رد المحتار على الدر المختار
رد المحتار على الدر المختار · الجزء الرابع
الصفحة 4707 · ص. المطبوع 582 · الشرح
( قَوْلُهُ : وَتَمَّ الْعَقْدُ إلَخْ ) أَيْ تَحْصُلُ الْإِجَازَةُ بِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ ، وَهُوَ كَلَامٌ مَوْهُومٌ ، فَإِنَّ فِي بَعْضِهَا يَكُونُ إجَازَةً سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي وَهُوَ الْمَوْتُ وَمُضِيُّ الْمُدَّةِ ، وَفِي بَعْضِهَا إذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي وَهُوَ الْإِعْتَاقُ وَتَوَابِعُهُ ، فَلَوْ لِلْبَائِعِ كَانَ فَسْخًا أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ . ( قَوْلُهُ : بِمَوْتِهِ ) أَيْ مَوْتِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ بَائِعًا كَانَ أَوْ مُشْتَرِيًا ; لِأَنَّ مَوْتَ غَيْرِهِ لَا يَتِمُّ بِهِ الْعَقْدُ بَلْ الْخِيَارُ بَاقٍ لِمَنْ شُرِطَ لَهُ فَإِنْ أَمْضَى الْعَقْدَ مَضَى وَإِنْ فَسَخَهُ انْفَسَخَ كَمَا فِي الْفَتْحِ نَهْرٌ . وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ : لَوْ الْخِيَارُ لَهُمَا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا لَزِمَ الْبَيْعُ مِنْ جِهَتِهِ وَالْآخَرُ عَلَى خِيَارِهِ . وَفِيهِ أَيْضًا : وَكِيلُ الْبَيْعِ أَوْ الْوَصِيُّ بَاعَ بِخِيَارٍ أَوْ الْمَالِكُ بَاعَ بِخِيَارٍ لِغَيْرِهِ فَمَاتَ الْوَكِيلُ أَوْ الْوَصِيُّ أَوْ الْمُوَكِّلُ أَوْ الصَّبِيُّ أَوْ مَنْ بَاعَ بِنَفْسِهِ أَوْ مَنْ شُرِطَ لَهُ الْخِيَارُ قَالَ : مُحَمَّدٌ : يَتِمُّ الْبَيْعُ فِي كُلِّ ذَلِكَ ; لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ حَقًّا فِي الْخِيَارِ وَالْجُنُونُ كَالْمَوْتِ . ا هـ .
وَكَذَا الْإِغْمَاءُ ، وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ . ( قَوْلُهُ : وَلَا يَخْلُفُهُ الْوَارِثُ ) لِأَنَّهُ لَيْسَ إلَّا مَشِيئَةٌ وَإِرَادَةٌ ، وَلَا يُتَصَوَّرُ انْتِقَالُهُ وَالْإِرْثُ فِيمَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ : هِدَايَةٌ . ( قَوْلُهُ : كَخِيَارِ رُؤْيَةٍ ) نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْغُرَرِ وَالْوِقَايَةِ وَالنُّقَايَةِ وَمُخْتَصَرِهَا وَالْمُلْتَقَى وَالْإِصْلَاحِ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ ، وَكَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْفَتْحِ مِنْ بَابِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ فِيهِ خِلَافًا ، وَعَلَيْهِ فَمَا فِي فَرَائِضِ شَرْحِ الْبِيرِيِّ عَنْ شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الضِّيَاءِ مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ يُورَثُ فَهُوَ غَرِيبٌ وَلَعَلَّ أَصْلَ الْعِبَارَةِ لَا يُورَثُ . تَأَمَّلْ . ( قَوْلُهُ : وَتَغْرِيرٍ وَنَقْدٍ ) لَمْ يَذْكُرْهُمَا فِي الدُّرَرِ ، بَلْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلَ مِنْهُمَا فِي الْمِنَحِ بَحْثًا ، وَذَكَرَ الثَّانِيَ فِي النَّهْرِ بَحْثًا أَيْضًا . وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُقُوقَ الْمُجَرَّدَةَ لَا تُورَثُ ، وَكَأَنَّ الْوَجْهَ لَمَّا قَوِيَ عِنْدَ الشَّارِحِ جَزَمَ بِهِ . وَقَدْ رَأَيْتُ مَسْأَلَةَ النَّقْدِ فِي شَرْحِ الْبِيرِيِّ عَنْ خِزَانَةِ الْإِكْمَالِ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ بَطَلَ الْبَيْعُ وَلَيْسَ لِوَارِثِهِ نَقْدُهُ . وَأَمَّا مَسْأَلَةُ التَّغْرِيرِ فَقَدْ وَقَعَ فِيهَا اضْطِرَابٌ ، فَنَقَلَ الشَّارِحُ فِي آخِرِ بَابِ الْمُرَابَحَةِ عَلِيٌّ الْمَقْدِسِيَّ أَنَّهُ أَفْتَى بِمِثْلِ مَا بَحَثَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا ، ذَكَرَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ فِي شَرْحِ مَنْظُومَتِهِ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّ خِيَارَ التَّغْرِيرِ يُورَثُ كَخِيَارِ الْعَيْبِ وَأَنَّ ابْنَ الْمُصَنِّفِ أَيَّدَهُ ، وَسَيَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - مَا فِيهِ هُنَاكَ ، نَعَمْ بَحَثَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ أَيْضًا فِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ أَنَّهُ يُورَثُ قِيَاسًا عَلَى خِيَارِ فَوَاتِ الْوَصْفِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ كَشِرَاءِ عَبْدٍ عَلَى أَنَّهُ خَبَّازٌ وَقَالَ : إنَّهُ بِهِ أَشْبَهُ ; لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْبَائِعِ فَكَانَ شَارِطًا لَهُ اقْتِضَاءً وَصْفًا مَرْغُوبًا فَبَانَ بِخِلَافِهِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ تَفَقُّهُ الشَّيْخِ عَلِيٍّ الْمَقْدِسِيَّ وَالشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْغَزِّيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَرَيَاهَا مَنْقُولَةً ، وَمَالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ لِمَا قُلْتُهُ فَقَالَ : وَاَلَّذِي أَمِيلُ إلَيْهِ أَنَّهُ مِثْلُ خِيَارِ الْعَيْبِ يَعْنِي فَيُورَثُ . ا هـ . وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْمَقْدِسِيَّ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الرَّمْلِيُّ ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي الْمُرَابَحَةِ أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ لَهُ خِيَانَةٌ فِي الْمُرَابَحَةِ لَهُ رَدُّهُ ، وَلَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْلَ رَدِّهِ أَوْ حَدَثَ بِهِ مَا يَمْنَعُ مِنْ الرَّدِّ لَزِمَهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ وَسَقَطَ خِيَارُهُ ، وَعَلَّلُوهُ هُنَاكَ بِأَنَّهُ مُجَرَّدُ خِيَارٍ لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ كَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ ، بِخِلَافِ خِيَارِ الْعَيْبِ ; لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ فِيهِ جُزْءٌ فَائِتٌ فَيَسْقُطُ مَا يُقَابِلُهُ . وَأَخَذَ مِنْهُ فِي الْبَحْرِ هُنَاكَ أَنَّ خِيَارَ ظُهُورِ الْخِيَانَةِ لَا يُورَثُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ هُنَاكَ . وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّغْرِيرَ أَشْبَهُ بِظُهُورِ الْخِيَانَةِ فِي الْمُرَابَحَةِ فَكَانَ إلْحَاقُهُ بِهِ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهِ بِالْوَصْفِ الْمَرْغُوبِ ; لِأَنَّ الْوَصْفَ الْمَرْغُوبَ بِمَنْزِلَةِ جُزْءٍ مِنْ الْمَبِيعِ فَيُقَابِلُهُ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَنِ حَيْثُ كَانَ الْوَصْفُ مَشْرُوطًا ، فَإِذَا فَاتَ يَسْقُطُ مَا يُقَابِلُهُ كَخِيَارِ الْعَيْبِ ، وَلَيْسَ فِي التَّغْرِيرِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَلْ هُوَ مُجَرَّدُ خِيَارٍ 582 لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ مِثْلُ خِيَارِ الْخِيَانَةِ فِي الْمُرَابَحَةِ ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْأَرْجَحَ أَنَّهُ لَا يُورَثُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
( قَوْلُهُ : لِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَا تُورَثُ ) هَذَا التَّعْلِيلُ إنَّمَا يُنَاسِبُ التَّعْبِيرَ بِأَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ لَا يُورَثُ كَمَا وَقَعَ فِي الدُّرَرِ وَالْوِقَايَةِ وَالشَّارِحُ إنَّمَا عَبَّرَ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُفُهُ الْوَارِثُ ; لِأَنَّهُ أَضْبَطُ ; لِأَنَّ مَا لَا يُورَثُ قَدْ يَخْلُفُهُ الْوَارِثُ فِيهِ كَخِيَارِ الْعَيْبِ ، فَكَانَ الْأَوْلَى التَّعْلِيلَ بِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَا تَنْتَقِلُ كَمَا مَرَّ عَنْ الْهِدَايَةِ أَيْ فَإِنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ مُجَرَّدُ مَشِيئَةٍ وَإِرَادَةٍ ، وَذَلِكَ وَصْفٌ لِصَاحِبِ الْخِيَارِ فَلَا يُمْكِنُ انْتِقَالُهُ إلَى الْوَارِثِ لَا بِطَرِيقِ الْإِرْثِ وَلَا بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ ، وَمِثْلُهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَالتَّغْرِيرِ . وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي خِيَارِ النَّقْدِ ; لِأَنَّ نَقْدَ الثَّمَنِ فِعْلٌ لَا وَصْفٌ ، وَهَذَا يُرَجِّحُ أَنَّهُ كَخِيَارِ الْعَيْبِ تَأَمَّلْ . [ تَتِمَّةٌ ] :
فِي شَرْحِ الْبِيرِيِّ عَنْ شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الضِّيَاءِ : وَأَجْمَعُوا أَنَّ خِيَارَ الْقَبُولِ لَا يُورَثُ ، وَكَذَا خِيَارُ الْإِجَازَةِ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ . ا هـ . وَالْمُرَادُ بِخِيَارِ الْقَبُولِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ ، وَهُوَ أَنْ يَقْبَلَ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ بَعْدَ إيجَابِ الْمُوجِبِ . ( قَوْلُهُ : وَفَوَاتُ الْوَصْفِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ ) هَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الدُّرَرِ ، نَعَمْ ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ . وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْعَيْبِ . ( قَوْلُهُ : فَيَخْلُفُهُ الْوَارِثُ فِيهَا إلَخْ ) لِأَنَّ الْمُوَرِّثَ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ سَلِيمًا مِنْ الْعَيْبِ فَكَذَا الْوَارِثُ ، وَكَذَا خِيَارُ التَّعْيِينِ يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً لِاخْتِلَاطِ مِلْكِهِ بِمِلْكِ غَيْرِهِ لَا أَنْ يُورَثَ الْخِيَارَ هِدَايَةٌ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ مَا فِي الدُّرَرِ مِنْ أَنَّ الْوَارِثَ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ فِيمَا تَعَيَّبَ فِي يَدِ الْبَائِعِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لِلْمُوَرِّثِ . ا هـ . وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ : وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْخِيَارَ لِلْوَارِثِ غَيْرُ مَا كَانَ لِلْمُوَرِّثِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَهُمَا أَوْ يَرُدَّهُمَا ، وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ أَنْ يَرُدَّهُمَا ، وَخِيَارُ الْمُشْتَرِي كَانَ مُوَقَّتًا وَلِلْوَرَثَةِ يَثْبُتُ غَيْرَ مُوَقَّتٍ . ا هـ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث