فتح القدير
فتح القدير · الجزء الثاني
الصفحة 694 · ص. المطبوع 63 · الشرح
63 قَوْلُهُ : كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ إلَخْ ) لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمُرَادِ حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَصَحَّتْ الظُّهْرُ ; لِأَنَّهُ تَرَكَ الْفَرْضَ الْقَطْعِيَّ بِاتِّفَاقِهِمْ الَّذِي هُوَ آكَدُ مِنْ الظُّهْرِ فَكَيْفَ لَا يَكُونُ مُرْتَكِبًا مُحَرَّمًا ، غَيْرَ أَنَّ الظُّهْرَ تَقَعُ صَحِيحَةً وَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا . وَقَالَ زُفَرُ : لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ الْفَرْضَ فِي حَقِّهِ الْجُمُعَةُ وَالظُّهْرُ بَدَلٌ عَنْهَا ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَدَاءِ الْجُمُعَةِ مُعَاقَبٌ بِتَرْكِهَا ، وَمَنْهِيٌّ عَنْ أَدَاءِ الظُّهْرِ مَأْمُورٌ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا مَا لَمْ يَقَعْ الْيَأْسُ عَنْ الْجُمُعَةِ ، وَهَذَا هُوَ صُورَةُ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ ، وَلَا يَجُوزُ أَدَاءُ الْبَدَلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ .
قُلْنَا : بَلْ فَرْضُ الْوَقْتِ الظُّهْرُ بِالنَّصِّ ، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ وَأَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ مُطْلَقًا فِي الْأَيَّامِ } وَدَلَالَةُ الْإِجْمَاعِ أَعْنِي الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُ فَرْضِ الْوَقْتِ الظُّهْرَ لِمَا نَوَى الْقَضَاءَ ، وَالْمَعْقُولُ إذْ أَصْلُ الْفَرْضِ فِي حَقِّ الْكُلِّ مَا يَتَمَكَّنُ كُلٌّ مِنْ أَدَائِهِ بِنَفْسِهِ ، فَمَا قَرُبَ إلَى وُسْعِهِ فَهُوَ أَحَقُّ وَالظُّهْرُ أَقْرَبُ ; لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ كَذَلِكَ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ ; لِتَوَقُّفِهَا عَلَى الشَّرَائِطِ لَا تَتِمُّ بِهِ وَحْدَهُ ، وَتِلْكَ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ اتِّفَاقًا بِاخْتِيَارِ آخَرِينَ كَاخْتِيَارِ السُّلْطَانِ وَقُدْرَتِهِ فِي الْأَمْرِ ، وَاخْتِيَارِ آخَرَ وَآخَرَ لِيَحْصُلَ بِهِ مَعَهُمَا الْجَمَاعَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، فَكَانَ الظُّهْرُ أَوْلَى بِالْأَصْلِيَّةِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ أَنْ يُقَالَ مُفَادُهُ أَنَّ كُلَّ وَقْتٍ ظُهْرٍ يَدْخُلُ حِينَ تَزُولُ وَالْمَطْلُوبُ أَنَّ كُلَّ مَا زَالَتْ دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ ، وَإِنَّمَا يُفَادُ بِعَكْسِ الِاسْتِقَامَةِ لَهَا وَهُوَ لَا يَثْبُتُ كُلِّيًّا . سَلَّمْنَاهُ ، لَكِنَّ خُرُوجَ الزَّوَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ تِلْكَ الْكُلِّيَّةِ أَعْنِي الْعَكْسَ مَعْلُومٌ قَطْعًا مِنْ الشَّرْعِ لِلْقَطْعِ بِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ فِيهِ وَالنَّهْيِ عَنْ تَرْكِهَا إلَى 64 الظُّهْرِ ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ الْوَجْهِ الثَّالِثِ ، إذْ لَوْ تَمَّ اسْتَلْزَمَ عَدَمَ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ وَالْمُتَحَقِّقُ وُجُوبُهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ فَيَحْصُلُ مِنْ الِامْتِثَالِ تَوَفُّرُ الشُّرُوطِ ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الْوَجْهُ الثَّانِي ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَخْصِيصِ الْأَوَّلِ ، فَيَلْزَمُ أَنَّ وَجْهَهُ حِينَئِذٍ وُجُوبُ الظُّهْرِ أَوَّلًا ثُمَّ يَجِبُ إسْقَاطُهُ بِالْجُمُعَةِ ، وَفَائِدَةُ هَذَا الْوُجُوبِ حِينَئِذٍ جَوَازُ الْمَصِيرِ إلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْجُمُعَةِ إذْ كَانَتْ صِحَّتُهَا تَتَوَقَّفُ عَلَى شَرَائِطَ رُبَّمَا لَا تَتَحَصَّلُ فَتَأَمَّلْ .
وَإِذَا كَانَ وُجُوبُ الظُّهْرِ لَيْسَ إلَّا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَلْزَمْ مِنْ وُجُوبِهَا كَذَلِكَ صِحَّتُهَا قَبْلَ تَعَذُّرِ الْجُمُعَةِ ، وَالْفَرْضُ أَنَّ الْخِطَابَ قَبْلَ تَعَذُّرِهَا لَمْ يُتَوَجَّهْ عَلَيْهِ إلَّا بِهَا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث