رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الثاني
الصفحة 1372 · ص. المطبوع 245 · الشرح
( قَوْلُهُ : وَيَحْفِرُ قَبْرًا لِنَفْسِهِ ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ : وَبِحَفْرِ قَبْرٍ لِنَفْسِهِ ، عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ حَفْرَ مَصْدَرٌ مَجْرُورٌ بِالْبَاءِ مُضَافٌ إلَى قَبْرٍ : أَيْ وَلَا بَأْسَ بِهِ . وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة : لَا بَأْسَ بِهِ ، وَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ ، هَكَذَا عَمِلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ وَغَيْرُهُمَا . ا هـ . ( قَوْلُهُ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي إلَخْ ) كَذَا قَوْلُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ ، وَقَالَ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهِ مُتَحَقِّقَةٌ غَالِبًا ، بِخِلَافِ الْقَبْرِ { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ 245 أَرْضٍ تَمُوتُ } ( قَوْلُهُ يُكْرَهُ الْمَشْيُ إلَخْ ) قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ عَلَى الْقَبْرِ ، وَوَطْؤُهُ ، وَحِينَئِذٍ فَمَا يَصْنَعُهُ مَنْ دُفِنَتْ حَوْلَ أَقَارِبِهِ خَلْقٌ مِنْ وَطْءِ تِلْكَ الْقُبُورِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى قَبْرِ قَرِيبِهِ مَكْرُوهٌ . وَيُكْرَهُ النَّوْمُ عِنْدَ الْقَبْرِ ، وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ بَلْ أَوْلَى ، وَكُلُّ مَا لَمْ يُعْهَدْ مِنْ السُّنَّةِ ، وَالْمَعْهُودُ مِنْهَا لَيْسَ إلَّا زِيَارَتُهَا وَالدُّعَاءُ عِنْدَهَا قَائِمًا ا هـ .
قُلْت : وَفِي الْأَحْكَامِ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا : لَوْ وَجَدَ طَرِيقًا إنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ مُحْدِثٌ لَا يَمْشِي عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ بِهِ . وَفِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا يُوطَأُ الْقَبْرُ إلَّا لِضَرُورَةٍ ، وَيُزَارُ مِنْ بَعِيدٍ وَلَا يَقْعُدُ ، وَإِنْ فَعَلَ يُكْرَهُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا بَأْسَ بِأَنْ يَطَأَ الْقُبُورَ وَهُوَ يَقْرَأُ أَوْ يُسَبِّحُ أَوْ يَدْعُو لَهُمْ . ا هـ . وَقَالَ فِي الْحِلْيَةِ : وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَإِلَيْهِ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ الْإِمَامِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ حَمَلَ مَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ عَلَى الْجُلُوسِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ ، وَأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْجُلُوسُ لِغَيْرِهِ جَمْعًا بَيْنَ الْآثَارِ ، وَأَنَّهُ قَالَ إنَّ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ، ثُمَّ نَازَعَهُ بِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النَّوَادِرِ وَالتُّحْفَةِ وَالْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ ، مِنْ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَرِهَ وَطْءَ الْقَبْرِ وَالْقُعُودَ أَوْ النَّوْمَ أَوْ قَضَاءَ الْحَاجَةِ عَلَيْهِ ، وَبِأَنَّهُ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ وَطْئِهِ وَالْمَشْيِ عَلَيْهِ ، وَتَمَامُهُ فِيهَا . وَقَيَّدَ فِي نُورِ الْإِيضَاحِ كَرَاهَةَ الْقُعُودِ عَلَى الْقَبْرِ بِمَا إذَا كَانَ لِغَيْرِ قِرَاءَةٍ .
قُلْت : وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا بَلِيَ الْمَيِّتُ ، وَصَارَ تُرَابًا يَجُوزُ زَرْعُهُ ، وَالْبِنَاءُ عَلَيْهِ ، وَمُقْتَضَاهُ جَوَازُ الْمَشْيِ فَوْقَهُ . ثُمَّ رَأَيْت الْعَيْنِيَّ فِي شَرْحِهِ عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ذَكَرَ كَلَامَ الطَّحَاوِيِّ الْمَارَّ ، ثُمَّ قَالَ : فَعَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ أَنَّ وَطْءَ الْقُبُورِ حَرَامٌ وَكَذَا النَّوْمُ عَلَيْهَا لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي ، فَإِنَّ الطَّحَاوِيَّ هُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَلَا سِيَّمَا بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ انْتَهَى .
قُلْت : لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْوَاقِعَ فِي كَلَامِهِمْ التَّعْبِيرُ بِالْكَرَاهَةِ لَا بِلَفْظِ الْحُرْمَةِ ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يُوَفَّقُ بِأَنَّ مَا عَزَاهُ الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ إلَى أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ مِنْ حَمْلِ النَّهْيِ عَلَى الْجُلُوسِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ يُرَادُ بِهِ نَهْيُ التَّحْرِيمِ ، وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ مِنْ كَرَاهَةِ الْوَطْءِ وَالْقُعُودِ إلَخْ يُرَادُ بِهِ كَرَاهَةُ التَّنْزِيهِ فِي غَيْرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ . وَغَايَةُ مَا فِيهِ إطْلَاقُ الْكَرَاهَةِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْمَعْنَيَيْنِ ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ مَكْرُوهَاتُ الصَّلَاةِ ، وَتَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا إذَا كَانَ الْجُلُوسُ لِلْقِرَاءَةِ كَمَا يَأْتِي ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث