رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الثاني
مَطْلَبٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْقُرْبَةِ وَالطَّاعَةِ ( قَوْلُهُ الْعِبَادَةُ ) قَالَ الْإِمَامُ اللَّامِشِيُّ : الْعِبَادَةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ . وَحَدُّهَا فِعْلٌ لَا يُرَادُ بِهِ إلَّا تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَمْرِهِ . وَالْقُرْبَةُ : مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ أَوْ مَعَ الْإِحْسَانِ لِلنَّاسِ كَبِنَاءِ الرِّبَاطِ وَالْمَسْجِدِ . وَالطَّاعَةُ مَا يَجُوزُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهِيَ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ . قَالَ تَعَالَى { أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } - ا هـ مُلَخَّصًا مِنْ ط عَنْ أَبِي السُّعُودِ ( قَوْلُهُ كَزَكَاةٍ ) أَيْ زَكَاةِ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ أَوْ أَرْضٍ كَالْعُشْرِ ، وَدَخَلَ فِي الْكَافِ النَّفَقَاتُ ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَالِيَّةِ مَا كَانَ عِبَادَةً مَحْضَةً أَوْ عِبَادَةً فِيهَا مَعْنَى الْمُؤْنَةِ أَوْ مُؤْنَةً فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ ( قَوْلُهُ وَكَفَّارَةٍ ) أَيْ بِأَنْوَاعِهَا مِنْ إعْتَاقٍ وَإِطْعَامٍ وَكِسْوَةٍ بَحْرٌ ( قَوْلُهُ تَقْبَلُ النِّيَابَةَ ) الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّكَالِيفِ الِابْتِلَاءُ وَالْمَشَقَّةُ ، وَهِيَ فِي الْبَدَنِيَّةِ بِإِتْعَابِ النَّفْسِ وَالْجَوَارِحِ بِالْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ ، وَبِفِعْلِ نَائِبِهِ لَا تَتَحَقَّقُ الْمَشَقَّةُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمْ تَجُزْ النِّيَابَةُ مُطْلَقًا إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ . وَفِي الْمَالِيَّةِ بِتَنْقِيصِ الْمَالِ الْمَحْبُوبِ لِلنَّفْسِ 598 بِإِيصَالِهِ إلَى الْفَقِيرِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ بِفِعْلِ النَّائِبِ .
وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تُجْزِئَ النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ لِتَضَمُّنِهِ الْمَشَقَّتَيْنِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ ، وَالْأُولَى لَا يُكْتَفَى فِيهَا بِالنَّائِبِ ، لَكِنَّهُ تَعَالَى رَخَّصَ فِي إسْقَاطِهِ بِتَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ الْمَالِيَّةِ عِنْدَ الْعَجْزِ الْمُسْتَمِرِّ إلَى الْمَوْتِ رَحْمَةً وَفَضْلًا ، بِأَنْ تُدْفَعَ نَفَقَةُ الْحَجِّ إلَى مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بَحْرٌ ( قَوْلُهُ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ إلَخْ ) عِلَّةٌ لِلتَّعْمِيمِ وَبَيَانٌ لِوَجْهِ إنَابَةِ الذِّمِّيِّ فِي الْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ الْمَشْرُوطِ لَهَا النِّيَّةُ بِأَنَّ الشَّرْطَ نِيَّةُ الْأَصْلِ دُونَ النَّائِبِ ( قَوْلُهُ وَلَوْ عِنْدَ دَفْعِ الْوَكِيلِ ) دَخَلَ فِي التَّعْمِيمِ مَا لَوْ نَوَى الْمُوَكِّلُ وَقْتَ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ أَوْ وَقْتَ دَفْعِ الْوَكِيلِ إلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ فِيمَا بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الْبَحْرِ . وَبَقِيَ مَا لَوْ عَزَلَهَا وَنَوَى بِهَا الزَّكَاةَ قَبْلَ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ . وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ تَشْمَلُهَا وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ كَمَا قَالُوا فِيمَا لَوْ دَفَعَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إلَى الْفَقِيرِ بِنَفْسِهِ لِوُجُودِ النِّيَّةِ وَقْتَ الدَّفْعِ حُكْمًا . وَعَلَيْهِ يُمْكِنُ دُخُولُهَا أَيْضًا فِي قَوْلِ الْبَحْرِ وَقْتَ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ . وَبَقِيَ أَيْضًا مَا لَوْ نَوَى بَعْدَ دَفْعِ الْوَكِيلِ إلَى الْفَقِيرِ وَهِيَ فِي يَدِ الْفَقِيرِ وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ كَمَا قَالُوا فِيمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَى الْفَقِيرِ بِنَفْسِهِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ وَصَوْمٍ ) مَعْنَى كَوْنِهِ بَدَنِيًّا أَنَّ فِيهِ تَرْكَ أَعْمَالِ الْبَدَنِ نَهْرٌ عَنْ الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : إنَّ الصَّوْمَ إمْسَاكٌ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ : أَيْ مَنْعُ النَّفْسِ عَنْ تَنَاوُلِهَا ، وَالْمَنْعُ مِنْ أَعْمَالِ الْبَدَنِ ( قَوْلُهُ وَالْمُرَكَّبَةُ مِنْهُمَا ) قَالَ فِي غَايَةِ السُّرُوجِيِّ وَفِي الْمَبْسُوطِ : جَعْلُ الْمَالِ فِي الْحَجِّ شَرْطَ الْوُجُوبِ فَلَمْ يَكُنْ الْحَجُّ مُرَكَّبًا مِنْ الْبَدَنِ وَالْمَالِ .
قُلْت : وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ ، وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ الْمَالُ فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ إذَا قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ إلَى عَرَفَاتٍ . وَفِي قَاضِي خَانْ : الْحَجُّ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ ا هـ وَكَوْنُ الْحَجِّ يُشْتَرَطُ لَهُ الِاسْتِطَاعَةُ وَهِيَ مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّ الْحَجَّ مُرَكَّبٌ مِنْ الْمَالِ ، لِأَنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ الْمَشْرُوطِ ، وَالشَّيْءَ لَا يَتَرَكَّبُ مِنْ شَرْطِهِ ; كَمَا أَنَّ صِحَّةَ الصَّلَاةِ يُشْتَرَطُ لَهَا سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَالْمَاءُ لِلطَّهَارَةِ وَهُمَا بِالْمَالِ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْمَالِ ا هـ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَشِّينَ وَقَدَّمْنَا جَوَابَهُ فِي أَوَّلِ الْحَجِّ ( قَوْلُهُ كَحَجِّ الْفَرْضِ ) أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ الْحَجَّةَ الْمَنْذُورَةَ كَمَا فِي الْبَحْرِ ، وَقَيَّدَ بِهِ نَظَرُ الشَّرْطِ دَوَامَ الْعَجْزِ إلَى الْمَوْتِ لِأَنَّ الْحَجَّ النَّفَلَ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ عَجْزٍ فَضْلًا عَنْ دَوَامِهِ كَمَا سَتَأْتِي ح وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ الْجِهَادُ لَا مِنْ قِسْمِ الْبَدَنِيَّةِ فَقَطْ كَمَا تُوُهِّمَ ، بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ الْحَجِّ ، إذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ آلَةِ الْحَرْبِ ; أَمَّا الْحَجُّ فَقَدْ يَكُونُ بِلَا مَالٍ كَحَجِّ الْمَكِّيِّ ، وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ فِي شَرْحِ ابْنِ كَمَالٍ ( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ فَرْضُ الْعُمْرِ ) تَعْلِيلٌ لِاشْتِرَاطِ دَوَامِ الْعَجْزِ إلَى الْمَوْتِ أَيْ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ عَجْزٌ مُسْتَوْعِبٌ لِبَقِيَّةِ الْعُمْرِ لِيَقَعَ بِهِ الْيَأْسُ عَنْ الْأَدَاءِ بِالْبَدَنِ ابْنُ كَمَالٍ عَنْ الْكَافِي فَافْهَمْ .
[ تَنْبِيهٌ ] مَحَلُّ وُجُوبِ الْإِحْجَاجِ عَلَى الْعَاجِزِ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ ثُمَّ عَجَزَ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ . وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ الْإِحْجَاجُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ وَهُوَ صَحِيحٌ زَيْلَعِيٌّ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْحَجِّ وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ عَجَزَ لَزِمَهُ الْإِحْجَاجُ اتِّفَاقًا ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَمْلِكْ مَالًا حَتَّى عَجَزَ عَنْ الْأَدَاءِ بِنَفْسِهِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ ، وَأَصْلُهُ أَنَّ صِحَّةَ الْبَدَنِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ عِنْدَهُ ، وَلِوُجُوبِ الْأَدَاءِ عِنْدَهُمَا وَقَدَّمْنَا أَوَّلَ الْحَجِّ اخْتِلَافَ التَّصْحِيحِ وَأَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ هُوَ الْمَذْهَبُ ( قَوْلُهُ حَتَّى تَلْزَمَ الْإِعَادَةُ بِزَوَالِ الْعُذْرِ ) أَيْ الْعُذْرِ الَّذِي يُرْجَى زَوَالُهُ كَالْحَبْسِ وَالْمَرَضِ ، بِخِلَافِ نَحْوِ الْعَمَى فَلَا إعَادَةَ لَوْ زَالَ عَلَى مَا يَأْتِي ( قَوْلُهُ وَبِشَرْطِ نِيَّةِ الْحَجِّ عَنْهُ ) 599 كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ ذِكْرُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ وَبِشَرْطِ الْأَمْرِ ، لِأَنَّ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ تَمَامِ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ ( قَوْلُهُ وَلَوْ نَسِيَ اسْمَهُ إلَخْ ) وَلَوْ أَحْرَمَ مُبْهِمًا : أَيْ بِأَنْ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ وَأَطْلَقَ النِّيَّةَ عَنْ ذِكْرِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ ، فَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْأَفْعَالِ كَمَا فِي اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ .
وَقَالَ فِي الشَّرْحِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْ الْكَافِي أَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ التَّعْيِينُ إجْمَاعًا : لَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ غَيْرَهُ ، بَلْ وَلَوْ عَيَّنَ غَيْرَهُ لَوَقَعَ عَنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ( قَوْلُهُ كَالْحَبْسِ وَالْمَرَضِ ) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْعُذْرِ سَمَاوِيًّا أَوْ بِصُنْعِ الْعِبَادِ . وَفِي الْبَحْرِ عَنْ التَّجْنِيسِ : وَإِنْ أَحَجَّ لِعَدُوٍّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ ، إنْ أَقَامَ الْعَدُوُّ عَلَى الطَّرِيقِ حَتَّى مَاتَ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا فَلَا . ا هـ . وَمِنْ الْعَجْزِ الَّذِي يُرْجَى زَوَالُهُ عَدَمُ وُجُودِ الْمَرْأَةِ مَحْرَمًا فَتَقْعُدُ إلَى أَنْ تَبْلُغَ وَقْتًا تَعْجِزُ عَنْ الْحَجِّ فِيهِ : أَيْ لِكِبَرٍ أَوْ عَمًى أَوْ زَمَانَةٍ ، فَحِينَئِذٍ تَبْعَثُ مِنْ يَحُجُّ عَنْهَا ، أَمَّا لَوْ بَعَثَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِتَوَهُّمِ وُجُودِ الْمَحْرَمِ إلَّا إنْ دَامَ عَدَمُ الْمَحْرَمِ إلَى أَنْ مَاتَتْ ، فَيَجُوزُ كَالْمَرِيضِ إذَا أَحَجَّ رَجُلًا وَدَامَ الْمَرَضُ إلَى أَنْ مَاتَ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ ( قَوْلُهُ فَلَا إعَادَةَ مُطْلَقًا إلَخْ ) ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُتُونِ اشْتِرَاطُ الْعَجْزِ الدَّائِمِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يُرْجَى زَوَالُهُ وَغَيْرِهِ فِي لُزُومِ الْإِعَادَةِ بَعْدَ زَوَالِهِ ، وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الْفَتْحِ . قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ الْحَقُّ التَّفْصِيلُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ وَالْخَانِيَّةِ وَالْمِعْرَاجِ ا هـ وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ ، وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَحَقَّقَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ ، وَنُقِلَ التَّصْرِيحُ بِهِ عَنْ كَافِي النَّسَفِيِّ ( قَوْلُهُ ثُمَّ عَجَزَ ) أَيْ بَعْدَ فَرَاغِ النَّائِبِ عَنْ الْحَجِّ ، بِأَنْ كَانَ وَقْتَ الْوُقُوفِ صَحِيحًا ، أَمَّا لَوْ عَجَزَ قَبْلَ فَرَاغِ النَّائِبِ وَاسْتَمَرَّ أَجْزَأَهُ ، وَقَوْلُهُ لَمْ يَجْزِهِ أَيْ عَنْ الْفَرْضِ وَإِنْ وَقَعَ نَفْلًا لِلْآمِرِ ، أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ .
قَالَ الْحَمَوِيُّ : وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ عَدَمُ صِحَّةِ مَا يَفْعَلُهُ السَّلَاطِينُ وَالْوُزَرَاءُ مِنْ الْإِحْجَاجِ عَنْهُمْ لِأَنَّ عَجْزَهُمْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَمِرًّا إلَى الْمَوْتِ ا هـ أَوْ لِعَدَمِ عَجْزِهِمْ أَصْلًا ، وَالْمُرَادُ عَدَمُ صِحَّتِهِ عَنْ الْفَرْضِ بَلْ يَقَعُ نَفْلًا ط . قُلْت : لَكِنْ قَدَّمْنَا عَنْ شَرْحِ اللُّبَابِ عَنْ شَمْسِ الْإِسْلَامِ أَنَّ السُّلْطَانَ وَمَنْ بِمَعْنَاهُ مِنْ الْأُمَرَاءِ مُلْحَقٌ بِالْمَحْبُوسِ ، فَيَجِبُ الْإِحْجَاجُ فِي مَالِهِ الْخَالِي عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ ا هـ أَيْ إذَا تَحَقَّقَ عَجْزُهُ بِمَا ذُكِرَ وَدَامَ إلَى الْمَوْتِ ( قَوْلُهُ وَبِشَرْطِ الْأَمْرِ بِهِ ) صَرَّحَ بِهَذَا الشَّرْطِ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ وَفِي اللُّبَابِ ( قَوْلُهُ فَلَا يَجُوزُ ) أَيْ لَا يَقَعُ مُجْزِئًا عَنْ حَجَّةِ الْأَصْلِ بَلْ يَقَعُ عَنْ النَّائِبِ ، فَلَهُ جَعْلُ ثَوَابِهِ لِلْأَصْلِ ، وَسَيَأْتِي تَوْضِيحُ ذَلِكَ ( قَوْلُهُ إلَّا إذَا حَجَّ أَوْ أَحَجَّ الْوَارِثُ ) أَيْ فَيُجْزِئُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَاللُّبَابِ ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُوصِ الْمُوَرِّثُ ، أَمَّا لَوْ أَوْصَى بِالْإِحْجَاجِ عَنْهُ فَلَا يَجْزِيهِ تَبَرُّعُ غَيْرِهِ عَنْهُ كَمَا يَأْتِي فِي الْمَتْنِ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْوَارِثِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ يُخَالِفُهُ وَإِلَّا لَزِمَ إلْغَاءُ هَذَا الشَّرْطِ مِنْ أَصْلِهِ ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُ فِي اللُّبَابِ ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ وَعَمَّمَ شَارِحُهُ الْوَارِثَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ .
وَعِبَارَةُ اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ هَكَذَا ( الرَّابِعُ الْأَمْرُ ) أَيْ بِالْحَجِّ ( فَلَا يَجُوزُ حَجُّ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ إنْ أَوْصَى بِهِ ) أَيْ بِالْحَجِّ عَنْهُ فَإِنَّهُ إنْ أَوْصَى بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَتَطَوَّعَ عَنْهُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ وَارِثٌ لَمْ يَجُزْ ( وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ ) أَيْ بِالْإِحْجَاجِ ( فَتَبَرَّعَ عَنْهُ الْوَارِثُ ) وَكَذَا مَنْ هُمْ أَهْلُ التَّبَرُّعِ ( فَحَجَّ ) أَيْ الْوَارِثُ وَنَحْوُهُ ( بِنَفْسِهِ ) أَيْ عَنْهُ ( أَوْ أَحَجَّ عَنْهُ غَيْرَهُ جَازَ ) 600 وَالْمَعْنَى جَازَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا قَالَهُ فِي الْكَبِيرِ . وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا سَبَقَ يُحْكَمُ بِجَوَازِهِ أَلْبَتَّةَ ، وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِالْمَشِيئَةِ . فَفِي مَنَاسِكِ السُّرُوجِيِّ : لَوْ مَاتَ رَجُلٌ بَعْدَ وُجُوبِ الْحَجِّ وَلَمْ يُوصِ بِهِ فَحَجَّ رَجُلٌ عَنْهُ أَوْ حَجَّ عَنْ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجْزِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَبَعْدَ الْوَصِيَّةِ يَجْزِيهِ مِنْ غَيْرِ الْمَشِيئَةِ ا هـ ثُمَّ أَعَادَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ الْمَسْأَلَةَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ وَقَالَ : فَلَوْ حَجَّ عَنْهُ الْوَارِثُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ يَجْزِيهِ وَتَسْقُطُ عَنْهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ إيصَالٌ لِلثَّوَابِ ، وَهُوَ لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْكَرْمَانِيُّ وَالسَّرُوجِيُّ ا هـ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ .
فَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي هَذَا الشَّرْطِ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ ، وَذِكْرَ الْوَارِثِ غَيْرُ قَيْدٍ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( قَوْلُهُ لِوُجُودِ الْأَمْرِ دَلَالَةً ) لِأَنَّ الْوَارِثَ خَلِيفَةُ الْمُوَرِّثِ فِي مَالِهِ فَكَأَنَّهُ صَارَ مَأْمُورًا بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِ ; أَوْ لِأَنَّ الْمَيِّتَ يَأْذَنُ بِذَلِكَ لِكُلِّ أَحَدٍ ، بِنَاءً عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الْوَارِثَ غَيْرُ قَيْدٍ ، وَعَلَّلَ فِي الْبَدَائِعِ بِالنَّصِّ أَيْضًا . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ حَدِيثَ الْخَثْعَمِيَّةِ ( قَوْلُهُ النَّفَقَةُ مِنْ مَالِ الْآمِرِ إلَخْ ) أَيْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ ، وَمُحْتَرَزُهُ قَوْلُهُ الْآتِي : وَلَوْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ إلَخْ وَيَأْتِي بَيَانُهُ ( قَوْلُهُ وَحَجَّ الْمَأْمُورُ بِنَفْسِهِ ) فَلَيْسَ لَهُ إحْجَاجُ غَيْرِهِ عَنْ الْمَيِّتِ وَإِنْ مَرِضَ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِذَلِكَ كَمَا يَأْتِي مَتْنًا ( قَوْلُهُ وَتَعَيُّنُهُ إنْ عَيَّنَهُ ) هَذَا يُغْنِي عَنْ الشَّرْطِ الَّذِي قَبْلَهُ تَأَمَّلْ ; وَالْمُرَادُ بِتَعْيِينِهِ مَنْعُ حَجِّ غَيْرِهِ عَنْهُ ( قَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ حَجُّ غَيْرِهِ ) أَيْ وَإِنْ مَاتَ فُلَانٌ الْمَذْكُورُ لِأَنَّ الْمُوصِيَ صَرَّحَ بِمَنْعِ حَجِّ غَيْرِهِ عَنْهُ كَمَا أَفَادَهُ فِي اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ ( قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ لَا غَيْرُهُ ) جَازَ قَالَ فِي اللُّبَابِ : وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْمَنْعِ بِأَنْ قَالَ يَحُجُّ عَنِّي فُلَانٌ فَمَاتَ فُلَانٌ وَأَحْجُوا عَنْهُ غَيْرَهُ جَازَ . مَطْلَبٌ شُرُوطُ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ عِشْرُونَ ( قَوْلُهُ وَأَوْصَلَهَا فِي اللُّبَابِ إلَى عِشْرِينَ شَرْطًا ) تَقَدَّمَ مِنْهَا سِتَّةٌ ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ السَّابِعَ بَعْدَ ذَلِكَ . وَالثَّامِنُ وُجُوبُ الْحَجِّ ، فَلَوْ أَحَجَّ الْفَقِيرُ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ عَنْ الْفَرْضِ لَمْ يَجُزْ حَجُّ غَيْرِهِ عَنْهُ وَإِنْ وَجَبَ بَعْدَ ذَلِكَ . التَّاسِعُ وُجُودُ الْعُذْرِ قَبْلَ الْإِحْجَاجِ ، فَلَوْ أَحَجَّ صَحِيحٌ ثُمَّ عَجَزَ لَا يَجْزِيهِ .
الْعَاشِرُ أَنْ يَحُجَّ رَاكِبًا ، فَلَوْ حَجَّ مَاشِيًا وَلَوْ بِأَمْرِهِ ضَمِنَ النَّفَقَةَ ، وَالْمُعْتَبَرُ رُكُوبُ أَكْثَرِ الطَّرِيقِ إلَّا إنْ ضَاقَتْ النَّفَقَةُ فَحَجَّ مَاشِيًا جَازَ . الْحَادِيَ عَشَرَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ وَطَنِهِ إنْ اتَّسَعَ الثُّلُثُ وَإِلَّا فَمِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ . الثَّانِيَ عَشَرَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ ، فَلَوْ اعْتَمَرَ وَقَدْ أَمَرَهُ بِالْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ لَا يَجُوزُ وَيَضْمَنُ . وَبَحَثَ فِيهِ شَارِحُهُ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ ، وَيَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ . قُلْت : قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى قُبَيْلَ بَابِ الْإِحْرَامِ فَرَاجِعْهُ . الثَّالِثَ عَشَرَ أَنْ لَا يُفْسِدَ حَجَّهُ ، فَلَوْ أَفْسَدَهُ لَمْ يَقَعْ عَنْ الْآمِرِ وَإِنْ قَضَاهُ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ . الرَّابِعَ عَشَرَ عَدَمُ الْمُخَالَفَةِ ، فَلَوْ أَمَرَهُ بِالْإِفْرَادِ فَقَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ وَلَوْ لِلْمَيِّتِ لَمْ يَقَعْ عَنْهُ وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ كَمَا سَيَأْتِي ، وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْعُمْرَةِ فَاعْتَمَرَ ثُمَّ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ بِالْحَجِّ فَحَجَّ ثُمَّ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ جَازَ إلَّا أَنَّ نَفَقَةَ إقَامَتِهِ لِلْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ عَنْ نَفْسِهِ فِي مَالِهِ ، وَإِذَا فَرَغَ عَادَتْ فِي مَالِ الْمَيِّتِ ، وَإِنْ عَكَسَ لَمْ يَجُزْ 601 الْخَامِسَ عَشَرَ : أَنْ يُحْرِمَ بِحَجَّةٍ وَاحِدَةٍ ، فَلَوْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ عَنْ الْآمِرِ ثُمَّ بِأُخْرَى عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا إنْ رَفَضَ الثَّانِيَةَ .
السَّادِسَ عَشَرَ : أَنْ يُفْرِدَ الْإِهْلَالَ لِوَاحِدٍ لَوْ أَمَرَهُ رَجُلَانِ بِالْحَجِّ ، فَلَوْ أَهَلَّ عَنْهُمَا ضَمِنَ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ . السَّابِعَ عَشَرَ وَالثَّامِنَ عَشَرَ : إسْلَامُ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ وَعَقْلُهُمَا كَمَا سَيَأْتِي ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ وَلَا مِنْ الْمَجْنُونِ لِغَيْرِهِ وَلَا عَكْسُهُ ، لَكِنْ لَوْ وَجَبَ الْحَجُّ عَلَى الْمَجْنُونِ قَبْلَ طُرُوُّ جُنُونِهِ صَحَّ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ . التَّاسِعَ عَشَرَ : تَمْيِيزُ الْمَأْمُورِ ، فَلَا يَصِحُّ إحْجَاجُ صَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَيَصِحُّ إحْجَاجُ الْمُرَاهِقِ كَمَا سَيَأْتِي . الْعِشْرُونَ : عَدَمُ الْفَوَاتِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ . قَالَ فِي اللُّبَابِ : وَهَذِهِ الشَّرَائِطُ كُلُّهَا فِي الْحَجِّ الْفَرْضِ ، وَأَمَّا النَّفَلُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهَا : إلَّا الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالتَّمْيِيزُ ، وَكَذَا الِاسْتِئْجَارُ ، وَلَمْ نَجِدْهُ صَرِيحًا فِي النَّفْلِ وَجَزَمَ بِهِ شَارِحُهُ ، لَكِنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَقَعُ عَنْ الْمَيِّتِ ، وَفِيهِ مَا نَذْكُرُهُ بُعَيْدَهُ . مَطْلَبٌ فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْحَجِّ ( قَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ حَجُّهُ عَنْهُ ) كَذَا فِي اللُّبَابِ ، لَكِنْ قَالَ شَارِحُهُ : وَفِي الْكِفَايَةِ : يَقَعُ الْحَجُّ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ا هـ وَبِهِ كَانَ يَقُولُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَهُوَ الْمَذْهَبُ . ا هـ . وَصَرَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ بِأَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ الْجَوَازُ ، لَكِنَّهُ قَالَ أَيْضًا : وَلِلْأَجِيرِ أَجْرُ مِثْلِهِ . وَاسْتَشْكَلَهُ فِي [ فَتْحِ الْقَدِيرِ ] بِمَا قَالُوا مِنْ أَنَّ مَا يُنْفِقُهُ الْمَأْمُورُ إنَّمَا هُوَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِلْكَهُ لَكَانَ بِالِاسْتِئْجَارِ ، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الطَّاعَاتِ ، فَالْعِبَارَةُ الْمُحَرَّرَةُ مَا فِي كَافِي الْحَاكِمِ : وَلَهُ نَفَقَةُ مِثْلِهِ .
وَزَادَ إيضَاحَهَا فِي الْمَبْسُوطِ فَقَالَ : هَذِهِ النَّفَقَةُ لَيْسَ يَسْتَحِقُّهَا بِطَرِيقِ الْعِوَضِ بَلْ بِطَرِيقِ الْكِفَايَةِ لِأَنَّهُ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِعَمَلٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْتَأْجَرُ . هَذَا ، وَإِنَّمَا جَازَ الْحَجُّ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَمَّا بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ بَقِيَ الْأَمْرُ بِالْحَجِّ فَتَكُونُ لَهُ نَفَقَةُ مِثْلِهِ . ا هـ . قُلْت : وَعِبَارَةُ كَافِي الْحَاكِمِ . عَلَى مَا نَقَلَهُ الرَّحْمَتِيُّ : رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَحُجَّ عَنْهُ قَالَ : لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ ، وَلَهُ نَفَقَةُ مِثْلِهِ . وَتَجُوزُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ عَنْ الْمَسْجُونِ إذَا مَاتَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ . ا هـ . وَمِثْلُهُ مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْإِسْبِيجَابِيِّ : لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْحَجِّ ، فَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الْأَجْرَ فَحَجَّ يَجُوزُ عَنْ الْمَيِّتِ وَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِقْدَارُ نَفَقَةِ الطَّرِيقِ وَيُرَدُّ الْفَضْلُ عَلَى الْوَرَثَةِ إلَّا إذَا تَبَرَّعَ بِهِ الْوَرَثَةُ أَوْ أَوْصَى الْمَيِّتُ بِأَنَّ الْفَضْلَ لِلْحَاجِّ ا هـ مُلَخَّصًا .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ لَمْ يَجُزْ حَجُّهُ عَنْهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ، وَأَنَّ قَوْلَ الْخَانِيَّةِ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْإِجَارَةَ فَاسِدَةٌ مَعَ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ كَالِاسْتِئْجَارِ عَلَى بَقِيَّةِ الطَّاعَاتِ .
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ نَفَقَةُ الْمِثْلِ كَمَا عَبَّرَ فِي الْكَافِي ، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا أَجْرًا مَجَازًا ، وَهَذَا أَحْسَنُ مِمَّا قِيلَ إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الطَّاعَاتِ ، لِمَا عَلِمْته مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ مِنْ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يُطْلِقُوا ذَلِكَ ، بَلْ أَفْتَوْا بِجَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى التَّعْلِيمِ وَالْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ لِلضَّرُورَةِ لَا عَلَى جَمِيعِ الطَّاعَاتِ كَمَا أَوْضَحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مِنَحِهِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ ، وَإِلَّا لَزِمَ الْجَوَازُ عَلَى الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَلَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ ، وَلَا ضَرُورَةَ لِلِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْحَجِّ لِإِمْكَانِ دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ لِيُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ كَمَا عَلِمْتَ التَّصْرِيحَ بِهِ عَنْ الْمَبْسُوطِ ، وَالْمُتُونُ الْمُصَرَّحُ فِيهَا 602 بِجَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى التَّعْلِيمِ وَنَحْوِهِ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا جَوَازُهُ عَلَى الْحَجِّ ، بَلْ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي عَامَّةِ مُتُونِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْحَجِّ كَالْكَنْزِ وَالْوِقَايَةِ وَالْمَجْمَعِ وَالْمُخْتَارِ وَمَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرِهَا ، بَلْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَتِهِ [ بُلُوغِ الْإِرَبِ ] إنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ مَشَايِخِنَا جَوَازَ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْحَجِّ . ا هـ . قُلْت : وَلَوْ قِيلَ بِجَوَازِهِ لَزِمَ عَلَيْهِ هَدْمُ فُرُوعٍ كَثِيرَةٍ : مِنْهَا مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمَأْمُورَ يُنْفِقُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ الْفَضْلِ ، وَاشْتِرَاطُ الْإِنْفَاقِ بِقَدْرِ مَالِ الْآمِرِ أَوْ أَكْثَرِهِ ، وَأَنَّ الْوَصِيَّ لَوْ دَفَعَ الْمَالَ لِوَارِثٍ لِيَحُجَّ بِهِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَهُمْ كِبَارٌ لِأَنَّهُ كَالتَّبَرُّعِ بِالْمَالِ ، فَلَا يَجُوزُ لِلْوَارِثِ بِلَا إجَازَةِ الْبَاقِينَ كَمَا فِي الْفَتْحِ ، وَلَوْ كَانَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْجَارِ لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْفُرُوعِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي رِسَالَتِنَا [ شِفَاءُ الْعَلِيلِ ] فَافْهَمْ .
( قَوْلُهُ وَلَوْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ إلَخْ ) قَالَ فِي الْفَتْحِ : فَإِنْ أَنْفَقَ الْأَكْثَرَ أَوْ الْكُلَّ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَفِي الْمَالِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ وَفَاءٌ بِحَجِّهِ رَجَعَ بِهِ فِيهِ ، إذْ قَدْ يُبْتَلَى بِالْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِبَغْتَةِ الْحَاجَةِ وَلَا يَكُونُ الْمَالُ حَاضِرًا فَجُوِّزَ ذَلِكَ كَالْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ يَشْتَرِي لِلْيَتِيمِ وَالْمُوَكِّلِ ، وَيُعْطِي الثَّمَنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَيَرْجِعُ بِهِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَالْمُوَكِّلِ ا هـ .
قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ اشْتِرَاطَهُمْ أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ مِنْ مَالِ الْآمِرِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ التَّبَرُّعِ لَا مُطْلَقًا . ا هـ . وَقَالَ فِي الْخَانِيَّةِ : إذَا خَلَطَ الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ النَّفَقَةَ بِمَالِ نَفْسِهِ قَالَ فِي الْكِتَابِ يَضْمَنُ ، فَإِنْ حَجَّ وَأَنْفَقَ جَازَ وَبَرِئَ عَنْ الضَّمَانِ . ا هـ .
إذَا عَرَفْت هَذَا فَقَوْلُهُ وَأَنْفَقَ كُلَّهُ أَوْ أَكْثَرَهُ الضَّمِيرَانِ لِمَالِ الْآمِرِ ، وَفِيهِ مُضَافٌ مُقَدَّرٌ أَيْ مِقْدَارُ كُلِّهِ أَوْ مِقْدَارُ أَكْثَرِهِ ، وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ . وَالْمَعْنَى وَلَوْ أَنْفَقَ الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَحَجَّ وَأَنْفَقَ مِقْدَارَ كُلِّ مَالِ الْآمِرِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ أَوْ مِقْدَارَ أَكْثَرِهِ جَازَ ، وَكَذَا إذَا خَلَطَ النَّفَقَةَ بِمَالِهِ وَحَجَّ وَأَنْفَقَ إلَخْ أَفَادَهُ ح وَقَوْلُهُ وَبَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ أَيْ الْحَاصِلِ بِسَبَبِ الْخَلْطِ عَلَى مَا عَلِمْته ، وَهَذَا لَوْ بِلَا إذْنِ الْآمِرِ بَلْ نَقَلَ السَّائِحَانِيُّ عَنْ الذَّخِيرَةِ لَهُ الْخَلْطُ بِدَرَاهِمِ الرُّفْقَةِ أُمِرَ بِهِ أَوْ لَا لِلْعُرْفِ . [ تَنْبِيهٌ ] سَنَذْكُرُ أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِأَلْفٍ مِنْ مَالِهِ فَأَحَجَّ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِيَرْجِعَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِاللَّفْظِ فَيُعْتَبَرُ لَفْظُ الْمُوصِي وَهُوَ أَضَافَ الْمَالَ إلَى نَفْسِهِ فَلَا يُبَدَّلُ ا هـ بَحْرٌ . قُلْت : وَعَلَى هَذَا إذَا أَضَافَ الْمَالَ إلَى نَفْسِهِ فَلَيْسَ لِلْمَأْمُورِ أَنْ يُبْدِلَهُ بِمَالِهِ كَالْوَصِيِّ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَأْمُورَ قَدْ يُضْطَرُّ إلَى ذَلِكَ عَلَى مَا مَرَّ فَلْيُتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ وَشَرْطُ الْعَجْزِ إلَخْ ) قَدْ عَلِمْت مِمَّا قَدَّمْنَاهُ عَنْ اللُّبَابِ أَنَّ الشُّرُوطَ كُلَّهَا شُرُوطٌ لِلْحَجِّ الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِي النَّفْلِ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالتَّمْيِيزُ ، وَكَذَا عَدَمُ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ ( قَوْلُهُ لِاتِّسَاعِ بَابِهِ ) أَيْ أَنَّهُ يُتَسَامَحُ فِي النَّفْلِ مَا لَا يُتَسَامَحُ فِي الْفَرْضِ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : أَمَّا الْحَجُّ النَّفَلُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَجْزُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ مِنْ الْمَشَقَّتَيْنِ أَيْ مَشَقَّةِ الْبَدَنِ وَمَشَقَّةِ الْمَالِ ، فَإِذَا كَانَ لَهُ تَرْكُهُمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَحَمَّلَ إحْدَاهُمَا تَقَرُّبًا إلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَلَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِيهِ صَحِيحًا . ا هـ .
وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تُجْزِئَ النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ لِتَضَمُّنِهِ الْمَشَقَّتَيْنِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ ، وَالْأُولَى لَا يُكْتَفَى فِيهَا بِالنَّائِبِ ، لَكِنَّهُ تَعَالَى رَخَّصَ فِي إسْقَاطِهِ بِتَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ الْمَالِيَّةِ عِنْدَ الْعَجْزِ الْمُسْتَمِرِّ إلَى الْمَوْتِ رَحْمَةً وَفَضْلًا ، بِأَنْ تُدْفَعَ نَفَقَةُ الْحَجِّ إلَى مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بَحْرٌ ( قَوْلُهُ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ إلَخْ ) عِلَّةٌ لِلتَّعْمِيمِ وَبَيَانٌ لِوَجْهِ إنَابَةِ الذِّمِّيِّ فِي الْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ الْمَشْرُوطِ لَهَا النِّيَّةُ بِأَنَّ الشَّرْطَ نِيَّةُ الْأَصْلِ دُونَ النَّائِبِ ( قَوْلُهُ وَلَوْ عِنْدَ دَفْعِ الْوَكِيلِ ) دَخَلَ فِي التَّعْمِيمِ مَا لَوْ نَوَى الْمُوَكِّلُ وَقْتَ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ أَوْ وَقْتَ دَفْعِ الْوَكِيلِ إلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ فِيمَا بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الْبَحْرِ . وَبَقِيَ مَا لَوْ عَزَلَهَا وَنَوَى بِهَا الزَّكَاةَ قَبْلَ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ . وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ تَشْمَلُهَا وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ كَمَا قَالُوا فِيمَا لَوْ دَفَعَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إلَى الْفَقِيرِ بِنَفْسِهِ لِوُجُودِ النِّيَّةِ وَقْتَ الدَّفْعِ حُكْمًا . وَعَلَيْهِ يُمْكِنُ دُخُولُهَا أَيْضًا فِي قَوْلِ الْبَحْرِ وَقْتَ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ . وَبَقِيَ أَيْضًا مَا لَوْ نَوَى بَعْدَ دَفْعِ الْوَكِيلِ إلَى الْفَقِيرِ وَهِيَ فِي يَدِ الْفَقِيرِ وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ كَمَا قَالُوا فِيمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَى الْفَقِيرِ بِنَفْسِهِ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ وَصَوْمٍ ) مَعْنَى كَوْنِهِ بَدَنِيًّا أَنَّ فِيهِ تَرْكَ أَعْمَالِ الْبَدَنِ نَهْرٌ عَنْ الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : إنَّ الصَّوْمَ إمْسَاكٌ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ : أَيْ مَنْعُ النَّفْسِ عَنْ تَنَاوُلِهَا ، وَالْمَنْعُ مِنْ أَعْمَالِ الْبَدَنِ ( قَوْلُهُ وَالْمُرَكَّبَةُ مِنْهُمَا ) قَالَ فِي غَايَةِ السُّرُوجِيِّ وَفِي الْمَبْسُوطِ : جَعْلُ الْمَالِ فِي الْحَجِّ شَرْطَ الْوُجُوبِ فَلَمْ يَكُنْ الْحَجُّ مُرَكَّبًا مِنْ الْبَدَنِ وَالْمَالِ .
قُلْت : وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ ، وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ الْمَالُ فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ إذَا قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ إلَى عَرَفَاتٍ . وَفِي قَاضِي خَانْ : الْحَجُّ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ ا هـ وَكَوْنُ الْحَجِّ يُشْتَرَطُ لَهُ الِاسْتِطَاعَةُ وَهِيَ مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّ الْحَجَّ مُرَكَّبٌ مِنْ الْمَالِ ، لِأَنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ الْمَشْرُوطِ ، وَالشَّيْءَ لَا يَتَرَكَّبُ مِنْ شَرْطِهِ ; كَمَا أَنَّ صِحَّةَ الصَّلَاةِ يُشْتَرَطُ لَهَا سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَالْمَاءُ لِلطَّهَارَةِ وَهُمَا بِالْمَالِ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْمَالِ ا هـ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَشِّينَ وَقَدَّمْنَا جَوَابَهُ فِي أَوَّلِ الْحَجِّ ( قَوْلُهُ كَحَجِّ الْفَرْضِ ) أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ الْحَجَّةَ الْمَنْذُورَةَ كَمَا فِي الْبَحْرِ ، وَقَيَّدَ بِهِ نَظَرُ الشَّرْطِ دَوَامَ الْعَجْزِ إلَى الْمَوْتِ لِأَنَّ الْحَجَّ النَّفَلَ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ عَجْزٍ فَضْلًا عَنْ دَوَامِهِ كَمَا سَتَأْتِي ح وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ الْجِهَادُ لَا مِنْ قِسْمِ الْبَدَنِيَّةِ فَقَطْ كَمَا تُوُهِّمَ ، بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ الْحَجِّ ، إذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ آلَةِ الْحَرْبِ ; أَمَّا الْحَجُّ فَقَدْ يَكُونُ بِلَا مَالٍ كَحَجِّ الْمَكِّيِّ ، وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ فِي شَرْحِ ابْنِ كَمَالٍ ( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ فَرْضُ الْعُمْرِ ) تَعْلِيلٌ لِاشْتِرَاطِ دَوَامِ الْعَجْزِ إلَى الْمَوْتِ أَيْ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ عَجْزٌ مُسْتَوْعِبٌ لِبَقِيَّةِ الْعُمْرِ لِيَقَعَ بِهِ الْيَأْسُ عَنْ الْأَدَاءِ بِالْبَدَنِ ابْنُ كَمَالٍ عَنْ الْكَافِي فَافْهَمْ .
[ تَنْبِيهٌ ] مَحَلُّ وُجُوبِ الْإِحْجَاجِ عَلَى الْعَاجِزِ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ ثُمَّ عَجَزَ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ . وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ الْإِحْجَاجُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ وَهُوَ صَحِيحٌ زَيْلَعِيٌّ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْحَجِّ وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ عَجَزَ لَزِمَهُ الْإِحْجَاجُ اتِّفَاقًا ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَمْلِكْ مَالًا حَتَّى عَجَزَ عَنْ الْأَدَاءِ بِنَفْسِهِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ ، وَأَصْلُهُ أَنَّ صِحَّةَ الْبَدَنِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ عِنْدَهُ ، وَلِوُجُوبِ الْأَدَاءِ عِنْدَهُمَا وَقَدَّمْنَا أَوَّلَ الْحَجِّ اخْتِلَافَ التَّصْحِيحِ وَأَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ هُوَ الْمَذْهَبُ ( قَوْلُهُ حَتَّى تَلْزَمَ الْإِعَادَةُ بِزَوَالِ الْعُذْرِ ) أَيْ الْعُذْرِ الَّذِي يُرْجَى زَوَالُهُ كَالْحَبْسِ وَالْمَرَضِ ، بِخِلَافِ نَحْوِ الْعَمَى فَلَا إعَادَةَ لَوْ زَالَ عَلَى مَا يَأْتِي ( قَوْلُهُ وَبِشَرْطِ نِيَّةِ الْحَجِّ عَنْهُ ) 599 كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ ذِكْرُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ وَبِشَرْطِ الْأَمْرِ ، لِأَنَّ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ تَمَامِ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ ( قَوْلُهُ وَلَوْ نَسِيَ اسْمَهُ إلَخْ ) وَلَوْ أَحْرَمَ مُبْهِمًا : أَيْ بِأَنْ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ وَأَطْلَقَ النِّيَّةَ عَنْ ذِكْرِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ ، فَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْأَفْعَالِ كَمَا فِي اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ .
وَقَالَ فِي الشَّرْحِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْ الْكَافِي أَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ التَّعْيِينُ إجْمَاعًا : لَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ غَيْرَهُ ، بَلْ وَلَوْ عَيَّنَ غَيْرَهُ لَوَقَعَ عَنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ( قَوْلُهُ كَالْحَبْسِ وَالْمَرَضِ ) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْعُذْرِ سَمَاوِيًّا أَوْ بِصُنْعِ الْعِبَادِ . وَفِي الْبَحْرِ عَنْ التَّجْنِيسِ : وَإِنْ أَحَجَّ لِعَدُوٍّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ ، إنْ أَقَامَ الْعَدُوُّ عَلَى الطَّرِيقِ حَتَّى مَاتَ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا فَلَا . ا هـ . وَمِنْ الْعَجْزِ الَّذِي يُرْجَى زَوَالُهُ عَدَمُ وُجُودِ الْمَرْأَةِ مَحْرَمًا فَتَقْعُدُ إلَى أَنْ تَبْلُغَ وَقْتًا تَعْجِزُ عَنْ الْحَجِّ فِيهِ : أَيْ لِكِبَرٍ أَوْ عَمًى أَوْ زَمَانَةٍ ، فَحِينَئِذٍ تَبْعَثُ مِنْ يَحُجُّ عَنْهَا ، أَمَّا لَوْ بَعَثَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِتَوَهُّمِ وُجُودِ الْمَحْرَمِ إلَّا إنْ دَامَ عَدَمُ الْمَحْرَمِ إلَى أَنْ مَاتَتْ ، فَيَجُوزُ كَالْمَرِيضِ إذَا أَحَجَّ رَجُلًا وَدَامَ الْمَرَضُ إلَى أَنْ مَاتَ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ ( قَوْلُهُ فَلَا إعَادَةَ مُطْلَقًا إلَخْ ) ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُتُونِ اشْتِرَاطُ الْعَجْزِ الدَّائِمِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يُرْجَى زَوَالُهُ وَغَيْرِهِ فِي لُزُومِ الْإِعَادَةِ بَعْدَ زَوَالِهِ ، وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الْفَتْحِ . قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ الْحَقُّ التَّفْصِيلُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ وَالْخَانِيَّةِ وَالْمِعْرَاجِ ا هـ وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ ، وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَحَقَّقَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ ، وَنُقِلَ التَّصْرِيحُ بِهِ عَنْ كَافِي النَّسَفِيِّ ( قَوْلُهُ ثُمَّ عَجَزَ ) أَيْ بَعْدَ فَرَاغِ النَّائِبِ عَنْ الْحَجِّ ، بِأَنْ كَانَ وَقْتَ الْوُقُوفِ صَحِيحًا ، أَمَّا لَوْ عَجَزَ قَبْلَ فَرَاغِ النَّائِبِ وَاسْتَمَرَّ أَجْزَأَهُ ، وَقَوْلُهُ لَمْ يَجْزِهِ أَيْ عَنْ الْفَرْضِ وَإِنْ وَقَعَ نَفْلًا لِلْآمِرِ ، أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ .
قَالَ الْحَمَوِيُّ : وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ عَدَمُ صِحَّةِ مَا يَفْعَلُهُ السَّلَاطِينُ وَالْوُزَرَاءُ مِنْ الْإِحْجَاجِ عَنْهُمْ لِأَنَّ عَجْزَهُمْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَمِرًّا إلَى الْمَوْتِ ا هـ أَوْ لِعَدَمِ عَجْزِهِمْ أَصْلًا ، وَالْمُرَادُ عَدَمُ صِحَّتِهِ عَنْ الْفَرْضِ بَلْ يَقَعُ نَفْلًا ط . قُلْت : لَكِنْ قَدَّمْنَا عَنْ شَرْحِ اللُّبَابِ عَنْ شَمْسِ الْإِسْلَامِ أَنَّ السُّلْطَانَ وَمَنْ بِمَعْنَاهُ مِنْ الْأُمَرَاءِ مُلْحَقٌ بِالْمَحْبُوسِ ، فَيَجِبُ الْإِحْجَاجُ فِي مَالِهِ الْخَالِي عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ ا هـ أَيْ إذَا تَحَقَّقَ عَجْزُهُ بِمَا ذُكِرَ وَدَامَ إلَى الْمَوْتِ ( قَوْلُهُ وَبِشَرْطِ الْأَمْرِ بِهِ ) صَرَّحَ بِهَذَا الشَّرْطِ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْبَدَائِعِ وَفِي اللُّبَابِ ( قَوْلُهُ فَلَا يَجُوزُ ) أَيْ لَا يَقَعُ مُجْزِئًا عَنْ حَجَّةِ الْأَصْلِ بَلْ يَقَعُ عَنْ النَّائِبِ ، فَلَهُ جَعْلُ ثَوَابِهِ لِلْأَصْلِ ، وَسَيَأْتِي تَوْضِيحُ ذَلِكَ ( قَوْلُهُ إلَّا إذَا حَجَّ أَوْ أَحَجَّ الْوَارِثُ ) أَيْ فَيُجْزِئُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَاللُّبَابِ ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُوصِ الْمُوَرِّثُ ، أَمَّا لَوْ أَوْصَى بِالْإِحْجَاجِ عَنْهُ فَلَا يَجْزِيهِ تَبَرُّعُ غَيْرِهِ عَنْهُ كَمَا يَأْتِي فِي الْمَتْنِ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْوَارِثِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ يُخَالِفُهُ وَإِلَّا لَزِمَ إلْغَاءُ هَذَا الشَّرْطِ مِنْ أَصْلِهِ ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُ فِي اللُّبَابِ ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ وَعَمَّمَ شَارِحُهُ الْوَارِثَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ .
وَعِبَارَةُ اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ هَكَذَا ( الرَّابِعُ الْأَمْرُ ) أَيْ بِالْحَجِّ ( فَلَا يَجُوزُ حَجُّ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ إنْ أَوْصَى بِهِ ) أَيْ بِالْحَجِّ عَنْهُ فَإِنَّهُ إنْ أَوْصَى بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَتَطَوَّعَ عَنْهُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ وَارِثٌ لَمْ يَجُزْ ( وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ ) أَيْ بِالْإِحْجَاجِ ( فَتَبَرَّعَ عَنْهُ الْوَارِثُ ) وَكَذَا مَنْ هُمْ أَهْلُ التَّبَرُّعِ ( فَحَجَّ ) أَيْ الْوَارِثُ وَنَحْوُهُ ( بِنَفْسِهِ ) أَيْ عَنْهُ ( أَوْ أَحَجَّ عَنْهُ غَيْرَهُ جَازَ ) 600 وَالْمَعْنَى جَازَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا قَالَهُ فِي الْكَبِيرِ . وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا سَبَقَ يُحْكَمُ بِجَوَازِهِ أَلْبَتَّةَ ، وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِالْمَشِيئَةِ . فَفِي مَنَاسِكِ السُّرُوجِيِّ : لَوْ مَاتَ رَجُلٌ بَعْدَ وُجُوبِ الْحَجِّ وَلَمْ يُوصِ بِهِ فَحَجَّ رَجُلٌ عَنْهُ أَوْ حَجَّ عَنْ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجْزِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَبَعْدَ الْوَصِيَّةِ يَجْزِيهِ مِنْ غَيْرِ الْمَشِيئَةِ ا هـ ثُمَّ أَعَادَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ الْمَسْأَلَةَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ وَقَالَ : فَلَوْ حَجَّ عَنْهُ الْوَارِثُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ يَجْزِيهِ وَتَسْقُطُ عَنْهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ إيصَالٌ لِلثَّوَابِ ، وَهُوَ لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْكَرْمَانِيُّ وَالسَّرُوجِيُّ ا هـ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ .
فَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي هَذَا الشَّرْطِ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ ، وَذِكْرَ الْوَارِثِ غَيْرُ قَيْدٍ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( قَوْلُهُ لِوُجُودِ الْأَمْرِ دَلَالَةً ) لِأَنَّ الْوَارِثَ خَلِيفَةُ الْمُوَرِّثِ فِي مَالِهِ فَكَأَنَّهُ صَارَ مَأْمُورًا بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِ ; أَوْ لِأَنَّ الْمَيِّتَ يَأْذَنُ بِذَلِكَ لِكُلِّ أَحَدٍ ، بِنَاءً عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الْوَارِثَ غَيْرُ قَيْدٍ ، وَعَلَّلَ فِي الْبَدَائِعِ بِالنَّصِّ أَيْضًا . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ حَدِيثَ الْخَثْعَمِيَّةِ ( قَوْلُهُ النَّفَقَةُ مِنْ مَالِ الْآمِرِ إلَخْ ) أَيْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ ، وَمُحْتَرَزُهُ قَوْلُهُ الْآتِي : وَلَوْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ إلَخْ وَيَأْتِي بَيَانُهُ ( قَوْلُهُ وَحَجَّ الْمَأْمُورُ بِنَفْسِهِ ) فَلَيْسَ لَهُ إحْجَاجُ غَيْرِهِ عَنْ الْمَيِّتِ وَإِنْ مَرِضَ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِذَلِكَ كَمَا يَأْتِي مَتْنًا ( قَوْلُهُ وَتَعَيُّنُهُ إنْ عَيَّنَهُ ) هَذَا يُغْنِي عَنْ الشَّرْطِ الَّذِي قَبْلَهُ تَأَمَّلْ ; وَالْمُرَادُ بِتَعْيِينِهِ مَنْعُ حَجِّ غَيْرِهِ عَنْهُ ( قَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ حَجُّ غَيْرِهِ ) أَيْ وَإِنْ مَاتَ فُلَانٌ الْمَذْكُورُ لِأَنَّ الْمُوصِيَ صَرَّحَ بِمَنْعِ حَجِّ غَيْرِهِ عَنْهُ كَمَا أَفَادَهُ فِي اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ ( قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ لَا غَيْرُهُ ) جَازَ قَالَ فِي اللُّبَابِ : وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْمَنْعِ بِأَنْ قَالَ يَحُجُّ عَنِّي فُلَانٌ فَمَاتَ فُلَانٌ وَأَحْجُوا عَنْهُ غَيْرَهُ جَازَ . مَطْلَبٌ شُرُوطُ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ عِشْرُونَ ( قَوْلُهُ وَأَوْصَلَهَا فِي اللُّبَابِ إلَى عِشْرِينَ شَرْطًا ) تَقَدَّمَ مِنْهَا سِتَّةٌ ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ السَّابِعَ بَعْدَ ذَلِكَ . وَالثَّامِنُ وُجُوبُ الْحَجِّ ، فَلَوْ أَحَجَّ الْفَقِيرُ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ عَنْ الْفَرْضِ لَمْ يَجُزْ حَجُّ غَيْرِهِ عَنْهُ وَإِنْ وَجَبَ بَعْدَ ذَلِكَ . التَّاسِعُ وُجُودُ الْعُذْرِ قَبْلَ الْإِحْجَاجِ ، فَلَوْ أَحَجَّ صَحِيحٌ ثُمَّ عَجَزَ لَا يَجْزِيهِ .
الْعَاشِرُ أَنْ يَحُجَّ رَاكِبًا ، فَلَوْ حَجَّ مَاشِيًا وَلَوْ بِأَمْرِهِ ضَمِنَ النَّفَقَةَ ، وَالْمُعْتَبَرُ رُكُوبُ أَكْثَرِ الطَّرِيقِ إلَّا إنْ ضَاقَتْ النَّفَقَةُ فَحَجَّ مَاشِيًا جَازَ . الْحَادِيَ عَشَرَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ وَطَنِهِ إنْ اتَّسَعَ الثُّلُثُ وَإِلَّا فَمِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ . الثَّانِيَ عَشَرَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ ، فَلَوْ اعْتَمَرَ وَقَدْ أَمَرَهُ بِالْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ لَا يَجُوزُ وَيَضْمَنُ . وَبَحَثَ فِيهِ شَارِحُهُ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ ، وَيَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ . قُلْت : قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى قُبَيْلَ بَابِ الْإِحْرَامِ فَرَاجِعْهُ . الثَّالِثَ عَشَرَ أَنْ لَا يُفْسِدَ حَجَّهُ ، فَلَوْ أَفْسَدَهُ لَمْ يَقَعْ عَنْ الْآمِرِ وَإِنْ قَضَاهُ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ . الرَّابِعَ عَشَرَ عَدَمُ الْمُخَالَفَةِ ، فَلَوْ أَمَرَهُ بِالْإِفْرَادِ فَقَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ وَلَوْ لِلْمَيِّتِ لَمْ يَقَعْ عَنْهُ وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ كَمَا سَيَأْتِي ، وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْعُمْرَةِ فَاعْتَمَرَ ثُمَّ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ بِالْحَجِّ فَحَجَّ ثُمَّ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ جَازَ إلَّا أَنَّ نَفَقَةَ إقَامَتِهِ لِلْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ عَنْ نَفْسِهِ فِي مَالِهِ ، وَإِذَا فَرَغَ عَادَتْ فِي مَالِ الْمَيِّتِ ، وَإِنْ عَكَسَ لَمْ يَجُزْ 601 الْخَامِسَ عَشَرَ : أَنْ يُحْرِمَ بِحَجَّةٍ وَاحِدَةٍ ، فَلَوْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ عَنْ الْآمِرِ ثُمَّ بِأُخْرَى عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا إنْ رَفَضَ الثَّانِيَةَ .
السَّادِسَ عَشَرَ : أَنْ يُفْرِدَ الْإِهْلَالَ لِوَاحِدٍ لَوْ أَمَرَهُ رَجُلَانِ بِالْحَجِّ ، فَلَوْ أَهَلَّ عَنْهُمَا ضَمِنَ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ . السَّابِعَ عَشَرَ وَالثَّامِنَ عَشَرَ : إسْلَامُ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ وَعَقْلُهُمَا كَمَا سَيَأْتِي ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ وَلَا مِنْ الْمَجْنُونِ لِغَيْرِهِ وَلَا عَكْسُهُ ، لَكِنْ لَوْ وَجَبَ الْحَجُّ عَلَى الْمَجْنُونِ قَبْلَ طُرُوُّ جُنُونِهِ صَحَّ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ . التَّاسِعَ عَشَرَ : تَمْيِيزُ الْمَأْمُورِ ، فَلَا يَصِحُّ إحْجَاجُ صَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَيَصِحُّ إحْجَاجُ الْمُرَاهِقِ كَمَا سَيَأْتِي . الْعِشْرُونَ : عَدَمُ الْفَوَاتِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ . قَالَ فِي اللُّبَابِ : وَهَذِهِ الشَّرَائِطُ كُلُّهَا فِي الْحَجِّ الْفَرْضِ ، وَأَمَّا النَّفَلُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهَا : إلَّا الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالتَّمْيِيزُ ، وَكَذَا الِاسْتِئْجَارُ ، وَلَمْ نَجِدْهُ صَرِيحًا فِي النَّفْلِ وَجَزَمَ بِهِ شَارِحُهُ ، لَكِنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَقَعُ عَنْ الْمَيِّتِ ، وَفِيهِ مَا نَذْكُرُهُ بُعَيْدَهُ . مَطْلَبٌ فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْحَجِّ ( قَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ حَجُّهُ عَنْهُ ) كَذَا فِي اللُّبَابِ ، لَكِنْ قَالَ شَارِحُهُ : وَفِي الْكِفَايَةِ : يَقَعُ الْحَجُّ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ا هـ وَبِهِ كَانَ يَقُولُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَهُوَ الْمَذْهَبُ . ا هـ . وَصَرَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ بِأَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ الْجَوَازُ ، لَكِنَّهُ قَالَ أَيْضًا : وَلِلْأَجِيرِ أَجْرُ مِثْلِهِ . وَاسْتَشْكَلَهُ فِي [ فَتْحِ الْقَدِيرِ ] بِمَا قَالُوا مِنْ أَنَّ مَا يُنْفِقُهُ الْمَأْمُورُ إنَّمَا هُوَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِلْكَهُ لَكَانَ بِالِاسْتِئْجَارِ ، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الطَّاعَاتِ ، فَالْعِبَارَةُ الْمُحَرَّرَةُ مَا فِي كَافِي الْحَاكِمِ : وَلَهُ نَفَقَةُ مِثْلِهِ .
وَزَادَ إيضَاحَهَا فِي الْمَبْسُوطِ فَقَالَ : هَذِهِ النَّفَقَةُ لَيْسَ يَسْتَحِقُّهَا بِطَرِيقِ الْعِوَضِ بَلْ بِطَرِيقِ الْكِفَايَةِ لِأَنَّهُ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِعَمَلٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْتَأْجَرُ . هَذَا ، وَإِنَّمَا جَازَ الْحَجُّ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَمَّا بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ بَقِيَ الْأَمْرُ بِالْحَجِّ فَتَكُونُ لَهُ نَفَقَةُ مِثْلِهِ . ا هـ . قُلْت : وَعِبَارَةُ كَافِي الْحَاكِمِ . عَلَى مَا نَقَلَهُ الرَّحْمَتِيُّ : رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَحُجَّ عَنْهُ قَالَ : لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ ، وَلَهُ نَفَقَةُ مِثْلِهِ . وَتَجُوزُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ عَنْ الْمَسْجُونِ إذَا مَاتَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ . ا هـ . وَمِثْلُهُ مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْإِسْبِيجَابِيِّ : لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْحَجِّ ، فَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الْأَجْرَ فَحَجَّ يَجُوزُ عَنْ الْمَيِّتِ وَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِقْدَارُ نَفَقَةِ الطَّرِيقِ وَيُرَدُّ الْفَضْلُ عَلَى الْوَرَثَةِ إلَّا إذَا تَبَرَّعَ بِهِ الْوَرَثَةُ أَوْ أَوْصَى الْمَيِّتُ بِأَنَّ الْفَضْلَ لِلْحَاجِّ ا هـ مُلَخَّصًا .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ لَمْ يَجُزْ حَجُّهُ عَنْهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ، وَأَنَّ قَوْلَ الْخَانِيَّةِ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْإِجَارَةَ فَاسِدَةٌ مَعَ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ كَالِاسْتِئْجَارِ عَلَى بَقِيَّةِ الطَّاعَاتِ .
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ نَفَقَةُ الْمِثْلِ كَمَا عَبَّرَ فِي الْكَافِي ، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا أَجْرًا مَجَازًا ، وَهَذَا أَحْسَنُ مِمَّا قِيلَ إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الطَّاعَاتِ ، لِمَا عَلِمْته مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ مِنْ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يُطْلِقُوا ذَلِكَ ، بَلْ أَفْتَوْا بِجَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى التَّعْلِيمِ وَالْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ لِلضَّرُورَةِ لَا عَلَى جَمِيعِ الطَّاعَاتِ كَمَا أَوْضَحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مِنَحِهِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ ، وَإِلَّا لَزِمَ الْجَوَازُ عَلَى الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَلَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ ، وَلَا ضَرُورَةَ لِلِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْحَجِّ لِإِمْكَانِ دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ لِيُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ كَمَا عَلِمْتَ التَّصْرِيحَ بِهِ عَنْ الْمَبْسُوطِ ، وَالْمُتُونُ الْمُصَرَّحُ فِيهَا 602 بِجَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى التَّعْلِيمِ وَنَحْوِهِ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا جَوَازُهُ عَلَى الْحَجِّ ، بَلْ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي عَامَّةِ مُتُونِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْحَجِّ كَالْكَنْزِ وَالْوِقَايَةِ وَالْمَجْمَعِ وَالْمُخْتَارِ وَمَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرِهَا ، بَلْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَتِهِ [ بُلُوغِ الْإِرَبِ ] إنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ مَشَايِخِنَا جَوَازَ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْحَجِّ . ا هـ . قُلْت : وَلَوْ قِيلَ بِجَوَازِهِ لَزِمَ عَلَيْهِ هَدْمُ فُرُوعٍ كَثِيرَةٍ : مِنْهَا مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمَأْمُورَ يُنْفِقُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ الْفَضْلِ ، وَاشْتِرَاطُ الْإِنْفَاقِ بِقَدْرِ مَالِ الْآمِرِ أَوْ أَكْثَرِهِ ، وَأَنَّ الْوَصِيَّ لَوْ دَفَعَ الْمَالَ لِوَارِثٍ لِيَحُجَّ بِهِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَهُمْ كِبَارٌ لِأَنَّهُ كَالتَّبَرُّعِ بِالْمَالِ ، فَلَا يَجُوزُ لِلْوَارِثِ بِلَا إجَازَةِ الْبَاقِينَ كَمَا فِي الْفَتْحِ ، وَلَوْ كَانَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْجَارِ لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْفُرُوعِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي رِسَالَتِنَا [ شِفَاءُ الْعَلِيلِ ] فَافْهَمْ .
( قَوْلُهُ وَلَوْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ إلَخْ ) قَالَ فِي الْفَتْحِ : فَإِنْ أَنْفَقَ الْأَكْثَرَ أَوْ الْكُلَّ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَفِي الْمَالِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ وَفَاءٌ بِحَجِّهِ رَجَعَ بِهِ فِيهِ ، إذْ قَدْ يُبْتَلَى بِالْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِبَغْتَةِ الْحَاجَةِ وَلَا يَكُونُ الْمَالُ حَاضِرًا فَجُوِّزَ ذَلِكَ كَالْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ يَشْتَرِي لِلْيَتِيمِ وَالْمُوَكِّلِ ، وَيُعْطِي الثَّمَنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَيَرْجِعُ بِهِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَالْمُوَكِّلِ ا هـ .
قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ اشْتِرَاطَهُمْ أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ مِنْ مَالِ الْآمِرِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ التَّبَرُّعِ لَا مُطْلَقًا . ا هـ . وَقَالَ فِي الْخَانِيَّةِ : إذَا خَلَطَ الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ النَّفَقَةَ بِمَالِ نَفْسِهِ قَالَ فِي الْكِتَابِ يَضْمَنُ ، فَإِنْ حَجَّ وَأَنْفَقَ جَازَ وَبَرِئَ عَنْ الضَّمَانِ . ا هـ .
إذَا عَرَفْت هَذَا فَقَوْلُهُ وَأَنْفَقَ كُلَّهُ أَوْ أَكْثَرَهُ الضَّمِيرَانِ لِمَالِ الْآمِرِ ، وَفِيهِ مُضَافٌ مُقَدَّرٌ أَيْ مِقْدَارُ كُلِّهِ أَوْ مِقْدَارُ أَكْثَرِهِ ، وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ . وَالْمَعْنَى وَلَوْ أَنْفَقَ الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَحَجَّ وَأَنْفَقَ مِقْدَارَ كُلِّ مَالِ الْآمِرِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ أَوْ مِقْدَارَ أَكْثَرِهِ جَازَ ، وَكَذَا إذَا خَلَطَ النَّفَقَةَ بِمَالِهِ وَحَجَّ وَأَنْفَقَ إلَخْ أَفَادَهُ ح وَقَوْلُهُ وَبَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ أَيْ الْحَاصِلِ بِسَبَبِ الْخَلْطِ عَلَى مَا عَلِمْته ، وَهَذَا لَوْ بِلَا إذْنِ الْآمِرِ بَلْ نَقَلَ السَّائِحَانِيُّ عَنْ الذَّخِيرَةِ لَهُ الْخَلْطُ بِدَرَاهِمِ الرُّفْقَةِ أُمِرَ بِهِ أَوْ لَا لِلْعُرْفِ . [ تَنْبِيهٌ ] سَنَذْكُرُ أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِأَلْفٍ مِنْ مَالِهِ فَأَحَجَّ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِيَرْجِعَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِاللَّفْظِ فَيُعْتَبَرُ لَفْظُ الْمُوصِي وَهُوَ أَضَافَ الْمَالَ إلَى نَفْسِهِ فَلَا يُبَدَّلُ ا هـ بَحْرٌ . قُلْت : وَعَلَى هَذَا إذَا أَضَافَ الْمَالَ إلَى نَفْسِهِ فَلَيْسَ لِلْمَأْمُورِ أَنْ يُبْدِلَهُ بِمَالِهِ كَالْوَصِيِّ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَأْمُورَ قَدْ يُضْطَرُّ إلَى ذَلِكَ عَلَى مَا مَرَّ فَلْيُتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ وَشَرْطُ الْعَجْزِ إلَخْ ) قَدْ عَلِمْت مِمَّا قَدَّمْنَاهُ عَنْ اللُّبَابِ أَنَّ الشُّرُوطَ كُلَّهَا شُرُوطٌ لِلْحَجِّ الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِي النَّفْلِ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالتَّمْيِيزُ ، وَكَذَا عَدَمُ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ ( قَوْلُهُ لِاتِّسَاعِ بَابِهِ ) أَيْ أَنَّهُ يُتَسَامَحُ فِي النَّفْلِ مَا لَا يُتَسَامَحُ فِي الْفَرْضِ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : أَمَّا الْحَجُّ النَّفَلُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَجْزُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ مِنْ الْمَشَقَّتَيْنِ أَيْ مَشَقَّةِ الْبَدَنِ وَمَشَقَّةِ الْمَالِ ، فَإِذَا كَانَ لَهُ تَرْكُهُمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَحَمَّلَ إحْدَاهُمَا تَقَرُّبًا إلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَلَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِيهِ صَحِيحًا . ا هـ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث