الفروع
الفروع · الجزء الثاني
الصفحة 1129 · ص. المطبوع 314 · الشرح
وَاكْتِرَاءُ مَنْ يَقْرَأُ وَيُهْدِي لِلْمَيِّتِ بِدْعَةٌ ، لَمْ يَفْعَلْهَا السَّلَفُ ، وَلَا اسْتَحَبَّهَا الْأَئِمَّةُ ، وَالْفُقَهَاءُ تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ الِاكْتِرَاءِ عَلَى تَعْلِيمِهِ ، فَأَمَّا اكْتِرَاءُ مَنْ يَقْرَأُ وَيُهْدِيهِ فَمَا عَلِمْت أَحَدًا ذَكَرَهُ ، وَلَا ثَوَابَ لَهُ ، فَلَا شَيْءَ لِلْمَيِّتِ ، قَالَهُ الْعُلَمَاءُ ، قَالَ : وَلَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ بِذَلِكَ ، وَالْوَقْفُ عَلَى الْقُرَّاءِ وَالْعُلَمَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الْوَقْفِ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا ، وَلِلْوَاقِفِ كَأَجْرِ الْعَامِلِ ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { ۝ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَنِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا } ; لِأَنَّ ذَلِكَ سَعْيٌ فِي سُنَّتِهِ .
وَقَالَ أَيْضًا : الْوَقْفُ عَلَى التُّرَبِ بِدْعَةٌ .
وَقَالَ أَيْضًا : فِيهَا مَصْلَحَةُ الْحَضِّ عَلَى بَقَاءِ حِفْظِهِ وَتِلَاوَتِهِ ، وَفِيهَا مَفَاسِدُ : مِنْ الْقِرَاءَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ ، وَاشْتِغَالِهِ بِهِ عَنْ الْقِرَاءَةِ الْمَشْرُوعَةِ ، وَالتَّأَكُّلِ بِهِ ، فَمَتَى أَمْكَنَ تَحْصِيلُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ بِدُونِهِ فَالْوَاجِبُ الْمَنْعُ مِنْهُ وَإِبْطَالُهُ .
وَشَرْطُ إهْدَاءِ الْقِرَاءَةِ يَنْبَنِي عَلَى إهْدَاءِ ثَوَابِ الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ ، فَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ أَبْطَلَهُ ، وَمَنْ جَوَّزَهُ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ عِبَادَةً ، وَهِيَ مَا قُصِدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ ، فَأَمَّا بِإِجَارَةٍ وَجَعَالَةٍ فَلَا تَكُونُ قُرْبَةً ، وَإِنْ أَخَذَ الْأُجْرَةَ وَالْجَعْلَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ جُعِلَ الْخِلَافُ فِي أُجْرَةِ تَعْلِيمٍ وَنَحْوِهِ ، فَقَدْ حُكِمَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ لِمَا قَالَ : لَا يَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ فِيهِ ، وَإِنَّ الْوَقْفَ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ ، وَفِي كَلَامِهِ الْأَخِيرِ 314 إنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يَصِحَّ وَإِلَّا صَحَّ ، وَلَا إهْدَاءَ ، لِعَدَمِ الثَّوَابِ ، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ لِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَلَا يُهْدِي شَيْئًا ، وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَجِّ بِأُجْرَةٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِشْرَاكُ فِي الْعِبَادَةِ ، فَمَنْ فَعَلَهُ مِنْ أَجْلِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ عِبَادَةً ، فَلَمْ يَصِحَّ ، مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ، كَأَخْذِ النَّفَقَةِ لِأَجْلِهِ ، وَكَذَا الْوَصِيَّةُ بِزَائِدٍ عَلَيْهَا ، خِلَافًا لِلْفُصُولِ ، قَالَ : لِأَنَّهُ بِمَثَابَةِ إجَارَةٍ وَجَعَالَةٍ ، فَلَا يَجُوزُ ، قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ فِي مَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ : الْجَعَالَةُ أَوْسَعُ ، لِجَوَازِهَا مَعَ جَهَالَةِ الْعَمَلِ وَالْمُدَّةِ ، وَدَلَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ لِأَجْلِ الْعِوَضِ لَا يُخْرِجُهُ ، عَنْ كَوْنِهِ قُرْبَةً فِي الْجُمْلَةِ ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ شَيْخِنَا ; لِأَنَّ مَالَ الْوَقْفِ رِزْقٌ وَمَعُونَةٌ لَا إجَارَةٌ وَلَا جَعَالَةٌ ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ وَغَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ مَا ذَكَرُوا مِنْ أَخْذِ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي ، وَأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْوَقْفِ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِهَذِهِ الْمَصَالِحِ ، وَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ ، مَعَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ لَا يُعْرَفُ فِي السَّلَفِ ، لَكِنْ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ ، كَالْمَدَارِسِ وَالصُّوفِيَّةِ ، فَكَذَا مَنْ يَقْرَأُ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَسَائِلِ الْحَجِّ ، وَقَدْ وَجَّهَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ وَنَحْوَهَا لَا تَصِلُ إلَى الْحَيِّ : بِأَنَّهُ يَفْتَحُ مَفْسَدَةً عَظِيمَةً ، فَإِنَّ الْأَغْنِيَاءَ يَتَّكِلُونَ عَنْ الْأَعْمَالِ بِبَذْلِ الْأَمْوَالِ الَّتِي تُسَهِّلُ لِمَنْ يَنُوبُ عَنْهُمْ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ ، فَيَفُوتُهُمْ أَسْبَابُ الثَّوَابِ بِالِاتِّكَالِ عَلَى الثَّوَابِ ، وَتَخْرُجُ أَعْمَالُ الطَّاعَاتِ 315 عَنْ لُبِّهَا إلَى الْمُعَاوَضَاتِ ، وَيَصِيرُ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ مُعَامَلَاتٍ لِلنَّاسِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ ، وَيَخْرُجُ عَنْ الْإِخْلَاصِ ، وَنَحْنُ عَلَى أَصْلٍ يُخَالِفُ هَذَا ، وَهُوَ مَنْعُ الِاسْتِئْجَارِ وَأَخْذِ الْأَعْوَاضِ وَالْهَدَايَا عَلَى الطَّاعَاتِ ، كَإِقْرَاءِ الْقُرْآنِ وَالْحَجِّ ، وَفَارَقَ قَضَاءَ الدَّيْنِ وَضَمَانَهُ ; لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ ، وَحَقُّ اللَّهِ فِيهِ تَابِعٌ ، فَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى التَّسْوِيَةِ ، وَأَنَّهُ لَوْ جَازَ هُنَاكَ جَازَ هُنَا ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ، وَمَتَى لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ عَلَى ذَلِكَ وَالْوَصِيَّةُ بَقِيَ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ وَالْمُوصِي .
وَقَالَ شَيْخُنَا : لَوْ وَصَّى أَنْ يُصَلِّيَ عَنْهُ نَافِلَةً بِأُجْرَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَ عَنْهُ ، بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ ، كَذَا قَالَ ، وَهِيَ كَالْقِرَاءَةِ ، كَمَا سَبَقَ ، قَالَ : وَيَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى أَهْلِ الصَّلَاةِ ، فَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ كُلِّ صَلَاةٍ اسْتَعَانُوا عَلَيْهَا بِهَا ، مِنْ غَيْرِ نَقْصِ أَجْرِ الْمُصَلِّي ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ : إذَا أَرَادَ الْوَرَثَةُ [ ذَلِكَ ] وَقَالَ فِيمَنْ وَصَّى بِشِرَاءِ وَقْفٍ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ : يُصْرَفُ فِي جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ ، كَإِعْطَاءِ الْفُقَرَاءِ وَالْقُرَّاءِ ، أَوْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ ، فَفِي الَّتِي قَبْلَهَا اعْتَبَرَ جِنْسَ الْمَنْفَعَةِ ، وَهُنَا جَوَّزَهُ فِي الْمَصَالِحِ ، فَهُوَ كَاخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِي الصَّدَقَةِ بِفَاضِلِ رِيعِ الْوَقْفِ ، هَلْ يُعْتَبَرُ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ أَوْ يَجُوزُ فِي الْمَصَالِحِ ؟ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث