رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الرابع
الصفحة 3622 · ص. المطبوع 80 · الشرح
( قَوْلُهُ وَتُعَزَّرُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ ) جَرَى عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، وَقَدَّمْنَا تَرْجِيحَ قَوْلِهِمَا إنَّهُ لَا يَبْلُغُ التَّعْزِيرُ أَرْبَعِينَ ( قَوْلُهُ وَلَا تَتَزَوَّجُ بِغَيْرِهِ ) بَلْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى تَجْدِيدِ النِّكَاحِ بِمَهْرٍ يَسِيرٍ وَهَذِهِ إحْدَى رِوَايَاتٍ ثَلَاثٍ تَقَدَّمَتْ فِي الطَّلَاقِ . الثَّانِيَةُ أَنَّهَا لَا تَبِينُ رَدًّا لِقَصْدِهَا السَّيِّئِ . الثَّالِثَةُ مَا فِي النَّوَادِرِ مِنْ أَنَّهُ يَتَمَلَّكُهَا رَقِيقَةً إنْ كَانَ مَصْرِفًا ط .
80 مَطْلَبٌ فِيمَا إذَا ارْتَحَلَ إلَى غَيْرِ مَذْهَبِهِ ( قَوْلُهُ ارْتَحَلَ إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يُعَزَّرُ ) أَيْ إذَا كَانَ ارْتِحَالُهُ لَا لِغَرَضٍ مَحْمُودٍ شَرْعًا ، لِمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة : حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ خَطَبَ إلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ابْنَتَهُ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ الْجُوزَجَانِيِّ فَأَبَى إلَّا أَنْ يَتْرُكَ مَذْهَبَهُ فَيَقْرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الِانْحِطَاطِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ فَزَوَّجَهُ ، فَقَالَ الشَّيْخُ بَعْدَمَا سُئِلَ عَنْ هَذِهِ وَأَطْرَقَ رَأْسَهُ : النِّكَاحُ جَائِزٌ وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إيمَانُهُ وَقْتَ النَّزْعِ ; لِأَنَّهُ اسْتَخَفَّ بِمَذْهَبِهِ الَّذِي هُوَ حَقٌّ عِنْدَهُ وَتَرَكَهُ لِأَجْلِ جِيفَةٍ مُنْتِنَةٍ ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَرِئَ مِنْ مَذْهَبِهِ بِاجْتِهَادٍ وَضَحَ لَهُ كَانَ مَحْمُودًا مَأْجُورًا .
أَمَّا انْتِقَالُ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ بَلْ لِمَا يَرْغَبُ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا وَشَهْوَتِهَا فَهُوَ الْمَذْمُومُ الْآثِمُ الْمُسْتَوْجِبُ لِلتَّأْدِيبِ وَالتَّعْزِيرِ لِارْتِكَابِهِ الْمُنْكَرَ فِي الدِّينِ وَاسْتِخْفَافِهِ بِدِينِهِ وَمَذْهَبِهِ ا هـ مُلَخَّصًا .
وَفِيهَا عَنْ الْفَتَاوَى النَّسَفِيَّةِ : الثَّبَاتُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ خَيْرٌ وَأَوْلَى ، قَالَ : وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ أَقْرَبُ إلَى الْأُلْفَةِ ا هـ : وَفِي آخِرِ التَّحْرِيرِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ : مَسْأَلَةٌ لَا يَرْجِعُ فِيمَا قَلَّدَ فِيهِ أَيْ عَمِلَ بِهِ اتِّفَاقًا ، وَهَلْ يُقَلِّدُ غَيْرَهُ فِي غَيْرِهِ ؟ الْمُخْتَارُ نَعَمْ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَفْتُونَ مَرَّةً وَاحِدًا وَمَرَّةً غَيْرَهُ غَيْرَ مُلْتَزِمِينَ مُفْتِيًا وَاحِدًا فَلَوْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ، فَقِيلَ يَلْزَمُ ، وَقِيلَ لَا ، وَقِيلَ مِثْلُ مَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ ، وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ لِعَدَمِ مَا يُوجِبُهُ شَرْعًا ا هـ مُلَخَّصًا قَالَ شَارِحُهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ أَمِيرِ الْحَاجِّ : بَلْ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ اقْتَضَى الْعَمَلَ بِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِ وَتَقْلِيدِهِ فِيهِ فِيمَا احْتَاجَ إلَيْهِ وَهُوَ - { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ } - وَالسُّؤَالُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ طَلَبِ حُكْمِ الْحَادِثَةِ الْمُعَيَّنَةِ ، فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ قَوْلُ الْمُجْتَهِدِ وَجَبَ عَمَلُهُ بِهِ وَأَمَّا الْتِزَامُهُ فَلَمْ يَثْبُتْ مِنْ السَّمْعِ اعْتِبَارُهُ مُلْزِمًا إنَّمَا ذَلِكَ فِي النَّذْرِ ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَلْتَزِمَهُ بِلَفْظِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ مَثَلًا قَلَّدْت فُلَانًا فِيمَا أَفْتَى بِهِ تَعْلِيقُ التَّقْلِيدِ وَالْوَعْدُ بِهِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ . ا هـ .
مَطْلَبٌ الْعَامِّيُّ لَا مَذْهَبَ لَهُ قُلْت : وَأَيْضًا قَالُوا الْعَامِّيُّ لَا مَذْهَبَ لَهُ ، بَلْ مَذْهَبُهُ مَذْهَبُ مُفْتِيهِ ، وَعَلَّلَهُ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ بِأَنَّ الْمَذْهَبَ إنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ لَهُ نَوْعُ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ وَبَصَرٍ بِالْمَذْهَبِ عَلَى حَسَبِهِ ، أَوْ لِمَنْ قَرَأَ كِتَابًا فِي فُرُوعِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ وَعَرَفَ فَتَاوَى إمَامِهِ وَأَقْوَالَهُ .
وَأَمَّا غَيْرُهُ مِمَّنْ قَالَ أَنَا حَنَفِيٌّ أَوْ شَافِعِيٌّ لَمْ يَصِرْ كَذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ كَقَوْلِهِ أَنَا فَقِيهٌ أَوْ نَحْوِيٌّ ا هـ وَتَقَدَّمَ تَمَامُ ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَوَّلَ هَذَا الشَّرْحِ ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بَعْضُ الْجَهَلَةِ بِمَا يَقَعُ فِي الْكُتُبِ مِنْ إطْلَاقِ بَعْضِ الْعِبَارَاتِ الْمُوهِمَةِ خِلَافَ الْمُرَادِ فَيَحْمِلُهُمْ عَلَى تَنْقِيصِ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ حَاشَاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُرِيدُوا الِازْدِرَاءَ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَوْ غَيْرِهِ ، بَلْ يُطْلِقُونَ تِلْكَ الْعِبَارَاتِ بِالْمَنْعِ مِنْ الِانْتِقَالِ خَوْفًا مِنْ التَّلَاعُبِ بِمَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ ، نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ ، وَأَمَاتَنَا عَلَى حُبِّهِمْ آمِينَ .
يَدُلُّ لِذَلِكَ مَا فِي الْقُنْيَةِ رَامِزًا لِبَعْضِ كُتُبِ الْمَذْهَبِ : لَيْسَ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْحَنَفِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ا هـ . وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَمَامُ ذَلِكَ فِي فَصْلِ الْقَبُولِ مِنْ الشَّهَادَاتِ ( قَوْلُهُ قَذَفَ بِالتَّعْرِيضِ ) كَأَنْ قَالَ أَنَا لَسْت بِزَانٍ يُعَزَّرُ ; لِأَنَّ الْحَدَّ سَقَطَ لِلشُّبْهَةِ ، وَقَدْ أَلْحَقَ الشَّيْنَ بِالْمُخَاطَبِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى بَلْ أَنْتَ زَانٍ فَيُعَزَّرُ ، وَظَاهِرُ التَّقْيِيدِ بِالْقَذْفِ أَنَّهُ لَوْ شَتَمَ بِالتَّعْرِيضِ لَا يُعَزَّرُ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث