رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الرابع
مَطْلَبٌ فِي خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ ( قَوْلُهُ خَرَاجُ مُقَاسَمَةٍ إلَخْ ) هَذَا إنَّمَا يُوضَعُ ابْتِدَاءً عَلَى الْكَافِرِ كَالْمُوَظَّفِ ، فَإِذَا فَتَحَ بَلْدَةً وَمَنَّ عَلَى أَهْلِهَا بِأَرْضِهَا لَهُ أَنْ يَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَيْهَا مُقَاسَمَةً أَوْ مُوَظَّفًا ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَسَمَهَا بَيْنَ الْجَيْشِ ، فَإِنَّهُ يَضَعُ الْعُشْرَ . قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ : خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ كَالْمُوَظَّفِ مَصْرِفًا وَكَالْعُشْرِ مَا أَخَذَ إلَّا فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الرِّطَابِ وَالزَّرْعِ وَالْكَرْمِ وَالنَّخْلِ الْمُتَّصِلِ وَغَيْرِهِ فَيَقْسِمُ الْجَمِيعَ عَلَى حَسَبِ مَا تُطِيقُ الْأَرْضُ مِنْ النِّصْفِ ، أَوْ الثُّلُثِ ، أَوْ الرُّبْعِ ، أَوْ الْخُمُسِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ كَالْعُشْرِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْخَارِجِ ، وَلِذَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْخَارِجِ فِي السَّنَةِ وَإِنَّمَا يُفَارِقُهُ فِي الْمَصْرِفِ فَكُلُّ شَيْءٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ ، وَتَجْرِي الْأَحْكَامُ الَّتِي قُرِّرَتْ فِي الْعُشْرِ وِفَاقًا وَخِلَافًا ; فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ عَلِمْت مَا يُزْرَعُ فِي بِلَادِنَا وَمَا يُغْرَسُ فَإِذَا غَرَسَ رَجُلٌ فِي أَرْضِهِ زَيْتُونًا أَوْ كَرْمًا أَوْ أَشْجَارًا يَقْسِمُ الْخَارِجَ كَالزَّرْعِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُطْعِمَ بِخِلَافِ مَا إذَا غَرَسَ فِي الْمُوَظَّفِ ، وَلَوْ أَخَذَهَا مُقَاطَعَةً عَلَى دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةٍ بِالتَّرَاضِي يَنْبَغِي الْجَوَازُ وَكَذَا لَوْ وَقَعَ عَلَى عِدَادِ الْأَشْجَارِ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ ، وَلِأَنَّ تَقْدِيرَ خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ مُفَوَّضٌ لِرَأْيِ الْإِمَامِ ، وَكُلٌّ مِنْ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ يُفْعَلُ فِي بِلَادِنَا
. 186 فَبَعْضُ الْأَرْضِ تُقَسَّمُ ثِمَارُ أَشْجَارِهَا ، وَيَأْخُذُ مَأْذُونُ السُّلْطَانِ مِنْهَا ثُلُثًا أَوْ رُبْعًا وَنَحْوَهُ ، وَبَعْضُهَا يَقْطَعُ عَلَيْهِ دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةً ، وَبَعْضُهَا يَعُدُّ أَشْجَارَهَا ، وَيَأْخُذُ عَلَى كُلِّ شَجَرَةٍ قَدْرًا مُعَيَّنًا ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ الطَّاقَةِ وَالتَّرَاضِي عَلَى أَخْذِ شَيْءٍ فِي مُقَابَلَةِ خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَرَاضِي بِلَادِنَا خَرَاجِيَّةٌ ، وَخَرَاجُهَا مُقَاسَمَةٌ ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ وَتَقْدِيرُهُ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ ا هـ . وَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ : قُلْت : لَكِنْ مَرَّ أَنَّ الْمَأْخُوذَ الْآنَ مِنْ أَرَاضِي مِصْرَ وَالشَّامِ أُجْرَةٌ لَا عُشْرٌ وَلَا خَرَاجٌ وَالْمُرَادُ الْأَرَاضِي الَّتِي صَارَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ لَا الْمَمْلُوكَةِ أَوْ الْمَوْقُوفَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ لَكِنَّ هَذِهِ الْأُجْرَةَ بَدَلُ الْخَرَاجِ كَمَا مَرَّ وَيَأْتِي ( قَوْلُهُ يَتَعَلَّقُ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ ) بَيَانٌ لِكَوْنِهِ وَاجِبًا فِي الذِّمَّةِ أَيْ أَنَّهُ يَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ بِمُجَرَّدِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ لَا بِعَيْنِ الْخَارِجِ حَتَّى لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَعَطَّلَهَا وَجَبَ ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يَتَمَكَّنْ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ ( قَوْلُهُ كَمَا وَضَعَ إلَخْ ) تَمْثِيلٌ لِخَرَاجِ الْوَظِيفَةِ ( قَوْلُهُ عَلَى السَّوَادِ ) أَيْ قُرَى الْعِرَاقِ ( قَوْلُهُ بِذِرَاعِ كِسْرَى ) احْتَرَزَ عَنْ ذِرَاعِ الْعَامَّةِ وَهُوَ سِتُّ قَبَضَاتٍ فَتْحٌ وَالْقَبْضَةُ أَرْبَعُ أَصَابِعَ ( قَوْلُهُ بِالْفَدَّانِ ) بِالتَّثْقِيلِ آلَةُ الْحَرْثِ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الثَّوْرَيْنِ يَحْرُثُ عَلَيْهِمَا فِي قِرَانٍ وَجَمْعُهُ فَدَادِينَ ، وَقَدْ يُخَفَّفُ فَيُجْمَعُ عَلَى أَفْدِنَةٍ وَفِدْنٍ مِصْبَاحٌ ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَرْضُ ، وَهُوَ فِي عُرْفِ الشَّامِ نَوْعَانِ رُومَانِيٌّ وَخَطَّاطِيٌّ وَمِسَاحَةُ كُلٍّ مَعْرُوفَةٍ عِنْدَ الْفَلَّاحِينَ .
( قَوْلُهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ الْمُعَوَّلُ بَحْرٌ ) وَأَصْلُهُ فِي الْفَتْحِ وَقَالَ إنَّ الثَّانِيَ يَقْضِي أَنَّ الْجَرِيبَ يَخْتَلِفُ قَدْرُهُ فِي الْبُلْدَانِ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَتَّحِدَ الْوَاجِبُ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَقَادِيرِ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ عُرْفُ بَلَدٍ فِيهِ مِائَةُ ذِرَاعٍ وَعُرْفُ أُخْرَى فِيهِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا ( قَوْلُهُ يَبْلُغُهُ الْمَاءُ ) صِفَةٌ لِجَرِيبٍ ، قَيَّدَ بِهِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَا خَرَاجَ إنْ غَلَبَ الْمَاءُ عَلَى أَرْضِهِ أَوْ انْقَطَعَ ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَاءُ الَّذِي تَصِيرُ بِهِ الْأَرْضُ صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ ، فَصَارَ كَقَوْلِ الْكَنْزِ جَرِيبٌ صَلَحَ لِلزِّرَاعَةِ ( قَوْلُهُ صَاعًا ) مَفْعُولُ وَضَعَ وَهُوَ الْقَفِيزُ الْهَاشِمِيُّ الَّذِي وَرَدَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِ ، وَهُوَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ أَرْبَعَةُ أَمْنَاءٍ ، وَهُوَ صَاعُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُنْسَبُ إلَى الْحَجَّاجِ فَيُقَالُ صَاعٌ حَجَّاجِيٌّ لِأَنَّ الْحَجَّاجَ أَخْرَجَهُ بَعْدَمَا فُقِدَ كَمَا فِي ط عَنْ الشَّلَبِيِّ ( قَوْلُهُ مِنْ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ ) أَيْ فَهُوَ مُخَيَّرُ فِي إعْطَاءِ الصَّاعِ مِنْ الشَّعِيرِ أَوْ الْبُرِّ كَمَا فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى قَاضِي خَانْ . وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِمَّا يُزْرَعُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ كَمَا فِي الْكَافِي شُرُنْبُلَالِيَّةٌ وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ ، وَبَقِيَ مَا إذَا عَطَّلَهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِمَامَ يُخَيِّرُ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ وَدِرْهَمًا ) هُوَ وَزْنُ سَبْعَةٍ كَمَا فِي الزَّكَاةِ بَحْرٌ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وَزْنُهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا جَوْهَرَةٌ .
( قَوْلُهُ الرَّطْبَةُ ) بِالْفَتْحِ وَالْجَمْعُ الرِّطَابِ : وَهِيَ الْقِثَّاءُ وَالْخِيَارُ وَالْبِطِّيخُ وَالْبَاذِنْجَانُ ، وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ وَالْبُقُولُ غَيْرُ الرِّطَابِ مِثْلُ الْكُرَّاثِ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ ( قَوْلُهُ مُتَّصِلَةً ) يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي تِلْكَ الْأَشْجَارِ الَّتِي لِلْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَغَيْرِهِمَا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَزْرَعَ بَيْنَهَا أَفَادَهُ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى ، فَلَوْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فِي جَوَانِبِ الْأَرْضِ وَوَسَطُهَا مَزْرُوعٌ فَلَا شَيْءَ فِيهَا كَمَا لَا شَيْءَ فِي غَرْسِ أَشْجَارٍ غَيْرِ مُثْمِرَةٍ بَحْرٌ ط وَقَوْلُهُ : فَلَا شَيْءَ فِيهَا أَيْ فِي الْأَشْجَارِ الْمُتَفَرِّقَةِ بَلْ يَجِبُ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فَهِيَ بُسْتَانٌ فَيَجِبُ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ عَلَى مَا يَأْتِي أَوْ الْمُرَادُ لَا شَيْءَ فِيهَا مُقَدَّرٌ تَأَمَّلْ ، وَقَوْلُهُ كَمَا لَا شَيْءَ فِي غَرْسٍ إلَخْ هَذَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ شَغْلَ أَرْضِهِ بِهَا فَلَوْ اسْتَنْمَا أَرْضَهُ بِقَوَائِمِ الْخِلَافِ وَمَا أَشْبَهَهُ أَوْ الْقَصَبِ 187 أَوْ الْحَشِيشِ كَانَ فِيهِ الْعُشْرُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِهِ عَنْ الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ ضِعْفَهَا ) أَيْ ضِعْفَ الْخَمْسَةِ وَهُوَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْأَثْمَارِ ، فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُثْمِرْ بَعْدُ فَفِيهَا خَرَاجُ الزَّرْعِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ دُرٌّ مُنْتَقَى ( قَوْلُهُ وَلِمَا سِوَاهُ ) أَيْ سِوَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ الْمُوَظَّفِ عَلَيْهَا ( قَوْلُهُ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ تَوْظِيفُ عُمَرَ ) قَصَدَ بِهِ إصْلَاحَ الْمَتْنِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الزَّعْفَرَانَ وَالْبُسْتَانَ فِيهِ تَوْظِيفُ عُمَرَ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ الْعَطْفِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ ( قَوْلُهُ يُحَوِّطُهَا ) أَيْ يَرْعَاهَا وَيَحْفَظُهَا ، أَوْ هُوَ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ دَارَ عَلَيْهَا حَائِطٌ . قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : حَاطُّهُ يُحَوِّطُهُ حَوْطًا رَعَاهُ وَحَوَّطَ حَوْلَهُ تَحْوِيطًا أَدَارَ عَلَيْهِ نَحْوَ التُّرَابِ حَتَّى جَعَلَهُ مُحِيطًا بِهِ . ا هـ . ( قَوْلُهُ فَلَوْ مُلْتَفَّةً إلَخْ ) فِي الْمِصْبَاحِ الْتَفَّ النَّبَاتُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ اخْتَلَطَ .
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبُسْتَانِ وَالْكَرْمِ ، هُوَ أَنَّ مَا كَانَتْ أَشْجَارُهُ مُلْتَفَّةً فَهُوَ كَرْمٌ ، وَمَا كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فَهُوَ بُسْتَانٌ ، وَقَدْ عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى الظَّهِيرِيَّةِ ، وَمِثْلُهُ فِي كَافِي النَّسَفِيِّ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْكَرَمَ لَا تَخْتَصُّ بِشَجَرِ الْعِنَبِ ، مَعَ أَنَّ مَا فِي الْمُتُونِ مِنْ عَطْفِ النَّحْلِ عَلَى الْكَرْمِ يُفِيدُ أَنَّهُ غَيْرُهُ . وَفِي الِاخْتِيَارِ : وَالْجَرِيبُ الَّذِي فِيهِ أَشْجَارٌ مُثْمِرَةٌ مُلْتَفَّةٌ لَا يُمْكِنُ زِرَاعَتُهَا . قَالَ مُحَمَّدٌ : يُوضَعُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يُطِيقُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي الْبُسْتَانِ تَقْدِيرٌ فَكَانَ مُفَوَّضًا إلَى أَمْرِ الْإِمَامِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا يُزَادُ عَلَى الْكَرْمِ لِأَنَّ الْبُسْتَانَ بِمَعْنَى الْكَرْمِ فَالْوَارِدُ فِي الْكَرْمِ وَارِدٌ فِيهِ دَلَالَةً وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَشْجَارٌ مُتَفَرِّقَةٌ فَهِيَ تَابِعَةٌ لِلْأَرْضِ ا هـ وَمُفَادُ هَذَا أَيْضًا أَنَّ الْكَرْمَ مُخْتَصٌّ بِالْعِنَبِ وَالْبُسْتَانُ غَيْرُهُ بِقَرِينَةِ التَّعْلِيلِ أَوَّلًا وَثَانِيًا ، وَهَذَا أَوْفَقُ بِمَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ ، وَمُفَادُهُ أَيْضًا أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ فِي الْبُسْتَانِ إذَا كَانَتْ أَشْجَارُهُ مُلْتَفَّةً ، وَأَنَّ مَا فِي الْمَتْنِ هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ جَرَى فِي الْمُلْتَقَى ، وَذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ مِثْلَ مَا فِي الِاخْتِيَارِ حَيْثُ قَالَ : وَفِي جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ ، وَأَمَّا جَرِيبُ الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا أَشْجَارٌ مُثْمِرَةٌ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ زِرَاعَتُهَا لَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ إذَا كَانَ النَّخْلُ مُلْتَفًّا جَعَلْت عَلَيْهِ الْخَرَاجَ بِقَدْرِ مَا يُطِيقُ وَلَا أَزِيدُ عَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ .
. 186 فَبَعْضُ الْأَرْضِ تُقَسَّمُ ثِمَارُ أَشْجَارِهَا ، وَيَأْخُذُ مَأْذُونُ السُّلْطَانِ مِنْهَا ثُلُثًا أَوْ رُبْعًا وَنَحْوَهُ ، وَبَعْضُهَا يَقْطَعُ عَلَيْهِ دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةً ، وَبَعْضُهَا يَعُدُّ أَشْجَارَهَا ، وَيَأْخُذُ عَلَى كُلِّ شَجَرَةٍ قَدْرًا مُعَيَّنًا ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ الطَّاقَةِ وَالتَّرَاضِي عَلَى أَخْذِ شَيْءٍ فِي مُقَابَلَةِ خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَرَاضِي بِلَادِنَا خَرَاجِيَّةٌ ، وَخَرَاجُهَا مُقَاسَمَةٌ ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ وَتَقْدِيرُهُ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ ا هـ . وَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ : قُلْت : لَكِنْ مَرَّ أَنَّ الْمَأْخُوذَ الْآنَ مِنْ أَرَاضِي مِصْرَ وَالشَّامِ أُجْرَةٌ لَا عُشْرٌ وَلَا خَرَاجٌ وَالْمُرَادُ الْأَرَاضِي الَّتِي صَارَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ لَا الْمَمْلُوكَةِ أَوْ الْمَوْقُوفَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ لَكِنَّ هَذِهِ الْأُجْرَةَ بَدَلُ الْخَرَاجِ كَمَا مَرَّ وَيَأْتِي ( قَوْلُهُ يَتَعَلَّقُ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ ) بَيَانٌ لِكَوْنِهِ وَاجِبًا فِي الذِّمَّةِ أَيْ أَنَّهُ يَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ بِمُجَرَّدِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ لَا بِعَيْنِ الْخَارِجِ حَتَّى لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَعَطَّلَهَا وَجَبَ ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يَتَمَكَّنْ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ ( قَوْلُهُ كَمَا وَضَعَ إلَخْ ) تَمْثِيلٌ لِخَرَاجِ الْوَظِيفَةِ ( قَوْلُهُ عَلَى السَّوَادِ ) أَيْ قُرَى الْعِرَاقِ ( قَوْلُهُ بِذِرَاعِ كِسْرَى ) احْتَرَزَ عَنْ ذِرَاعِ الْعَامَّةِ وَهُوَ سِتُّ قَبَضَاتٍ فَتْحٌ وَالْقَبْضَةُ أَرْبَعُ أَصَابِعَ ( قَوْلُهُ بِالْفَدَّانِ ) بِالتَّثْقِيلِ آلَةُ الْحَرْثِ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الثَّوْرَيْنِ يَحْرُثُ عَلَيْهِمَا فِي قِرَانٍ وَجَمْعُهُ فَدَادِينَ ، وَقَدْ يُخَفَّفُ فَيُجْمَعُ عَلَى أَفْدِنَةٍ وَفِدْنٍ مِصْبَاحٌ ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَرْضُ ، وَهُوَ فِي عُرْفِ الشَّامِ نَوْعَانِ رُومَانِيٌّ وَخَطَّاطِيٌّ وَمِسَاحَةُ كُلٍّ مَعْرُوفَةٍ عِنْدَ الْفَلَّاحِينَ .
( قَوْلُهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ الْمُعَوَّلُ بَحْرٌ ) وَأَصْلُهُ فِي الْفَتْحِ وَقَالَ إنَّ الثَّانِيَ يَقْضِي أَنَّ الْجَرِيبَ يَخْتَلِفُ قَدْرُهُ فِي الْبُلْدَانِ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَتَّحِدَ الْوَاجِبُ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَقَادِيرِ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ عُرْفُ بَلَدٍ فِيهِ مِائَةُ ذِرَاعٍ وَعُرْفُ أُخْرَى فِيهِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا ( قَوْلُهُ يَبْلُغُهُ الْمَاءُ ) صِفَةٌ لِجَرِيبٍ ، قَيَّدَ بِهِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَا خَرَاجَ إنْ غَلَبَ الْمَاءُ عَلَى أَرْضِهِ أَوْ انْقَطَعَ ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَاءُ الَّذِي تَصِيرُ بِهِ الْأَرْضُ صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ ، فَصَارَ كَقَوْلِ الْكَنْزِ جَرِيبٌ صَلَحَ لِلزِّرَاعَةِ ( قَوْلُهُ صَاعًا ) مَفْعُولُ وَضَعَ وَهُوَ الْقَفِيزُ الْهَاشِمِيُّ الَّذِي وَرَدَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِ ، وَهُوَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ أَرْبَعَةُ أَمْنَاءٍ ، وَهُوَ صَاعُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُنْسَبُ إلَى الْحَجَّاجِ فَيُقَالُ صَاعٌ حَجَّاجِيٌّ لِأَنَّ الْحَجَّاجَ أَخْرَجَهُ بَعْدَمَا فُقِدَ كَمَا فِي ط عَنْ الشَّلَبِيِّ ( قَوْلُهُ مِنْ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ ) أَيْ فَهُوَ مُخَيَّرُ فِي إعْطَاءِ الصَّاعِ مِنْ الشَّعِيرِ أَوْ الْبُرِّ كَمَا فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى قَاضِي خَانْ . وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِمَّا يُزْرَعُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ كَمَا فِي الْكَافِي شُرُنْبُلَالِيَّةٌ وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ ، وَبَقِيَ مَا إذَا عَطَّلَهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِمَامَ يُخَيِّرُ تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ وَدِرْهَمًا ) هُوَ وَزْنُ سَبْعَةٍ كَمَا فِي الزَّكَاةِ بَحْرٌ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وَزْنُهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا جَوْهَرَةٌ .
( قَوْلُهُ الرَّطْبَةُ ) بِالْفَتْحِ وَالْجَمْعُ الرِّطَابِ : وَهِيَ الْقِثَّاءُ وَالْخِيَارُ وَالْبِطِّيخُ وَالْبَاذِنْجَانُ ، وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ وَالْبُقُولُ غَيْرُ الرِّطَابِ مِثْلُ الْكُرَّاثِ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ ( قَوْلُهُ مُتَّصِلَةً ) يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي تِلْكَ الْأَشْجَارِ الَّتِي لِلْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَغَيْرِهِمَا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَزْرَعَ بَيْنَهَا أَفَادَهُ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى ، فَلَوْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فِي جَوَانِبِ الْأَرْضِ وَوَسَطُهَا مَزْرُوعٌ فَلَا شَيْءَ فِيهَا كَمَا لَا شَيْءَ فِي غَرْسِ أَشْجَارٍ غَيْرِ مُثْمِرَةٍ بَحْرٌ ط وَقَوْلُهُ : فَلَا شَيْءَ فِيهَا أَيْ فِي الْأَشْجَارِ الْمُتَفَرِّقَةِ بَلْ يَجِبُ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فَهِيَ بُسْتَانٌ فَيَجِبُ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ عَلَى مَا يَأْتِي أَوْ الْمُرَادُ لَا شَيْءَ فِيهَا مُقَدَّرٌ تَأَمَّلْ ، وَقَوْلُهُ كَمَا لَا شَيْءَ فِي غَرْسٍ إلَخْ هَذَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ شَغْلَ أَرْضِهِ بِهَا فَلَوْ اسْتَنْمَا أَرْضَهُ بِقَوَائِمِ الْخِلَافِ وَمَا أَشْبَهَهُ أَوْ الْقَصَبِ 187 أَوْ الْحَشِيشِ كَانَ فِيهِ الْعُشْرُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِهِ عَنْ الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا تَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ ضِعْفَهَا ) أَيْ ضِعْفَ الْخَمْسَةِ وَهُوَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْأَثْمَارِ ، فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُثْمِرْ بَعْدُ فَفِيهَا خَرَاجُ الزَّرْعِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ دُرٌّ مُنْتَقَى ( قَوْلُهُ وَلِمَا سِوَاهُ ) أَيْ سِوَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ الْمُوَظَّفِ عَلَيْهَا ( قَوْلُهُ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ تَوْظِيفُ عُمَرَ ) قَصَدَ بِهِ إصْلَاحَ الْمَتْنِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الزَّعْفَرَانَ وَالْبُسْتَانَ فِيهِ تَوْظِيفُ عُمَرَ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ الْعَطْفِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ ( قَوْلُهُ يُحَوِّطُهَا ) أَيْ يَرْعَاهَا وَيَحْفَظُهَا ، أَوْ هُوَ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ دَارَ عَلَيْهَا حَائِطٌ . قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : حَاطُّهُ يُحَوِّطُهُ حَوْطًا رَعَاهُ وَحَوَّطَ حَوْلَهُ تَحْوِيطًا أَدَارَ عَلَيْهِ نَحْوَ التُّرَابِ حَتَّى جَعَلَهُ مُحِيطًا بِهِ . ا هـ . ( قَوْلُهُ فَلَوْ مُلْتَفَّةً إلَخْ ) فِي الْمِصْبَاحِ الْتَفَّ النَّبَاتُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ اخْتَلَطَ .
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبُسْتَانِ وَالْكَرْمِ ، هُوَ أَنَّ مَا كَانَتْ أَشْجَارُهُ مُلْتَفَّةً فَهُوَ كَرْمٌ ، وَمَا كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فَهُوَ بُسْتَانٌ ، وَقَدْ عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى الظَّهِيرِيَّةِ ، وَمِثْلُهُ فِي كَافِي النَّسَفِيِّ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْكَرَمَ لَا تَخْتَصُّ بِشَجَرِ الْعِنَبِ ، مَعَ أَنَّ مَا فِي الْمُتُونِ مِنْ عَطْفِ النَّحْلِ عَلَى الْكَرْمِ يُفِيدُ أَنَّهُ غَيْرُهُ . وَفِي الِاخْتِيَارِ : وَالْجَرِيبُ الَّذِي فِيهِ أَشْجَارٌ مُثْمِرَةٌ مُلْتَفَّةٌ لَا يُمْكِنُ زِرَاعَتُهَا . قَالَ مُحَمَّدٌ : يُوضَعُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يُطِيقُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي الْبُسْتَانِ تَقْدِيرٌ فَكَانَ مُفَوَّضًا إلَى أَمْرِ الْإِمَامِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا يُزَادُ عَلَى الْكَرْمِ لِأَنَّ الْبُسْتَانَ بِمَعْنَى الْكَرْمِ فَالْوَارِدُ فِي الْكَرْمِ وَارِدٌ فِيهِ دَلَالَةً وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَشْجَارٌ مُتَفَرِّقَةٌ فَهِيَ تَابِعَةٌ لِلْأَرْضِ ا هـ وَمُفَادُ هَذَا أَيْضًا أَنَّ الْكَرْمَ مُخْتَصٌّ بِالْعِنَبِ وَالْبُسْتَانُ غَيْرُهُ بِقَرِينَةِ التَّعْلِيلِ أَوَّلًا وَثَانِيًا ، وَهَذَا أَوْفَقُ بِمَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ ، وَمُفَادُهُ أَيْضًا أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ فِي الْبُسْتَانِ إذَا كَانَتْ أَشْجَارُهُ مُلْتَفَّةً ، وَأَنَّ مَا فِي الْمَتْنِ هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ جَرَى فِي الْمُلْتَقَى ، وَذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ مِثْلَ مَا فِي الِاخْتِيَارِ حَيْثُ قَالَ : وَفِي جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ ، وَأَمَّا جَرِيبُ الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا أَشْجَارٌ مُثْمِرَةٌ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ زِرَاعَتُهَا لَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ إذَا كَانَ النَّخْلُ مُلْتَفًّا جَعَلْت عَلَيْهِ الْخَرَاجَ بِقَدْرِ مَا يُطِيقُ وَلَا أَزِيدُ عَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث