فتح القدير
فتح القدير · الجزء الثاني
( بَابٌ فِيمَنْ يَمُرُّ عَلَى الْعَاشِرِ )
أُخِّرَ هَذَا الْبَابُ عَمَّا قَبْلَهُ لِتَمَحُّضِ مَا قَبْلَهُ فِي الْعِبَادَةِ ، بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّ الْمُرَادَ بَابُ مَا يُؤْخَذُ مِمَّنْ يَمُرُّ عَلَى الْعَاشِرِ وَذَلِكَ يَكُونُ زَكَاةً كَالْمَأْخُوذِ مِنْ الْمُسْلِمِ ، وَغَيْرِهَا كَالْمَأْخُوذِ مِنْ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ ، وَلَمَّا كَانَ فِيهِ الْعِبَادَةُ قَدَّمَهُ عَلَى 224 مَا بَعْدَهُ مِنْ الْخُمُسِ . وَالْعَاشِرُ فَاعِلٌ مِنْ عَشَرْت أَعْشُرُ عُشْرًا بِالضَّمِّ فِيهِمَا . وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يَدُورُ اسْمُ الْعُشْرِ فِي مُتَعَلَّقِ أَخْذِهِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ الْعُشْرَ مِنْ الْحَرْبِيِّ لَا الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ
( قَوْلُهُ إذَا مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ بِمَالٍ إلَخْ ) مَفْهُومُ شَرْطِهِ لَوْ اُعْتُبِرَ اسْمُ الْمَالِ عَلَى ظَاهِرِهِ إذَا لَمْ يَمُرَّ بِمَالٍ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ الْعَاشِرُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَمُرَّ بِهَا فَوَجَبَ تَقْيِيدُهُ بِالْبَاطِنِ فَيَتَقَيَّدُ بِهِ مَفْهُومُ شَرْطِهِ : أَيْ إذَا يَمُرُّ عَلَيْهِ بِمَالٍ بَاطِنٍ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ فَيَصْدُقُ ( قَوْلُهُ وَالْعَاشِرُ مَنْ نَصَبَهُ الْإِمَامُ إلَخْ ) فِيهِ قَيْدٌ زَادَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ أَنْ يَأْمَنَ بِهِ التُّجَّارُ مِنْ اللُّصُوصِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ ، وَلِأَنَّ أَخْذَهُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ وَالذِّمِّيِّ لَيْسَ إلَّا لِلْحِمَايَةِ وَثُبُوتِ وِلَايَةِ الْأَخْذِ مِنْ الْمُسْلِمِ أَيْضًا لِذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ لِيَأْخُذَ الصَّدَقَاتِ تَغْلِيبًا لِاسْمِ الْعِبَادَةِ عَلَى غَيْرِهَا
( قَوْلُهُ وَالْقَوْلُ الْمُنْكَرُ مَعَ الْيَمِينِ ) وَالْعِبَادَاتُ وَإِنْ كَانَتْ يَصْدُقُ فِيهَا بِلَا تَحْلِيفٍ لَكِنْ تَعَلَّقَ بِهِ هُنَا حَقُّ الْعَبْدِ وَهُوَ الْعَاشِرُ فِي الْأَخْذِ فَهُوَ يَدَّعِي عَلَيْهِ مَعْنًى لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ فَيَحْلِفُ لِرَجَاءِ النُّكُولِ ، بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالنُّكُولِ مُتَعَذِّرٌ فِي الْحُدُودِ عَلَى مَا عُرِفَ ، وَبِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ لِأَنَّهُ لَا مُكَذِّبَ لَهُ فِيهَا ، 225 فَانْدَفَعَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَحْلِفُ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ ، وَكَذَا إذَا قَالَ : هَذَا الْمَالُ لَيْسَ لِلتِّجَارَةِ أَوْ هُوَ بِضَاعَةٌ لِفُلَانٍ وَكُلُّ مَا وُجُودُهُ مُسْقِطٌ
( قَوْلُهُ يَعْنِي إلَى الْفُقَرَاءِ فِي الْمِصْرِ ) قَيْدٌ بِالْمِصْرِ لِأَنَّهُ لَوْ أَدَّى إلَى الْفُقَرَاءِ بَعْدَ خُرُوجِهِ إلَى السَّفَرِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ أَخْذِ الْعَاشِرِ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَدَاءِ بِنَفْسِهِ إنَّمَا كَانَ فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ حَالَ كَوْنِهِ فِي الْمِصْرِ وَبِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ مُسَافِرًا انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ عَنْهُ إلَى الْإِمَامِ ( قَوْلُهُ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ ) هِيَ السَّابِقَةُ عَلَى قَوْلِهِ : أُدِّيَتْ إلَى الْفُقَرَاءِ ( قَوْلُهُ إلَى الْمُسْتَحَقِّ ) فَصَارَ كَالْمُشْتَرِي مِنْ الْوَكِيلِ إذَا دَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْمُوَكِّلِ ( قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لِلسُّلْطَانِ ) يُمْكِنُ بِأَنْ يَضْمَنَ مَنْعَ كَوْنِهِ أَوْصَلَ إلَى الْمُسْتَحِقِّ بَلْ الْمُسْتَحِقُّ الْإِمَامُ ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْإِمَامَ مُسْتَحِقٌّ الْأَخْذَ وَالْفَقِيرَ مُسْتَحِقٌّ التَّمَلُّكَ وَالِانْتِفَاعَ ، فَحَاصِلُهُ أَنَّ هُنَاكَ مُسْتَحِقَّيْنِ فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حَقِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجَرُّ الْحَقِّ الَّذِي فَوَّتَهُ لَيْسَ إلَّا بِإِعَادَةِ الدَّفْعِ إلَيْهِ ، وَحِينَئِذٍ يَجِيءُ النَّظَرُ فِي الْمَدْفُوعِ مَا هُوَ الْوَاقِعُ زَكَاةً مِنْهُمَا ، قِيلَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي سِيَاسَةٌ ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ السِّيَاسَةِ هُنَا كَوْنُ الْآخِذِ لِيَنْزَجِرَ عَنْ ارْتِكَابِ تَفْوِيتِ حَقِّ الْإِمَامِ .
وَقِيلَ الثَّانِي وَيَنْقَلِبُ الْأَوَّلُ نَفْلًا لِأَنَّ الْوَاجِبَ كَوْنُ الزَّكَاةِ فِي صُورَةِ الْمُرُورِ مَا يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ وَيَدْفَعُهُ وَلَمْ يُوجَدْ فِي السَّابِقِ وَوُجِدَ فِي اللَّاحِقِ ، وَانْفِسَاخُ السَّابِقِ النَّاقِصِ لِلَّاحِقِ الْكَامِلِ ثَابِتٌ فِي الشَّرْعِ كَبُطْلَانِ الظُّهْرِ الْمُؤَدَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِأَدَاءِ الْجُمُعَةِ فَيَنْفَسِخُ مِثْلُهُ بِجَامِعِ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ بَعْدَ الْأَدَاءِ بِفِعْلِ الثَّانِي مَعَ امْتِنَاعِ تَعَدُّدِ الْفَرْضِ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ ثَانِيًا وَإِنْ عَلِمَ صِدْقَهُ ، وَلَا يُنَافِي كَوْنُ الْأَخْذِ لِلسِّيَاسَةِ انْفِسَاخَ الْأَوَّلِ وَوُقُوعَ الثَّانِي زَكَاةً بِأَدْنَى 226 تَأَمُّلٍ ( قَوْلُهُ ثُمَّ فِيمَا يَصْدُقُ إلَخْ ) أَطْلَقَ فِيمَا يَصْدُقُ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ اشْتَرَطَ فِي الْأَصْلِ إخْرَاجَهَا فِي قَوْلِهِ : أُدِّيَتْ إلَى الْفُقَرَاءِ وَأَخَوَاتِهَا لَكِنَّهُ اعْتَمَدَ فِي تَقْيِيدِهِ عَلَى عَدَمِ تَأَتِّي صِحَّتِهِ ، إذْ لَا يُشْكِلُ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْ الْفُقَرَاءِ بَرَاءَةً وَلَا مِنْ الدَّائِنِ . وَلَا تُمْكِنُ فِي قَوْلِهِ : أَصَبْتُهُ مُنْذُ شَهْرٍ .
وَتَأْخِيرُ الْمُصَنِّفِ وَجْهَ الْأَوَّلِ يُفِيدُ تَرَجُّحَهُ عِنْدَهُ ، وَحَاصِلُهُ مَنْعُ كَوْنِهِ عَلَامَةً إذْ لَا يَلْزَمُ الِانْتِقَالُ مِنْهُ إلَى الْجَزْمِ بِكَوْنِهِ دُفِعَ إلَى الْعَاشِرِ لِأَنَّ الْخَطَّ لَا يَنْطِقُ وَهُوَ مُتَشَابِهٌ ، ثُمَّ هَلْ يُشْتَرَطُ الْيَمِينُ مَعَ الْبَرَاءَةِ عَلَى قَوْلِ مُشْتَرِطِهَا ؟ اُخْتُلِفَ فِيهِ . قِيلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَمْ يَصْدُقْ ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَصْدُقْ .
وَلَا يَخْفَى بَعْدَ قَوْلِهِمَا إنْ كَانَ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِحَسَبِ ظَاهِرِ حَالِ الْمُتَدَيِّنِ أَدَلُّ مِنْ الْخَطِّ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَرْكُهَا إلَيْهَا ، وَلْيَذْكُرْ هُنَا قَوْلَهُ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ : وَالِاسْتِخْبَارُ فَوْقَ التَّحَرِّي بَيَانًا لِلُزُومِهِ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِهِ : لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالدَّلِيلِ الظَّاهِرِ وَاجِبٌ عِنْدَ انْعِدَامِ دَلِيلٍ فَوْقَهُ ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْقَطْعِيَّ لِأَنَّ الِاسْتِخْبَارَ لَا يُفِيدُ قَطْعًا .
أُخِّرَ هَذَا الْبَابُ عَمَّا قَبْلَهُ لِتَمَحُّضِ مَا قَبْلَهُ فِي الْعِبَادَةِ ، بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّ الْمُرَادَ بَابُ مَا يُؤْخَذُ مِمَّنْ يَمُرُّ عَلَى الْعَاشِرِ وَذَلِكَ يَكُونُ زَكَاةً كَالْمَأْخُوذِ مِنْ الْمُسْلِمِ ، وَغَيْرِهَا كَالْمَأْخُوذِ مِنْ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ ، وَلَمَّا كَانَ فِيهِ الْعِبَادَةُ قَدَّمَهُ عَلَى 224 مَا بَعْدَهُ مِنْ الْخُمُسِ . وَالْعَاشِرُ فَاعِلٌ مِنْ عَشَرْت أَعْشُرُ عُشْرًا بِالضَّمِّ فِيهِمَا . وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يَدُورُ اسْمُ الْعُشْرِ فِي مُتَعَلَّقِ أَخْذِهِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ الْعُشْرَ مِنْ الْحَرْبِيِّ لَا الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ
( قَوْلُهُ إذَا مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ بِمَالٍ إلَخْ ) مَفْهُومُ شَرْطِهِ لَوْ اُعْتُبِرَ اسْمُ الْمَالِ عَلَى ظَاهِرِهِ إذَا لَمْ يَمُرَّ بِمَالٍ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ الْعَاشِرُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَمُرَّ بِهَا فَوَجَبَ تَقْيِيدُهُ بِالْبَاطِنِ فَيَتَقَيَّدُ بِهِ مَفْهُومُ شَرْطِهِ : أَيْ إذَا يَمُرُّ عَلَيْهِ بِمَالٍ بَاطِنٍ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ فَيَصْدُقُ ( قَوْلُهُ وَالْعَاشِرُ مَنْ نَصَبَهُ الْإِمَامُ إلَخْ ) فِيهِ قَيْدٌ زَادَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ أَنْ يَأْمَنَ بِهِ التُّجَّارُ مِنْ اللُّصُوصِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ ، وَلِأَنَّ أَخْذَهُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ وَالذِّمِّيِّ لَيْسَ إلَّا لِلْحِمَايَةِ وَثُبُوتِ وِلَايَةِ الْأَخْذِ مِنْ الْمُسْلِمِ أَيْضًا لِذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ لِيَأْخُذَ الصَّدَقَاتِ تَغْلِيبًا لِاسْمِ الْعِبَادَةِ عَلَى غَيْرِهَا
( قَوْلُهُ وَالْقَوْلُ الْمُنْكَرُ مَعَ الْيَمِينِ ) وَالْعِبَادَاتُ وَإِنْ كَانَتْ يَصْدُقُ فِيهَا بِلَا تَحْلِيفٍ لَكِنْ تَعَلَّقَ بِهِ هُنَا حَقُّ الْعَبْدِ وَهُوَ الْعَاشِرُ فِي الْأَخْذِ فَهُوَ يَدَّعِي عَلَيْهِ مَعْنًى لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ فَيَحْلِفُ لِرَجَاءِ النُّكُولِ ، بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالنُّكُولِ مُتَعَذِّرٌ فِي الْحُدُودِ عَلَى مَا عُرِفَ ، وَبِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ لِأَنَّهُ لَا مُكَذِّبَ لَهُ فِيهَا ، 225 فَانْدَفَعَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَحْلِفُ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ ، وَكَذَا إذَا قَالَ : هَذَا الْمَالُ لَيْسَ لِلتِّجَارَةِ أَوْ هُوَ بِضَاعَةٌ لِفُلَانٍ وَكُلُّ مَا وُجُودُهُ مُسْقِطٌ
( قَوْلُهُ يَعْنِي إلَى الْفُقَرَاءِ فِي الْمِصْرِ ) قَيْدٌ بِالْمِصْرِ لِأَنَّهُ لَوْ أَدَّى إلَى الْفُقَرَاءِ بَعْدَ خُرُوجِهِ إلَى السَّفَرِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ أَخْذِ الْعَاشِرِ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَدَاءِ بِنَفْسِهِ إنَّمَا كَانَ فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ حَالَ كَوْنِهِ فِي الْمِصْرِ وَبِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ مُسَافِرًا انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ عَنْهُ إلَى الْإِمَامِ ( قَوْلُهُ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ ) هِيَ السَّابِقَةُ عَلَى قَوْلِهِ : أُدِّيَتْ إلَى الْفُقَرَاءِ ( قَوْلُهُ إلَى الْمُسْتَحَقِّ ) فَصَارَ كَالْمُشْتَرِي مِنْ الْوَكِيلِ إذَا دَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْمُوَكِّلِ ( قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لِلسُّلْطَانِ ) يُمْكِنُ بِأَنْ يَضْمَنَ مَنْعَ كَوْنِهِ أَوْصَلَ إلَى الْمُسْتَحِقِّ بَلْ الْمُسْتَحِقُّ الْإِمَامُ ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْإِمَامَ مُسْتَحِقٌّ الْأَخْذَ وَالْفَقِيرَ مُسْتَحِقٌّ التَّمَلُّكَ وَالِانْتِفَاعَ ، فَحَاصِلُهُ أَنَّ هُنَاكَ مُسْتَحِقَّيْنِ فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حَقِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجَرُّ الْحَقِّ الَّذِي فَوَّتَهُ لَيْسَ إلَّا بِإِعَادَةِ الدَّفْعِ إلَيْهِ ، وَحِينَئِذٍ يَجِيءُ النَّظَرُ فِي الْمَدْفُوعِ مَا هُوَ الْوَاقِعُ زَكَاةً مِنْهُمَا ، قِيلَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي سِيَاسَةٌ ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ السِّيَاسَةِ هُنَا كَوْنُ الْآخِذِ لِيَنْزَجِرَ عَنْ ارْتِكَابِ تَفْوِيتِ حَقِّ الْإِمَامِ .
وَقِيلَ الثَّانِي وَيَنْقَلِبُ الْأَوَّلُ نَفْلًا لِأَنَّ الْوَاجِبَ كَوْنُ الزَّكَاةِ فِي صُورَةِ الْمُرُورِ مَا يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ وَيَدْفَعُهُ وَلَمْ يُوجَدْ فِي السَّابِقِ وَوُجِدَ فِي اللَّاحِقِ ، وَانْفِسَاخُ السَّابِقِ النَّاقِصِ لِلَّاحِقِ الْكَامِلِ ثَابِتٌ فِي الشَّرْعِ كَبُطْلَانِ الظُّهْرِ الْمُؤَدَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِأَدَاءِ الْجُمُعَةِ فَيَنْفَسِخُ مِثْلُهُ بِجَامِعِ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ بَعْدَ الْأَدَاءِ بِفِعْلِ الثَّانِي مَعَ امْتِنَاعِ تَعَدُّدِ الْفَرْضِ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ ثَانِيًا وَإِنْ عَلِمَ صِدْقَهُ ، وَلَا يُنَافِي كَوْنُ الْأَخْذِ لِلسِّيَاسَةِ انْفِسَاخَ الْأَوَّلِ وَوُقُوعَ الثَّانِي زَكَاةً بِأَدْنَى 226 تَأَمُّلٍ ( قَوْلُهُ ثُمَّ فِيمَا يَصْدُقُ إلَخْ ) أَطْلَقَ فِيمَا يَصْدُقُ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ اشْتَرَطَ فِي الْأَصْلِ إخْرَاجَهَا فِي قَوْلِهِ : أُدِّيَتْ إلَى الْفُقَرَاءِ وَأَخَوَاتِهَا لَكِنَّهُ اعْتَمَدَ فِي تَقْيِيدِهِ عَلَى عَدَمِ تَأَتِّي صِحَّتِهِ ، إذْ لَا يُشْكِلُ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْ الْفُقَرَاءِ بَرَاءَةً وَلَا مِنْ الدَّائِنِ . وَلَا تُمْكِنُ فِي قَوْلِهِ : أَصَبْتُهُ مُنْذُ شَهْرٍ .
وَتَأْخِيرُ الْمُصَنِّفِ وَجْهَ الْأَوَّلِ يُفِيدُ تَرَجُّحَهُ عِنْدَهُ ، وَحَاصِلُهُ مَنْعُ كَوْنِهِ عَلَامَةً إذْ لَا يَلْزَمُ الِانْتِقَالُ مِنْهُ إلَى الْجَزْمِ بِكَوْنِهِ دُفِعَ إلَى الْعَاشِرِ لِأَنَّ الْخَطَّ لَا يَنْطِقُ وَهُوَ مُتَشَابِهٌ ، ثُمَّ هَلْ يُشْتَرَطُ الْيَمِينُ مَعَ الْبَرَاءَةِ عَلَى قَوْلِ مُشْتَرِطِهَا ؟ اُخْتُلِفَ فِيهِ . قِيلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَمْ يَصْدُقْ ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَصْدُقْ .
وَلَا يَخْفَى بَعْدَ قَوْلِهِمَا إنْ كَانَ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِحَسَبِ ظَاهِرِ حَالِ الْمُتَدَيِّنِ أَدَلُّ مِنْ الْخَطِّ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَرْكُهَا إلَيْهَا ، وَلْيَذْكُرْ هُنَا قَوْلَهُ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ : وَالِاسْتِخْبَارُ فَوْقَ التَّحَرِّي بَيَانًا لِلُزُومِهِ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِهِ : لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالدَّلِيلِ الظَّاهِرِ وَاجِبٌ عِنْدَ انْعِدَامِ دَلِيلٍ فَوْقَهُ ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْقَطْعِيَّ لِأَنَّ الِاسْتِخْبَارَ لَا يُفِيدُ قَطْعًا .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث