الفروع
الفروع · الجزء الثاني
الصفحة 1622 · ص. المطبوع 662 · الشرح
فَصْلٌ وَمَالُ بَيْتِ الْمَالِ إنْ عَلِمَهُ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا ، أَوْ عَلِمَهُمَا فِيهِ ، أَوْ شَكَّ فِي الْحَرَامِ فِيهِ ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا سَبَقَ ، فَلَا يُتَّجَهُ إطْلَاقُ الْحُكْمِ فِيهِ ، لَكِنْ خَرَجَ الْكَلَامُ عَلَى الْغَالِبِ ، وَالْغَالِبُ أَنَّ فِيهِ حَلَالًا وَحَرَامًا ، وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ السَّابِقُ ، فَلِهَذَا كَثُرَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ ، قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : يَجُوزُ الْعَمَلُ مَعَ السُّلْطَانِ وَقَبُولُ جَوَائِزِهِ ، وَقَيَّدَهُ فِي التَّرْغِيبِ بِالْعَادِلِ ، وَقَيَّدَهُ فِي التَّبْصِرَةِ بِمَنْ غَلَبَ عَدْلُهُ ، وَأَنَّهَا تُكْرَهُ ، فِي رِوَايَةٍ ، وَقِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي جَائِزَتِهِ وَمُعَامَلَتِهِ ، فَقَالَ : أَكْرَهُهُمَا ، وَجَائِزَتُهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الصَّدَقَةِ ، وَقَالَ : هِيَ خَيْرٌ مِنْ صِلَةِ الْإِخْوَانِ ، وَأُجْرَةُ التَّعْلِيمِ خَيْرٌ مِنْهُمَا ، ذَكَرَهُ شَيْخُنَا .
وَقَالَ أَيْضًا : لَيْسَ بِحَرَامٍ .
وَقَالَ أَيْضًا : يَمُوتُ بِدِينِهِ وَلَا يَعْمَلُ مَعَهُمْ ، وَقَالَ بِهِجْرَانِهِ ، وَيَخْرُجُهُ إنْ لَمْ يَنْتَهِ ، وَهَجَرَ أَحْمَدُ أَوْلَادَهُ وَعَمَّهُ وَابْنَ عَمِّهِ لَمَّا أَخَذُوهَا ، قَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ يَقْتَضِي جَوَازَ الْهَجْرِ بِأَخْذِ الشُّبْهَةِ ، وَإِنَّمَا أَجَازَهُ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هَجَرَتْ بِمَا فِي مَعْنَاهُ ، كَهَجْرِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ ضَحِكَ فِي جِنَازَةٍ ، وَحُذَيْفَةُ بِشَدِّ الْخَيْطِ لِلْحُمَّى ، وَعُمَرُ أَمَرَ بِهَجْرِ صَبِيغٍ بِسُؤَالِهِ عَنْ الذَّارِيَاتِ وَالْمُرْسَلَاتِ 662 وَالنَّازِعَاتِ .
وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : لِتَنْتَهِ عَائِشَةُ أَوْ لَأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا . فَهَجَرَتْهُ .
وَقَالَ الْخَلَّالُ : كَأَنَّ أَحْمَدَ تَوَسَّعَ عَلَى مَنْ أَخَذَهَا لِحَاجَةٍ ، فَلَمَّا أَخَذُوهَا مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ هَجَرَهُمْ ثُمَّ كَلَّمَهُمْ ، وَهُوَ عِنْدِي عَلَى غَيْرِ قَطْعِ الْمُصَارَمَةِ ; لِأَنَّهُمْ وَإِنْ اسْتَغْنَوْا فَلَهُمْ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ ، وَقِيلَ لِأَحْمَدَ : تَرَى أَنْ يُعِيدَ مَنْ حَجَّ مِنْ الدِّيوَانِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَكَذَا كَرِهَ مُعَامَلَةَ الْجُنْدِيِّ وَإِجَابَةَ دَعَوْته ، وَمُرَادُهُ مَنْ يَتَنَاوَلُ الْحَرَامَ الظَّالِمُ .
وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ فُورَانَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَالِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، فَالزُّهْرِيُّ وَمَكْحُولٌ قَالَا : كُلْ ، فَهَذَا عِنْدِي مِنْ مَالِ السُّلْطَانِ ، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : بَيْتُ الْمَالِ يَدْخُلُهُ الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ فَيَصِلُ إلَى الرَّجُلِ فَيَأْكُلُ مِنْهُ ، فَإِمَّا حَلَالٌ وَحَرَامٌ مِنْ مِيرَاثٍ أَوْ أَفَادَ ذَلِكَ رَجُلٌ مَالًا فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَلَى أَصْحَابِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُمْ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ تَصَدَّقَ بِهِ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ لَا مُسْتَحَقَّ لَهُ مُعَيَّنٌ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ ، وَلِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ ، وَامْتَنَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ فَمِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَعَلَّلَهُ بَعْضُ السَّلَفِ بِأَنَّ بَاقِي الْمُسْتَحَقِّينَ لَمْ يَأْخُذْ ، قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ، قَالَ : وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُ يَأْخُذُ حَقَّهُ وَيَبْقَى حَقُّ أُولَئِكَ ، مَقَامٌ مَعْلُومٌ فِي مَقَامٍ مَظْلُومٍ ، وَلَيْسَ الْمَالُ مُشْتَرَكًا ، وَقَبِلَ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ 663 وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَغَيْرُهُمْ ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَسُئِلَ عُثْمَانُ عَنْ جَوَائِزِ السُّلْطَانِ ، فَقَالَ : لَحْمُ ظَبْيٍ ذَكِيٍّ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَكَانَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ سِوَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يَقْبَلُونَ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ ، وَكَانَ الثَّوْرِيُّ مَعَ وَرَعِهِ وَفَضْلِهِ يَقُولُ : هِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ صِلَةِ الْإِخْوَانِ .
وَمَنْ دَفَعَ جَائِزَتَهُ إلَى آخَرَ فَعِنْدَ أَحْمَدَ لَا يُكْرَهُ لِلثَّانِي ; لِأَنَّهُ إنَّمَا كُرِهَ لِلْأَوَّلِ لِلْمُحَابَاةِ ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، وَتَتَوَجَّهُ تَخْرِيجُهُ عَنْ أَحْمَدَ لِأَجْلِ الشُّبْهَةِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث