رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الثالث
( قَوْلُهُ وَتُفْرَضُ لَهَا الْكُسْوَةُ ) كَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَصِلَ الْكَلَامَ عَلَى الْكُسْوَةِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ، بِأَنْ يُقَدِّمَ قَوْلَهُ وَتُزَادُ فِي الشِّتَاءِ إلَخْ هُنَا أَوْ يُؤَخِّرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ هُنَاكَ ط . وَاعْلَمْ أَنَّ تَقْدِيرَ الْكُسْوَةِ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمَاكِنِ وَالْعَادَاتِ فَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي اعْتِبَارُ الْكِفَايَةِ بِالْمَعْرُوفِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَمَكَانٍ ، فَإِنْ شَاءَ فَرَضَهَا أَصْنَافًا ، وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا وَقَضَى بِالْقِيمَةِ ، كَذَا فِي الْمُجْتَبَى . وَفِي الْبَدَائِعِ : الْكُسْوَةُ عَلَى الِاخْتِلَافِ كَالنَّفَقَةِ مِنْ اعْتِبَارِ حَالِهِ فَقَطْ أَوْ حَالِهِمَا بَحْرٌ ( قَوْلُهُ فِي كُلِّ نِصْفِ حَوْلٍ مَرَّةً ) إلَّا إذَا تَزَوَّجَ وَبَنَى بِهَا وَلَمْ يَبْعَثْ لَهَا كُسْوَةً فَتُطَالِبُهُ بِهَا قَبْلَ نِصْفِ الْحَوْلِ ، وَالْكُسْوَةُ كَالنَّفَقَةِ فِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مُضِيُّ الْمُدَّةِ بَحْرٌ عَنْ الْخُلَاصَةِ . وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا تَجِبُ لَهَا مُعَجَّلَةً لَا بَعْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُجَدِّدُ لَهَا الْكُسْوَةَ مَا لَمْ يَتَخَرَّقْ مَا عِنْدَهَا أَوْ يَبْلُغْ الْوَقْتَ الَّذِي يَكْسُوهَا كَافِي الْحَاكِمِ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ سَيَأْتِي قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَلِخَادِمِهَا .
( قَوْلُهُ وَلِلزَّوْجِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ ) لِكَوْنِهِ قَوَّامًا عَلَيْهَا لَا لِيَأْخُذَ مَا فَضَلَ ، فَإِنَّ الْمَفْرُوضَةَ أَوْ الْمَدْفُوعَةَ لَهَا مِلْكٌ لَهَا ، فَلَهَا الْإِطْعَامُ مِنْهَا وَالتَّصَدُّقُ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَوْ أَمَرَتْهُ بِإِنْفَاقِ بَعْضِ الْمُقَرَّرِ لَهَا فَالْبَاقِي لَهَا أَوْ بِشِرَاءِ طَعَامٍ لَيْسَ لَهُ أَكْلُ مَا فَضَلَ عَنْهَا . وَفِي الْخَانِيَّةِ : لَوْ أَكَلَتْ مِنْ مَالِهَا أَوْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ لَهَا الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِالْمَفْرُوضِ بَحْرٌ مُلَخَّصًا ( قَوْلُهُ وَلَوْ بَعْدَ فَرْضِ الْقَاضِي ) لَا مَحَلَّ لَهُ هُنَا ; لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ فَرْضِ الْقَاضِي أَنْ يَظْهَرَ لَهُ مَطْلُهُ وَعَدَمُ إنْفَاقِهِ كَمَا تَعْرِفُهُ ( قَوْلُهُ فَيَفْرِضُ إلَخْ ) تَفْرِيعٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ وَبَيَانُ نَتِيجَتِهِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَدِّلَهُ بِقَوْلِهِ فَيَأْمُرَهُ لِيُعْطِيَهَا : أَيْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا ، بَلْ يَدْفَعَ لَهَا مَا تُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهَا ، وَقَدْ صَلَّحَ الشَّارِحُ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ عَطَفَ قَوْلَهُ وَيَأْمُرُهُ إلَخْ عَلَى قَوْلِهِ فَيَفْرِضُ لَكِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَذْفُ قَوْلِهِ إنْ شَكَتْ مَطْلَهُ ; لِأَنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَظْهَرَ لِلْقَاضِي عَدَمُ إنْفَاقِهِ مَعَ إيهَامِهِ الِاكْتِفَاءَ بِمُجَرَّدِ الشِّكَايَةِ ، وَيُوَضِّحُ مَا قُلْنَاهُ مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَالذَّخِيرَةِ الزَّوْجُ هُوَ الَّذِي يَلِي الْإِنْفَاقَ إلَّا إذَا ظَهَرَ عِنْدَ الْقَاضِي مَطْلُهُ ، فَحِينَئِذٍ يَفْرِضُ النَّفَقَةَ وَيَأْمُرُهُ لِيُعْطِيَهَا لِتُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا نَظَرًا لَهَا ، فَإِنْ لَمْ يُعْطِ حَبَسَهُ وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ النَّفَقَةُ . ا هـ وَقَوْلُهُ بِطَلَبِهَا مَعَ حَضْرَتِهِ بَيَانٌ لِشَرْطَيْنِ لِجَوَازِ فَرْضِ الْقَاضِي النَّفَقَةَ ذَكَرَهُمَا فِي الْبَدَائِعِ ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ فَرْضُهَا عَلَى الْغَائِبِ لَوْ لَهُ مَالٌ عِنْدَ مَنْ يُقِرُّ بِهِ وَبِالزَّوْجِيَّةِ وَمُطْلَقًا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ الْمُفْتَى بِهِ . وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الذَّخِيرَةِ وَالْخُلَاصَةِ شَرْطٌ ثَالِثٌ : وَهُوَ ظُهُورُ مَطْلِهِ ، 581 وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبَ مَائِدَةٍ بَيَانٌ لِشَرْطٍ رَابِعٍ ذَكَرَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ حَيْثُ قَالَ : إذَا كَانَ لَهُ طَعَامٌ كَثِيرٌ وَهُوَ صَاحِبُ مَائِدَةٍ يُمَكِّنُ الْمَرْأَةَ مِنْ تَنَاوُلِ مِقْدَارِ كِفَايَتِهَا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِفَرْضِ النَّفَقَةِ ; وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، فَإِنْ رَضِيَتْ أَنْ تَأْكُلَ مَعَهُ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَإِنْ خَاصَمَتْهُ يَفْرِضُ لَهَا بِالْمَعْرُوفِ . ا هـ وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِصَاحِبِ الْمَائِدَةِ مَنْ يُمْكِنُهَا تَنَاوُلُ كِفَايَتِهَا مِنْ طَعَامِهِ سَوَاءٌ كَانَ يُنْفِقُ عَلَى مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ أَوْ لَا فَافْهَمْ .
( قَوْلُهُ ; لِأَنَّ لَهَا إلَخْ ) تَعْلِيلٌ لِمَا فُهِمَ مِنْ الشَّرْطِ الرَّابِعِ ، أَيْ لِكَوْنِهَا يَحِلُّ لَهَا تَنَاوُلُ كِفَايَتِهَا وَلَوْ بِدُونِ إذْنِهِ لَا يَفْرِضُ لَهَا إذَا أَمْكَنَهَا ذَلِكَ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يُعْطِ إلَخْ ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ لِيُعْطِيَهَا : وَفِي الْفَتْحِ : امْتَنَعَ عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا مَعَ الْيُسْرِ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا وَيَبِيعُ الْحَاكِمُ مَالَهُ عَلَيْهِ وَيَصْرِفُهُ فِي نَفَقَتِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَالَهُ يَحْبِسُهُ حَتَّى يُنْفِقَ عَلَيْهَا وَلَا يَفْسَخُ وَلَا يُبَاعُ مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ ; لِأَنَّهُ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهِ وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى دُيُونِهِ ، وَقِيلَ يَبِيعُ مَا سِوَى الْإِزَارِ إلَّا فِي الْبَرْدِ ، وَقِيلَ مَا سِوَى دَسْتُ مِنْ الثِّيَابِ وَإِلَيْهِ مَالَ الْحَلْوَانِيُّ ، وَقِيلَ دَسْتَيْنِ وَإِلَيْهِ مَالَ السَّرَخْسِيُّ ، وَلَا تُبَاعُ عِمَامَتُهُ قُهُسْتَانِيٌّ عَنْ الْمُحِيطِ دُرٌّ مُنْتَقَى . وَالدَّسْتُ مِنْ الثِّيَابِ : مَا يَلْبَسُهُ الْإِنْسَانُ وَيَكْفِيهِ لِتَرَدُّدِهِ فِي حَوَائِجِهِ جَمْعُهُ دُسُوتٌ مِصْبَاحٌ .
( قَوْلُهُ أَيْ كُلِّ مُدَّةٍ تُنَاسِبُهُ إلَخْ ) قَالُوا : يُعْتَبَرُ فِي الْفَرْضِ الْأَصْلَحُ ، وَالْأَيْسَرُ فَفِي الْمُحْتَرِفِ يَوْمًا بِيَوْمٍ ; لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ نَفَقَةِ شَهْرٍ دُفْعَةً ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُعْطِيهَا مُعَجَّلًا ، وَيُعْطِيهَا كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ الْمَسَاءِ عَنْ الْيَوْمِ الَّذِي يَلِي ذَلِكَ الْمَسَاءَ لِتَتَمَكَّنَ مِنْ الصَّرْفِ فِي حَاجَتِهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَإِنْ كَانَ تَاجِرًا فَنَفَقَةُ شَهْرٍ بِشَهْرِ ، أَوْ مِنْ الدَّهَاقِينِ فَنَفَقَةُ سَنَةٍ بِسَنَةٍ أَوْ مِنْ الصُّنَّاعِ الَّذِينَ لَا يَنْقَضِي عَمَلُهُمْ إلَّا بِانْقِضَاءِ الْأُسْبُوعِ كَذَلِكَ فَتْحٌ وَغَيْرُهُ .
قُلْت : وَمَشَى فِي الِاخْتِيَارِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّقْدِيرِ بِشَهْرِ ; لِأَنَّهُ وَسَطٌ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ ، نَعَمْ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ السَّرَخْسِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ وَأَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ اعْتَبَرَ مَا مَرَّ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي حَالِ الزَّوْجِ ( قَوْلُهُ وَلَهُ الدَّفْعُ كُلَّ يَوْمٍ ) ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ بَحْثًا حَيْثُ ذَكَرَ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ ، ثُمَّ قَالَ : وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ مَا إذَا رَضِيَ الزَّوْجُ ، وَإِلَّا فَلَوْ قَالَ أَنَا أَدْفَعُ نَفَقَةَ كُلِّ يَوْمٍ مُعَجَّلًا لَا يُجِيزُ عَلَى غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا اعْتَبَرَ مَا ذَكَرَ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ يَضُرُّهُ لَا يَفْعَلُ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ كُلَّ مُدَّةٍ نَاسَبَتْ حَالَ الزَّوْجِ أَنَّهُ يُعَجِّلُ نَفَقَتَهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْيَوْمِ . ا هـ فَتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ كَمَا لَهَا الطَّلَبُ إلَخْ ) ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ مَا مَرَّ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ التَّقْدِيرِ بِشَهْرٍ ; لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْآجَالِ الْمُعْتَادَةِ ثُمَّ قَالَ وَفَرَّعَ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدْفَعْ لَهَا فَأَرَادَتْ أَنْ تَطْلُبَ كُلَّ يَوْمٍ فَإِنَّمَا تَطْلُبُ عِنْدَ الْمَسَاءِ ; لِأَنَّ حِصَّةَ كُلِّ يَوْمٍ مَعْلُومَةٌ فَيُمْكِنُ طَلَبُهَا بِخِلَافِ مَا دُونَ الْيَوْمِ ; لِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالسَّاعَاتِ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ . ا هـ فَأَفَادَ أَنَّ الْخِيَارَ لَهَا فِي طَلَبِ كُلِّ يَوْمٍ إذَا لَمْ يَدْفَعْ لَهَا نَفَقَةَ الشَّهْرِ ، فَلَا يُنَافِي مَا بَحَثَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ جَعْلِ الْخِيَارِ لَهُ فِي الدَّفْعِ كُلَّ يَوْمٍ فَافْهَمْ ، نَعَمْ جَعْلُ الْخِيَارِ لَهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ إضْرَارٌ بِهَا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ حَيْثُ يُحْوِجُهَا إلَى الْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَإِلَى الْمُخَاصَمَةِ وَالْمُنَازَعَةِ ، وَرُبَّمَا لَا تَجِدُهُ وَإِنْ وَجَدَتْهُ لَا يُعْطِيهَا ، فَالْأَوْلَى فِي زَمَانِنَا مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الذَّخِيرَةِ مِنْ التَّقْدِيرِ بِالشَّهْرِ وَجَعْلِ الْخِيَارِ لَهَا فِي الْأَخْذِ كُلَّ يَوْمٍ ، لَكِنْ إذَا مَاطَلَهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ لَا مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ إذَا دَفَعَ لَهَا نَفَقَةَ كُلِّ شَهْرٍ فَامْتَنَعَتْ وَطَلَبَتْ الْأَخْذَ كُلَّ يَوْمٍ تَكُونُ مُتَعَنِّتَةً قَاصِدَةً لِإِضْرَارِهِ وَمُخَاصَمَتِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ ، فَيَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ الْمُوَافِقِ لِقَوَاعِدِ الشَّرْعِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ قَطْعِ الْمُنَازَعَةِ وَالْخُصُومَةِ .
( قَوْلُهُ وَلِلزَّوْجِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ ) لِكَوْنِهِ قَوَّامًا عَلَيْهَا لَا لِيَأْخُذَ مَا فَضَلَ ، فَإِنَّ الْمَفْرُوضَةَ أَوْ الْمَدْفُوعَةَ لَهَا مِلْكٌ لَهَا ، فَلَهَا الْإِطْعَامُ مِنْهَا وَالتَّصَدُّقُ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَوْ أَمَرَتْهُ بِإِنْفَاقِ بَعْضِ الْمُقَرَّرِ لَهَا فَالْبَاقِي لَهَا أَوْ بِشِرَاءِ طَعَامٍ لَيْسَ لَهُ أَكْلُ مَا فَضَلَ عَنْهَا . وَفِي الْخَانِيَّةِ : لَوْ أَكَلَتْ مِنْ مَالِهَا أَوْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ لَهَا الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِالْمَفْرُوضِ بَحْرٌ مُلَخَّصًا ( قَوْلُهُ وَلَوْ بَعْدَ فَرْضِ الْقَاضِي ) لَا مَحَلَّ لَهُ هُنَا ; لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ فَرْضِ الْقَاضِي أَنْ يَظْهَرَ لَهُ مَطْلُهُ وَعَدَمُ إنْفَاقِهِ كَمَا تَعْرِفُهُ ( قَوْلُهُ فَيَفْرِضُ إلَخْ ) تَفْرِيعٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ وَبَيَانُ نَتِيجَتِهِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَدِّلَهُ بِقَوْلِهِ فَيَأْمُرَهُ لِيُعْطِيَهَا : أَيْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا ، بَلْ يَدْفَعَ لَهَا مَا تُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهَا ، وَقَدْ صَلَّحَ الشَّارِحُ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ عَطَفَ قَوْلَهُ وَيَأْمُرُهُ إلَخْ عَلَى قَوْلِهِ فَيَفْرِضُ لَكِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَذْفُ قَوْلِهِ إنْ شَكَتْ مَطْلَهُ ; لِأَنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَظْهَرَ لِلْقَاضِي عَدَمُ إنْفَاقِهِ مَعَ إيهَامِهِ الِاكْتِفَاءَ بِمُجَرَّدِ الشِّكَايَةِ ، وَيُوَضِّحُ مَا قُلْنَاهُ مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَالذَّخِيرَةِ الزَّوْجُ هُوَ الَّذِي يَلِي الْإِنْفَاقَ إلَّا إذَا ظَهَرَ عِنْدَ الْقَاضِي مَطْلُهُ ، فَحِينَئِذٍ يَفْرِضُ النَّفَقَةَ وَيَأْمُرُهُ لِيُعْطِيَهَا لِتُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا نَظَرًا لَهَا ، فَإِنْ لَمْ يُعْطِ حَبَسَهُ وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ النَّفَقَةُ . ا هـ وَقَوْلُهُ بِطَلَبِهَا مَعَ حَضْرَتِهِ بَيَانٌ لِشَرْطَيْنِ لِجَوَازِ فَرْضِ الْقَاضِي النَّفَقَةَ ذَكَرَهُمَا فِي الْبَدَائِعِ ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ فَرْضُهَا عَلَى الْغَائِبِ لَوْ لَهُ مَالٌ عِنْدَ مَنْ يُقِرُّ بِهِ وَبِالزَّوْجِيَّةِ وَمُطْلَقًا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ الْمُفْتَى بِهِ . وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الذَّخِيرَةِ وَالْخُلَاصَةِ شَرْطٌ ثَالِثٌ : وَهُوَ ظُهُورُ مَطْلِهِ ، 581 وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبَ مَائِدَةٍ بَيَانٌ لِشَرْطٍ رَابِعٍ ذَكَرَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ حَيْثُ قَالَ : إذَا كَانَ لَهُ طَعَامٌ كَثِيرٌ وَهُوَ صَاحِبُ مَائِدَةٍ يُمَكِّنُ الْمَرْأَةَ مِنْ تَنَاوُلِ مِقْدَارِ كِفَايَتِهَا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِفَرْضِ النَّفَقَةِ ; وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، فَإِنْ رَضِيَتْ أَنْ تَأْكُلَ مَعَهُ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَإِنْ خَاصَمَتْهُ يَفْرِضُ لَهَا بِالْمَعْرُوفِ . ا هـ وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِصَاحِبِ الْمَائِدَةِ مَنْ يُمْكِنُهَا تَنَاوُلُ كِفَايَتِهَا مِنْ طَعَامِهِ سَوَاءٌ كَانَ يُنْفِقُ عَلَى مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ أَوْ لَا فَافْهَمْ .
( قَوْلُهُ ; لِأَنَّ لَهَا إلَخْ ) تَعْلِيلٌ لِمَا فُهِمَ مِنْ الشَّرْطِ الرَّابِعِ ، أَيْ لِكَوْنِهَا يَحِلُّ لَهَا تَنَاوُلُ كِفَايَتِهَا وَلَوْ بِدُونِ إذْنِهِ لَا يَفْرِضُ لَهَا إذَا أَمْكَنَهَا ذَلِكَ فَافْهَمْ ( قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يُعْطِ إلَخْ ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ لِيُعْطِيَهَا : وَفِي الْفَتْحِ : امْتَنَعَ عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا مَعَ الْيُسْرِ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا وَيَبِيعُ الْحَاكِمُ مَالَهُ عَلَيْهِ وَيَصْرِفُهُ فِي نَفَقَتِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَالَهُ يَحْبِسُهُ حَتَّى يُنْفِقَ عَلَيْهَا وَلَا يَفْسَخُ وَلَا يُبَاعُ مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ ; لِأَنَّهُ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهِ وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى دُيُونِهِ ، وَقِيلَ يَبِيعُ مَا سِوَى الْإِزَارِ إلَّا فِي الْبَرْدِ ، وَقِيلَ مَا سِوَى دَسْتُ مِنْ الثِّيَابِ وَإِلَيْهِ مَالَ الْحَلْوَانِيُّ ، وَقِيلَ دَسْتَيْنِ وَإِلَيْهِ مَالَ السَّرَخْسِيُّ ، وَلَا تُبَاعُ عِمَامَتُهُ قُهُسْتَانِيٌّ عَنْ الْمُحِيطِ دُرٌّ مُنْتَقَى . وَالدَّسْتُ مِنْ الثِّيَابِ : مَا يَلْبَسُهُ الْإِنْسَانُ وَيَكْفِيهِ لِتَرَدُّدِهِ فِي حَوَائِجِهِ جَمْعُهُ دُسُوتٌ مِصْبَاحٌ .
( قَوْلُهُ أَيْ كُلِّ مُدَّةٍ تُنَاسِبُهُ إلَخْ ) قَالُوا : يُعْتَبَرُ فِي الْفَرْضِ الْأَصْلَحُ ، وَالْأَيْسَرُ فَفِي الْمُحْتَرِفِ يَوْمًا بِيَوْمٍ ; لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ نَفَقَةِ شَهْرٍ دُفْعَةً ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُعْطِيهَا مُعَجَّلًا ، وَيُعْطِيهَا كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ الْمَسَاءِ عَنْ الْيَوْمِ الَّذِي يَلِي ذَلِكَ الْمَسَاءَ لِتَتَمَكَّنَ مِنْ الصَّرْفِ فِي حَاجَتِهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَإِنْ كَانَ تَاجِرًا فَنَفَقَةُ شَهْرٍ بِشَهْرِ ، أَوْ مِنْ الدَّهَاقِينِ فَنَفَقَةُ سَنَةٍ بِسَنَةٍ أَوْ مِنْ الصُّنَّاعِ الَّذِينَ لَا يَنْقَضِي عَمَلُهُمْ إلَّا بِانْقِضَاءِ الْأُسْبُوعِ كَذَلِكَ فَتْحٌ وَغَيْرُهُ .
قُلْت : وَمَشَى فِي الِاخْتِيَارِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّقْدِيرِ بِشَهْرِ ; لِأَنَّهُ وَسَطٌ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ ، نَعَمْ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ السَّرَخْسِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ وَأَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ اعْتَبَرَ مَا مَرَّ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي حَالِ الزَّوْجِ ( قَوْلُهُ وَلَهُ الدَّفْعُ كُلَّ يَوْمٍ ) ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ بَحْثًا حَيْثُ ذَكَرَ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ ، ثُمَّ قَالَ : وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ مَا إذَا رَضِيَ الزَّوْجُ ، وَإِلَّا فَلَوْ قَالَ أَنَا أَدْفَعُ نَفَقَةَ كُلِّ يَوْمٍ مُعَجَّلًا لَا يُجِيزُ عَلَى غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا اعْتَبَرَ مَا ذَكَرَ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ يَضُرُّهُ لَا يَفْعَلُ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ كُلَّ مُدَّةٍ نَاسَبَتْ حَالَ الزَّوْجِ أَنَّهُ يُعَجِّلُ نَفَقَتَهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْيَوْمِ . ا هـ فَتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ كَمَا لَهَا الطَّلَبُ إلَخْ ) ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ مَا مَرَّ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ التَّقْدِيرِ بِشَهْرٍ ; لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْآجَالِ الْمُعْتَادَةِ ثُمَّ قَالَ وَفَرَّعَ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدْفَعْ لَهَا فَأَرَادَتْ أَنْ تَطْلُبَ كُلَّ يَوْمٍ فَإِنَّمَا تَطْلُبُ عِنْدَ الْمَسَاءِ ; لِأَنَّ حِصَّةَ كُلِّ يَوْمٍ مَعْلُومَةٌ فَيُمْكِنُ طَلَبُهَا بِخِلَافِ مَا دُونَ الْيَوْمِ ; لِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالسَّاعَاتِ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ . ا هـ فَأَفَادَ أَنَّ الْخِيَارَ لَهَا فِي طَلَبِ كُلِّ يَوْمٍ إذَا لَمْ يَدْفَعْ لَهَا نَفَقَةَ الشَّهْرِ ، فَلَا يُنَافِي مَا بَحَثَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ جَعْلِ الْخِيَارِ لَهُ فِي الدَّفْعِ كُلَّ يَوْمٍ فَافْهَمْ ، نَعَمْ جَعْلُ الْخِيَارِ لَهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ إضْرَارٌ بِهَا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ حَيْثُ يُحْوِجُهَا إلَى الْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَإِلَى الْمُخَاصَمَةِ وَالْمُنَازَعَةِ ، وَرُبَّمَا لَا تَجِدُهُ وَإِنْ وَجَدَتْهُ لَا يُعْطِيهَا ، فَالْأَوْلَى فِي زَمَانِنَا مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الذَّخِيرَةِ مِنْ التَّقْدِيرِ بِالشَّهْرِ وَجَعْلِ الْخِيَارِ لَهَا فِي الْأَخْذِ كُلَّ يَوْمٍ ، لَكِنْ إذَا مَاطَلَهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ لَا مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ إذَا دَفَعَ لَهَا نَفَقَةَ كُلِّ شَهْرٍ فَامْتَنَعَتْ وَطَلَبَتْ الْأَخْذَ كُلَّ يَوْمٍ تَكُونُ مُتَعَنِّتَةً قَاصِدَةً لِإِضْرَارِهِ وَمُخَاصَمَتِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ ، فَيَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ الْمُوَافِقِ لِقَوَاعِدِ الشَّرْعِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ قَطْعِ الْمُنَازَعَةِ وَالْخُصُومَةِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث