنَا مَنْ رَضِيَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ بِوَضْعِ الرَّهْنِ فِي يَدِهِ
وَزَادَ عَلَيْهِ صَاحِبَا النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ قَيْدًا آخَرَ حَيْثُ قَالَا : وَرَضِيَا بِبَيْعِهِ الرَّهْنَ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ
أَقُولُ : لَعَلَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْهُمَا بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا هُوَ الْغَالِبُ ، وَإِلَّا فَرِضَاهُمَا بِبَيْعِهِ الرَّهْنَ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ لَيْسَ بِأَمْرٍ لَازِمٍ فِي مَعْنَى الْعَدْلِ
وَعَنْ هَذَا قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي : لَيْسَ لِلْعَدْلِ بَيْعُ الرَّهْنِ مَا لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْحِفْظِ فَحَسْبُ انْتَهَى ( قَوْلُهُ : وَإِنَّمَا يَرْجِعُ الْعَدْلُ عَلَى الْمَالِكِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ ; لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ فِي حِفْظِ الْعَيْنِ كَالْمُودَعِ ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ : يُشِيرُ إلَى دَفْعِ مَا عَسَى أَنْ يُقَالَ كَمَا أَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الرَّاهِنِ فَهُوَ نَائِبٌ عَنْ الْمُرْتَهِنِ فِي حَقِّ الْمَالِيَّةِ ، وَالضَّمَانُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ فَلِمَ لَا يُرْجَعُ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْعَدْلَ يَضْمَنُ لِلْمُسْتَحِقِّ ضَمَانَ الْغَصْبِ ، وَالْغَصْبُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ ، وَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ دُونَ الْمَالِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ سُؤَالٌ سَاقِطٌ ; لِأَنَّ الْخَصْمَ لَيْسَ بِقَائِلٍ بِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ
أَقُولُ : هَذِهِ الْعِلَاوَةُ الَّتِي زَادَهَا الشَّارِحُ الْمَذْكُورُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ ، فَإِنَّ عَدَمَ قَوْلِ الْخَصْمِ بِذَلِكَ لَا يَقْتَضِي سُقُوطَ السُّؤَالِ الْمُتَّجَهِ عَلَى أَصْلِنَا ; إذْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ تَوَجَّهَ السُّؤَالُ مِنْ قِبَلِ الْخَصْمِ ، وَعَنْ هَذَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ : لَيْسَ لِلسَّائِلِ مَذْهَبٌ ، وَلَوْ سَلِمَ ذَلِكَ فَلِلْخَصْمِ أَنْ يُورِدَ السُّؤَالَ الْمَذْكُورَ عَلَيْنَا بِطَرِيقِ الْإِلْزَامِ بِمَا هُوَ مُسَلَّمٌ عِنْدَنَا لَا بِطَرِيقِ 175 التَّحْقِيقِ بِمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَهُ
فَالْجَوَابُ الْحَقُّ عَنْهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لَا غَيْرُ ( قَوْلُهُ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ : أَيْ جَعَلَ الْقِيمَةَ فِي يَدِ الْعَدْلِ هُنَا
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ : فِيهِ بَحْثٌ ، بَلْ الْمُرَادُ إذَا جُعِلَتْ الْقِيمَةُ رَهْنًا بِرَأْيِهِمَا أَوْ بِرَأْيِ الْقَاضِي عِنْدَ الْعَدْلِ الْأَوَّلِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الزَّيْلَعِيُّ انْتَهَى
أَقُولُ : إنْ كَانَ وَجْهُ بَحْثِهِ عَدَمَ تَحَقُّقِ الْعُمُومِ فِيمَا ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ لَمَا جُعِلَتْ الْقِيمَةُ رَهْنًا بِرَأْيِهِمَا : أَيْ بِرَأْيِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ ، مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِ أَيْضًا كَذَلِكَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا لَا يَتَحَقَّقُ الْعُمُومُ 176 لِذَلِكَ بَلْ يَخْتَصُّ بِمَا جُعِلَتْ الْقِيمَةُ رَهْنًا بِرَأْيِ الْقَاضِي لَوْ كَانَ لَفْظُ جَعَلَ فِي عِبَارَةِ النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَلَفْظُ فَعَلَ فِي عِبَارَةِ الْكِتَابِ مُبَيِّنًا لِلْفَاعِلِ ، وَكَانَ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِيهِ رَاجِعًا إلَى الْقَاضِي ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ، وَكَانَ لَفْظُ الْقِيمَةِ فِي عِبَارَةِ النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ قَائِمًا مَقَامَ 177 الْفَاعِلِ فَيَتَحَمَّلُ الْعُمُومَ لِلصُّورَتَيْنِ مَعًا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ ، وَإِنْ كَانَ وَجْهُ بَحْثِهِ عَدَمَ تَحَقُّقِ الْعُمُومِ فِيمَا ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ لَمَا 178 جُعِلَتْ الْقِيمَةُ رَهْنًا فِي يَدِ غَيْرِ الْعَدْلِ الْأَوَّلِ فَأَمْرُهُ هَيِّنٌ ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ عَدَمُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ أَنْ جُعِلَتْ الْقِيمَةُ بَعْدَ الضَّمَانِ رَهْنًا فِي يَدِ الْعَدْلِ الْأَوَّلِ وَبَيْنَ أَنْ جُعِلَتْ رَهْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِ ظَاهِرًا اكْتَفَى بِذِكْرِ الْأَوَّلِ رَوْمًا لِلِاخْتِصَارِ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث