رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الرابع
الصفحة 3440 · ص. المطبوع 3 · الشرح
3 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْحُدُودِ
لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْأَيْمَانِ وَكَفَّارَتِهَا الدَّائِرَةِ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ ذَكَرَ بَعْدَهَا الْعُقُوبَاتِ الْمَحْضَةَ ، وَلَوْلَا لُزُومُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ لَكَانَ ذِكْرُهَا بَعْدَ الصَّوْمِ أَوْلَى لِاشْتِمَالِهِ عَلَى بَيَانِ كَفَّارَةِ الْفِطْرِ الْمُغَلَّبِ فِيهَا جِهَةُ الْعُقُوبَةِ نَهْرٌ وَفَتْحٌ .
وَهِيَ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ : حَدُّ الزِّنَا ، وَحَدُّ شُرْبِ الْخَمْرِ خَاصَّةً ، وَحَدُّ السُّكْرِ مِنْ غَيْرِهَا وَالْكَمِّيَّةُ مُتَّحِدَةٌ فِيهِمَا ، وَحَدُّ الْقَذْفِ ، وَحَدُّ السَّرِقَةِ ، وَحَدُّ قَطْعِ الطَّرِيقِ ابْنُ كَمَالٍ ( قَوْلُهُ الْحَدُّ لُغَةً ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ : هُوَ لُغَةً ، فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْحَدِّ الْمَفْهُومِ مِنْ الْحُدُودِ ( قَوْلُهُ الْمَنْعُ ) وَمِنْهُ سُمِّيَ الْبَوَّابُ وَالسَّجَّانُ حَدَّادًا لِمَنْعِ الْأَوَّلِ مِنْ الدُّخُولِ وَالثَّانِي مِنْ الْخُرُوجِ ، وَ سُمِّيَ الْمُعَرِّفُ لِلْمَاهِيَّةِ حَدًّا لِمَنْعِهِ مِنْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ .
وَحُدُودُ الدَّارِ نِهَايَاتُهَا لِمَنْعِهَا عَنْ دُخُولِ مِلْكِ الْغَيْرِ فِيهَا وَخُرُوجِ بَعْضِهَا إلَيْهِ ، وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ ( قَوْلُهُ عُقُوبَةٌ ) أَيْ جَزَاءٌ بِالضَّرْبِ أَوْ الْقَطْعِ أَوْ الرَّجْمِ أَوْ الْقَتْلِ ، سُمِّيَ بِهَا ; لِأَنَّهَا تَتْلُو الذَّنْبَ ، مِنْ تَعَقُّبِهِ : إذَا تَبِعَهُ قُهُسْتَانِيٌّ ( قَوْلُهُ مُقَدَّرَةٌ ) أَيْ مُبَيَّنَةٌ بِالْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ قُهُسْتَانِيٌّ أَوْ الْمُرَادُ لَهَا قَدْرٌ خَاصٌّ ، وَلِذَا قَالَ فِي النَّهْرِ .
مُقَدَّرَةٌ بِالْمَوْتِ فِي الرَّجْمِ وَفِي غَيْرِهِ بِالْأَسْوَاطِ الْآتِيَةِ ا هـ أَيْ وَبِالْقَطْعِ الْآتِي ( قَوْلُهُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى ) ; لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ إلَى كَافَّةِ النَّاسِ مِنْ صِيَانَةِ الْأَنْسَابِ وَالْأَمْوَالِ وَالْعُقُولِ وَالْأَعْرَاضِ ( قَوْلُهُ زَجْرًا ) بَيَانٌ لِحُكْمِهَا الْأَصْلِيِّ ، وَهُوَ الِانْزِجَارُ عَمَّا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْعِبَادُ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ ، وَهُوَ وَجْهُ تَسْمِيَتِهَا حُدُودًا .
قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ : إنَّهَا مَوَانِعُ قَبْلَ الْفِعْلِ ، زَوَاجِرُ بَعْدَهُ : أَيْ الْعِلْمُ بِشَرْعِيَّتِهَا يَمْنَعُ الْإِقْدَامَ عَلَى الْفِعْلِ ، وَإِيقَاعُهَا بَعْدَهُ يَمْنَعُ مِنْ الْعَوْدِ إلَيْهِ ( قَوْلُهُ فَلَا تَجُوزُ الشَّفَاعَةُ فِيهِ ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَجِبُ إلَخْ قَالَ فِي الْفَتْحِ : 4 فَإِنَّهُ طَلَبُ تَرْكِ الْوَاجِبِ ، وَلِذَا { ۝ أَنْكَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ حِينَ شَفَعَ فِي الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالَ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ؟ } " ( قَوْلُهُ بَعْدَ الْوُصُولِ لِلْحَاكِمِ ) وَأَمَّا قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهِ وَالثُّبُوتِ عِنْدَهُ فَتَجُوزُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَ الرَّافِعِ لَهُ إلَى الْحَاكِمِ لِيُطْلِقَهُ ; لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ ، فَالْوُجُوبُ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ بَلْ عَلَى الْإِمَامِ عِنْدَ الثُّبُوتِ عِنْدَهُ كَذَا فِي الْفَتْحِ .
وَظَاهِرُهُ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ بَعْدَ الْوُصُولِ لِلْحَاكِمِ قَبْلَ الثُّبُوتِ عِنْدَهُ ، وَبِهِ صَرَّحَ ط عَنْ الْحَمَوِيِّ ( قَوْلُهُ بَلْ الْمُطَهِّرُ التَّوْبَةُ ) فَإِذَا حُدَّ وَلَمْ يَتُبْ يَبْقَى عَلَيْهِ إثْمُ الْمَعْصِيَةِ . وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ مُطَهِّرٌ ، وَأُوْضِحَ دَلِيلُنَا فِي النَّهْرِ .
مَطْلَبٌ التَّوْبَةُ تُسْقِطُ الْحَدَّ قَبْلَ ثُبُوتِهِ ( قَوْلُهُ وَأَجْمَعُوا إلَخْ ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا لَا تُسْقِطُ الْحَدَّ الثَّابِتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بَعْدَ الرَّفْعِ إلَيْهِ ، أَمَّا قَبْلَهُ فَيَسْقُطُ الْحَدُّ بِالتَّوْبَةِ حَتَّى فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ جِنَايَتِهِمْ عَلَى نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ مَالٍ أَوْ كَانَ بَعْدَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ هُنَا خِلَافًا لِمَا فِي النَّهْرِ ، نَعَمْ يَبْقَى عَلَيْهِمْ حَقُّ الْعَبْدِ مِنْ الْقِصَاصِ إنْ قُتِلُوا وَالضَّمَانُ إنْ أَخَذُوا الْمَالَ ، وَقَوْلُ الْبَحْرِ : وَالْقَطْعُ إنْ أَخَذُوا الْمَالَ سَبْقُ قَلَمٍ ، وَصَوَابُهُ وَالضَّمَانُ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَقَاءَ حَقِّ الْعَبْدِ لَا يُنَافِي سُقُوطَ الْحَدِّ ، وَكَأَنَّهُ فِي النَّهْرِ تَوَهَّمَ أَنَّ الْبَاقِيَ هُوَ الْحَدُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَافْهَمْ . وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ : رَجُلٌ أَتَى بِفَاحِشَةٍ ثُمَّ تَابَ وَأَنَابَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْقَاضِي بِفَاحِشَتِهِ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ السَّتْرَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ . ا هـ .
وَفِي شَرْحِ الْأَشْبَاهِ لِلْبِيرِيِّ عَنْ الْجَوْهَرِ : رَجُلٌ شَرِبَ الْخَمْرَ وَزَنَى ثُمَّ تَابَ وَلَمْ يُحَدَّ فِي الدُّنْيَا هَلْ يُحَدُّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ؟ قَالَ : الْحُدُودُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ النَّاسِ وَهُوَ الِانْزِجَارُ ، فَإِذَا تَابَ تَوْبَةً نَصُوحًا أَرْجُو أَنْ لَا يُحَدَّ فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ وَإِنَّهُ يَزُولُ بِالْإِسْلَامِ وَالتَّوْبَةِ ( قَوْلُهُ فَلَا تَعْزِيرَ حَدٌّ ) تَعْزِيرَ ، اسْمُ لَا مَبْنِيٌّ مَعَهَا عَلَى الْفَتْحِ وَحَدٌّ خَبَرُهَا ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَلَا قِصَاصَ حَدٌّ ، وَقَدَّرَ الشَّارِحُ خَبَرًا لِلْأَوَّلِ ; لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ مُفْرَدٌ لَا يَصْلُحُ خَبَرًا لَهُمَا لَكِنَّهُ مَصْدَرٌ لِلْجِنْسِ فَيَصْلُحُ لَهُمَا ، وَالْخَطْبُ فِي ذَلِكَ سَهْلٌ .
ثُمَّ إنَّ الْأَوَّلَ مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ مُقَدَّرَةٌ ، وَالثَّانِي عَلَى قَوْلِهِ وَجَبَتْ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى ، وَقَوْلُهُ لِعَدَمِ تَقْدِيرِهِ : أَيْ تَقْدِيرِ التَّعْزِيرِ أَيْ كُلِّ أَنْوَاعِهِ ; لِأَنَّ الْمُقَدَّرَ بَعْضُهَا وَهُوَ الضَّرْبُ ، عَلَى أَنَّ الضَّرْبَ وَإِنْ كَانَ أَقَلُّهُ ثَلَاثَةً وَأَكْثَرُهُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ لَكِنْ مَا بَيْنَ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث