رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الثاني
الصفحة 1063 · ص. المطبوع 73 · الشرح
( قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ صَلَوَاتٌ فَائِتَةٌ إلَخْ ) أَيْ بِأَنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهَا وَلَوْ بِالْإِيمَاءِ ، فَيَلْزَمُهُ الْإِيصَاءُ بِهَا وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ وَإِنْ قَلَّتْ ، بِأَنْ كَانَتْ دُونَ سِتِّ صَلَوَاتٍ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ۝ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِقَبُولِ الْعُذْرِ مِنْهُ } وَكَذَا حُكْمُ الصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ إنْ أَفْطَرَ فِيهِ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ وَمَاتَا قَبْلَ الْإِقَامَةِ وَالصِّحَّةِ ، وَتَمَامُهُ فِي الْإِمْدَادِ . مَطْلَبٌ فِي إسْقَاطِ الصَّلَاةِ عَنْ الْمَيِّتِ
. ( قَوْلُهُ يُعْطَى ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ : أَيْ يُعْطِي عَنْهُ وَلِيُّهُ : أَيْ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ بِوِصَايَةٍ أَوْ وِرَاثَةٍ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ مِنْ الثُّلُثِ إنْ أَوْصَى ، وَإِلَّا فَلَا يُلْزَمُ الْوَلِيُّ ذَلِكَ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الِاخْتِيَارِ ، فَإِذَا لَمْ يُوصِ فَاتَ الشَّرْطُ فَيَسْقُطُ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِلتَّعَذُّرِ ، بِخِلَافِ حَقِّ الْعِبَادِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ وُصُولُهُ إلَى مُسْتَحَقِّهِ لَا غَيْرُ ، وَلِهَذَا لَوْ ظَفِرَ بِهِ الْغَرِيمُ يَأْخُذُهُ بِلَا قَضَاءٍ وَلَا رِضَا ، وَيَبْرَأُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِذَلِكَ إمْدَادٌ .
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِفِدْيَةِ الصَّوْمِ يُحْكَمُ بِالْجَوَازِ قَطْعًا لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ . وَأَمَّا إذَا لَمْ يُوصِ فَتَطَوَّعَ بِهَا الْوَارِثُ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ إنَّهُ يُجْزِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَعَلَّقَ الْإِجْزَاءَ بِالْمَشِيئَةِ لِعَدَمِ النَّصِّ ، وَكَذَا عَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ فِيمَا إذَا أَوْصَى بِفِدْيَةِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُمْ أَلْحَقُوهَا بِالصَّوْمِ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ كَوْنِ النَّصِّ فِيهِ مَعْلُولًا بِالْعَجْزِ فَتَشْمَلُ الْعِلَّةُ الصَّلَاةَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُولًا تَكُونُ الْفِدْيَةُ بِرًّا مُبْتَدَأً يَصْلُحُ مَاحِيًا لِلسَّيِّئَاتِ فَكَانَ فِيهَا شُبْهَةٌ كَمَا إذَا لَمْ يُوصِ بِفِدْيَةِ الصَّوْمِ فَلِذَا جَزَمَ مُحَمَّدٌ بِالْأَوَّلِ وَلَمْ يَجْزِمْ بِالْأَخِيرَيْنِ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوصِ بِفِدْيَةِ الصَّلَاةِ فَالشُّبْهَةُ أَقْوَى .
وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ الْمَذْكُورَ فِيمَا رَأَيْته مِنْ كُتُبِ عُلَمَائِنَا فُرُوعًا وَأُصُولًا إذَا لَمْ يُوصِ بِفِدْيَةِ الصَّوْمِ يَجُوزُ أَنْ يَتَبَرَّعَ عَنْهُ وَلِيُّهُ . وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْوَلِيِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ مَالِ الْأَجْنَبِيِّ . وَنَظِيرُهُ مَا قَالُوهُ فِيمَا إذَا أَوْصَى بِحَجَّةِ الْفَرْضِ فَتَبَرَّعَ الْوَارِثُ بِالْحَجِّ لَا يَجُوزُ ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ فَتَبَرُّعُ الْوَارِثِ إمَّا بِالْحَجِّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْإِحْجَاجِ عَنْهُ رَجُلًا يُجْزِيهِ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ تَبَرَّعَ غَيْرُ الْوَارِثِ لَا يُجْزِيهِ ، نَعَمْ وَقَعَ فِي شَرْحِ نُورِ الْإِيضَاحِ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ التَّعْبِيرُ بِالْوَصِيِّ أَوْ الْأَجْنَبِيِّ فَتَأَمَّلْ ، وَتَمَامُ ذَلِكَ فِي آخِرِ رِسَالَتِنَا الْمُسَمَّاةِ شِفَاءَ الْعَلِيلِ فِي بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ بِالْخَتَمَاتِ وَالتَّهَالِيلِ .
( قَوْلُهُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ ) أَيْ أَوْ مِنْ 73 دَقِيقِهِ أَوْ سَوِيقِهِ ، أَوْ صَاعِ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ قِيمَتِهِ ، وَهِيَ أَفْضَلُ عِنْدَنَا لِإِسْرَاعِهَا بِسَدِّ حَاجَةِ الْفَقِيرِ إمْدَادٌ . ثُمَّ إنَّ نِصْفَ الصَّاعِ رُبُعُ مُدٍّ دِمَشْقِيٍّ مِنْ غَيْرِ تَكْوِيمٍ ، بَلْ قَدْرُ مَسْحِهِ كَمَا سَنُوضِحُهُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ ( قَوْلُهُ وَكَذَا حُكْمُ الْوِتْرِ ) لِأَنَّهُ فَرْضٌ عَمَلِيٌّ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا ط . وَلَا رِوَايَةَ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ أَنَّهُ يَجِبُ أَوْ لَا يَجِبُ كَمَا فِي الْحِجَّةِ . وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ كَمَا فِي الصَّيْرَفِيَّةِ إسْمَاعِيلُ .
( قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يُعْطِي مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ ) أَيْ فَلَوْ زَادَتْ الْوَصِيَّةُ عَلَى الثُّلُثِ لَا يَلْزَمُ الْوَلِيَّ إخْرَاجُ الزَّائِدِ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ . وَفِي الْقُنْيَةِ : أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ إلَى صَلَوَاتِ عُمْرِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَجَازَ الْغَرِيمُ وَصِيَّتَهُ لَا تَجُوزُ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ الدَّيْنِ وَلَمْ يَسْقُطْ الدَّيْنُ بِإِجَازَتِهِ . ا هـ . وَفِيهَا أَوْصَى بِصَلَوَاتِ عُمْرِهِ وَعُمْرُهُ لَا يُدْرَى فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ ، ثُمَّ رَمَزَ إنْ كَانَ الثُّلُثُ لَا يَفِي بِالصَّلَوَاتِ جَازَ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ . ا هـ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَفِي بِغَلَبَةِ الظَّنِّ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ أَنَّ عُمْرَهُ لَا يُدْرَى وَذَلِكَ كَأَنْ يَفِيَ الثُّلُثُ بِنَحْوِ عَشْرِ سِنِينَ مَثَلًا وَعُمْرُهُ نَحْوُ الثَّلَاثِينَ . وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي ظَاهِرٌ لِأَنَّ الثُّلُثَ إذَا كَانَ لَا يَفِي بِصَلَوَاتِ عُمْرِهِ تَكُونُ الْوَصِيَّةُ بِجَمِيعِ الثُّلُثِ يَقِينًا وَيَلْغُو الزَّائِدُ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يَفِي بِهَا وَيَزِيدُ عَلَيْهَا فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ لِجَهَالَةِ قَدْرِهَا بِسَبَبِ جَهَالَةِ قَدْرِ الصَّلَوَاتِ فَتَدَبَّرْ .
( قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا إلَخْ ) أَيْ أَصْلًا أَوْ كَانَ مَا أَوْصَى بِهِ لَا يَفِي . زَادَ فِي الْإِمْدَادِ : أَوْ لَمْ يُوصِ بِشَيْءٍ وَأَرَادَ الْوَلِيُّ التَّبَرُّعَ إلَخْ وَأَشَارَ بِالتَّبَرُّعِ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْوَلِيِّ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي تَبْيِينِ الْمَحَارِمِ فَقَالَ : لَا يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ فِعْلُ الدَّوْرِ وَإِنْ أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتَ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ بِالتَّبَرُّعِ ، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمَيِّتِ أَنْ يُوصِيَ بِمَا يَفِي بِمَا عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَضِقْ الثُّلُثُ عَنْهُ ، فَإِنْ أَوْصَى بِأَقَلَّ وَأَمَرَ بِالدَّوْرِ وَتَرَكَ بَقِيَّةَ الثُّلُثِ لِلْوَرَثَةِ أَوْ تَبَرَّعَ بِهِ لِغَيْرِهِمْ فَقَدْ أَثِمَ بِتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ . ا هـ .
مَطْلَبٌ فِي بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ بِالْخَتَمَاتِ وَالتَّهَالِيلِ
وَبِهِ ظَهَرَ حَالُ وَصَايَا أَهْلِ زَمَانِنَا ، فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ صَلَوَاتٌ كَثِيرَةٌ وَغَيْرُهَا مِنْ زَكَاةٍ وَأَضَاحٍ وَأَيْمَانٍ وَيُوصِي لِذَلِكَ بِدَرَاهِمَ يَسِيرَةٍ ، وَيَجْعَلُ مُعْظَمَ وَصِيَّتِهِ لِقِرَاءَةِ الْخَتَمَاتِ وَالتَّهَالِيلِ الَّتِي نَصَّ عُلَمَاؤُنَا عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ بِهَا ، وَأَنَّ الْقِرَاءَةَ لِشَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا لَا تَجُوزُ ، وَأَنَّ الْآخِذَ وَالْمُعْطِيَ آثِمَانِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى الْقِرَاءَةِ ، وَنَفْسُ الِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهَا لَا يَجُوزُ ، فَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي عِدَّةِ كُتُبٍ مِنْ مَشَاهِيرِ كُتُبِ الْمَذْهَبِ ; وَإِنَّمَا أَفْتَى الْمُتَأَخِّرُونَ بِجَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ لَا عَلَى التِّلَاوَةِ وَعَلَّلُوهُ بِالضَّرُورَةِ وَهِيَ خَوْفُ ضَيَاعِ الْقُرْآنِ ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى التِّلَاوَةِ كَمَا أَوْضَحْت ذَلِكَ فِي شِفَاءِ الْعَلِيلِ وَسَيَأْتِي بَعْضُ ذَلِكَ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( قَوْلُهُ يَسْتَقْرِضُ وَارِثُهُ نِصْفَ صَاعٍ مَثَلًا إلَخْ ) أَيْ أَوْ قِيمَةَ ذَلِكَ . وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَحْسِبَ مَا عَلَى الْمَيِّتِ وَيَسْتَقْرِضَ بِقَدْرِهِ ، بِأَنْ يُقَدِّرَ عَنْ كُلِّ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ أَوْ يَحْتَسِبَ مُدَّةَ عُمْرِهِ بَعْدَ إسْقَاطِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً لِلذَّكَرِ وَتِسْعِ سِنِينَ لِلْأُنْثَى لِأَنَّهَا أَقَلُّ مُدَّةِ بُلُوغِهِمَا ، فَيَجِبُ عَنْ كُلِّ شَهْرٍ نِصْفُ غِرَارَةِ قَمْحٍ بِالْمُدِّ الدِّمَشْقِيِّ مُدِّ زَمَانِنَا لِأَنَّ نِصْفَ الصَّاعِ أَقَلُّ مِنْ رُبْعِ مُدٍّ ، فَتَبْلُغُ كَفَّارَةُ سِتِّ صَلَوَاتٍ لِكُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ نَحْوَ مُدٍّ وَثُلُثٍ ، وَلِكُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعُونَ مُدًّا وَذَلِكَ نِصْفُ غِرَارَةٍ ، وَلِكُلِّ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ سِتُّ غَرَائِرَ ، فَيَسْتَقْرِضُ قِيمَتَهَا وَيَدْفَعُهَا لِلْفَقِيرِ ثُمَّ يَسْتَوْهِبُهَا مِنْهُ وَيَتَسَلَّمُهَا مِنْهُ لِتَتِمَّ الْهِبَةُ ثُمَّ يَدْفَعُهَا لِذَلِكَ الْفَقِيرِ أَوْ لِفَقِيرٍ آخَرَ وَهَكَذَا ، فَيُسْقِطُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَفَّارَةَ سَنَةٍ ، وَإِنْ اسْتَقْرَضَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يُسْقِطُ بِقَدْرِهِ وَبَعْدَ ذَلِكَ يُعِيدُ الدَّوْرَ لِكَفَّارَةِ الصِّيَامِ ثُمَّ لِلْأُضْحِيَّةِ ثُمَّ لِلْأَيْمَانِ ، لَكِنْ لَا بُدَّ فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ مِنْ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَدْفَعَ لِلْوَاحِدِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ فِي يَوْمٍ لِلنَّصِّ عَلَى الْعَدَدِ فِيهَا ، بِخِلَافِ فِدْيَةِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إعْطَاءُ 74 فِدْيَةِ صَلَوَاتٍ لِوَاحِدٍ كَمَا يَأْتِي . وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِدُونِ وَصِيَّةٍ لِتَعْلِيلِهِمْ ، لِعَدَمِ وُجُوبِهَا بِدُونِ وَصِيَّةٍ بِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْفِعْلِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا ، بِأَنْ يُوصِيَ بِإِخْرَاجِهَا فَلَا يَقُومُ الْوَارِثُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ . ثُمَّ رَأَيْت فِي صَوْمِ السِّرَاجِ التَّصْرِيحَ بِجَوَازِ تَبَرُّعِ الْوَارِثِ بِإِخْرَاجِهَا ، وَعَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِإِدَارَةِ الْوَلِيِّ لِلزَّكَاةِ ، ثُمَّ يَنْبَغِي بَعْدَ تَمَامِ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ أَوْ بِمَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ إنْ كَانَ أَوْصَى .
( قَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ الْإِجْزَاءِ ; بِمَعْنَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَسْقُطُ عَنْ الْمَيِّتِ بِذَلِكَ وَكَذَا الصَّوْمُ ; نَعَمْ لَوْ صَامَ أَوْ صَلَّى وَجَعَلَ ثَوَابَ ذَلِكَ لِلْمَيِّتِ صَحَّ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ ثَوَابُ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ عِنْدَنَا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ ) لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْبَدَنِ وَالْمَالِ ، فَإِنَّ الْعِبَادَةَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ : مَالِيَّةٌ ، وَبَدَنِيَّةٌ ، وَمُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا ; فَالْعِبَادَةُ الْمَالِيَّةُ كَالزَّكَاةِ تَصِحُّ فِيهَا النِّيَابَةُ حَالَةَ الْعَجْزِ وَالْقُدْرَةِ . وَالْبَدَنِيَّةُ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ لَا تَصِحُّ فِيهَا النِّيَابَةُ مُطْلَقًا . وَالْمُرَكَّبَةُ مِنْهُمَا كَالْحَجِّ ، إنْ كَانَ نَفْلًا تَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ مُطْلَقًا ، وَإِنْ كَانَ فَرْضًا لَا تَصِحُّ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ الدَّائِمِ إلَى الْمَوْتِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( قَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ ) هَذَا ثَانِي قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة بِدُونِ تَرْجِيحٍ . وَظَاهِرُ الْبَحْرِ اعْتِمَادُهُ ، وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ .
( قَوْلُهُ جَازَ ) أَيْ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ وَالْإِفْطَارِ تَتَارْخَانِيَّةٌ .
( قَوْلُهُ وَلَوْ فَدَى عَنْ صَلَاتِهِ فِي مَرَضِهِ لَا يَصِحُّ ) فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ التَّتِمَّةِ : سُئِلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ الْفِدْيَةِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ هَلْ تَجُوزُ ؟ فَقَالَ لَا . وَسُئِلَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ الشَّيْخِ الْفَانِي هَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ عَنْ الصَّلَوَاتِ كَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ عَنْ الصَّوْمِ وَهُوَ حَيٌّ ؟ فَقَالَ لَا . ا هـ . وَفِي الْقُنْيَةِ : وَلَا فِدْيَةَ فِي الصَّلَاةِ حَالَةَ الْحَيَاةِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ . ا هـ .
أَقُولُ : وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ فِي الشَّيْخِ الْفَانِي أَنَّهُ يُفْطِرُ وَيَفْدِي فِي حَيَاتِهِ ، حَتَّى إنَّ الْمَرِيضَ أَوْ الْمُسَافِرَ إذَا أَفْطَرَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إذَا أَدْرَكَ أَيَّامًا أُخَرَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَدْرَكَ وَلَمْ يَصُمْ يَلْزَمُهُ الْوَصِيَّةُ بِالْفِدْيَةِ عَمَّا قَدَرَ ، هَذَا مَا قَالُوهُ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ غَيْرَ الشَّيْخِ الْفَانِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْدِيَ عَنْ صَوْمِهِ فِي حَيَاتِهِ لِعَدَمِ النَّصِّ وَمِثْلُهُ الصَّلَاةُ ; وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالْقَضَاءِ إذَا قَدَرَ ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إلَّا بِتَحْقِيقِ الْعَجْزِ عَنْهُ بِالْمَوْتِ فَيُوصِي بِهَا ، بِخِلَافِ الشَّيْخِ الْفَانِي فَإِنَّهُ تَحَقَّقَ عَجْزُهُ قَبْلَ الْمَوْتِ عَنْ أَدَاءِ الصَّوْمِ وَقَضَائِهِ فَيَفْدِي فِي حَيَاتِهِ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ عَجْزُهُ عَنْ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ يُصَلِّي بِمَا قَدَرَ وَلَوْ مُومِيًا بِرَأْسِهِ ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ سَقَطَتْ عَنْهُ إذَا كَثُرَتْ ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا إذَا قَدَرَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ ، وَبِمَا قَرَّرْنَا ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ أَيْ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَفْدِيَ عَنْهُ فِي حَيَاتِهِ خَاصٌّ بِالشَّيْخِ الْفَانِي تَأَمَّلْ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث