البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الثاني
الصفحة 1029 · ص. المطبوع 241 · الشرح
( قَوْلُهُ : وَلَوْ أَخَذَ الْعُشْرَ وَالْخَرَاجَ وَالزَّكَاةَ بُغَاةٌ لَمْ يُؤْخَذْ أُخْرَى ) أَيْ لَمْ يُؤْخَذْ مَرَّةً أُخْرَى ; لِأَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَحْمِهِمْ ، وَالْجِبَايَةُ بِالْحِمَايَةِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَأَفْتَوْا بِأَنْ يُعِيدُوهَا دُونَ الْخَرَاجِ ; لِأَنَّهُمْ مَصَارِفُ الْخَرَاجِ لِكَوْنِهِمْ مُقَاتِلَةً ، وَالزَّكَاةُ مَصْرِفُهَا الْفُقَرَاءُ ، وَلَا يَصْرِفُونَهَا إلَيْهِمْ ، وَقِيلَ : إذَا نَوَى بِالدَّفْعِ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ سَقَطَ عَنْهُ وَكَذَا الدَّفْعُ إلَى كُلِّ جَائِرٍ ; لِأَنَّهُمْ بِمَا عَلَيْهِمْ مِنْ التَّبَعَاتِ فُقَرَاءُ وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ ا هـ .
أَطْلَقَ فِي الزَّكَاةِ فَشَمِلَ الْأَمْوَالَ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ وَلِذَا قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ : الْأَصَحُّ أَنَّ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ إذَا نَوَوْا عِنْدَ الدَّفْعِ إلَى الظَّلَمَةِ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ سَقَطَ عَنْهُمْ جَمِيعُ ذَلِكَ ، وَكَذَا جَمِيعُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الرَّجُلِ مِنْ الْجِبَايَاتِ وَالْمُصَادَرَاتِ ; لِأَنَّ مَا بِأَيْدِيهِمْ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ وَمَا عَلَيْهِمْ مِنْ التَّبَعَاتِ فَوْقَ مَالَهُمْ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْغَارِمِينَ وَالْفُقَرَاءِ حَتَّى قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ : يَجُوزُ دَفْعُ الصَّدَقَةِ لِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ وَالِي خُرَاسَانَ وَكَانَ أَمِيرًا بِبَلْخٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَسَأَلَ فَأَفْتَوْهُ بِالصِّيَامِ فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَقُولُ لِحَشَمِهِ : إنَّهُمْ يَقُولُونَ لِي : مَا عَلَيْك مِنْ التَّبَعَاتِ فَوْقَ مَا لَكَ مِنْ الْمَالِ فَكَفَّارَتُك كَفَّارَةُ يَمِينِ مَنْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ : وَعَلَى هَذَا لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ فَدَفَعَ إلَى السُّلْطَانِ الْجَائِزِ سَقَطَ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ
وَعَلَى هَذَا فَإِنْكَارُهُمْ عَلَى يَحْيَى بْنِ يَحْيَى تِلْمِيذِ مَالِكٍ حَيْثُ أَفْتَى بَعْضَ مُلُوكِ الْمَغَارِبَةِ فِي كَفَّارَةٍ عَلَيْهِ بِالصَّوْمِ غَيْرُ لَازِمٍ وَتَعْلِيلُهُمْ بِأَنَّهُ اعْتِبَارٌ لِلْمُنَاسِبِ الْمَعْلُومِ الْإِلْغَاءِ غَيْرُ لَازِمٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلِاعْتِبَارِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ فَقْرِهِمْ لَا لِكَوْنِهِ أَشَقَّ عَلَيْهِ مِنْ الْإِعْتَاقِ لِيَكُونَ هُوَ الْمُنَاسِبَ الْمَعْلُومَ الْإِلْغَاءِ ، وَكَوْنُهُمْ لَهُمْ مَالٌ ، وَمَا أَخَذُوهُ خَلَطُوهُ بِهِ ، وَذَلِكَ اسْتِهْلَاكٌ إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ عَنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَيَمْلِكُهُ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ حَتَّى قَالُوا : تَجِبُ عَلَيْهِمْ فِيهِ الزَّكَاةُ وَيُورَثُ عَنْهُمْ غَيْرُ ضَائِرٍ لِاشْتِغَالِ ذِمَّتِهِمْ بِمِثْلِهِ ، وَالْمَدْيُونُ بِقَدْرِ مَا فِي يَدِهِ فَقِيرٌ ا هـ .
وَظَاهِرُ مَا صَحَّحَهُ السَّرَخْسِيُّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَصَحَّحَ الْوَلْوَالِجِيُّ عَدَمَ الْجَوَازِ فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ قَالَ : وَبِهِ يُفْتَى ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ وِلَايَةُ الزَّكَاةِ فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ فَلَمْ يَصِحَّ الْأَخْذُ ا هـ .
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ : الْأَفْضَلُ لِصَاحِبِ الْمَالِ الظَّاهِرِ أَنْ يُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ إلَى الْفُقَرَاءِ بِنَفْسِهِ ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَضَعُونَ الزَّكَاةَ مَوَاضِعَهَا فَأَمَّا الْخَرَاجُ فَإِنَّهُمْ يَضَعُونَهُ مَوَاضِعَهُ ; لِأَنَّ مَوْضِعَ الْخَرَاجِ الْمُقَاتِلَةُ وَهَؤُلَاءِ مُقَاتِلَةٌ ا هـ .
وَفِي التَّبْيِينِ وَاشْتِرَاطُ أَخْذِهِمْ الْخَرَاجَ وَنَحْوَهُ وَقَعَ اتِّفَاقًا حَتَّى لَوْ لَمْ يَأْخُذُوا مِنْهُ سِنِينَ ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ شَيْءٌ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا ا هـ .
241 وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ : وَهُوَ عِنْدَهُمْ عَائِدٌ إلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ وَنَحْوُهُ ، وَضَمِيرُ الْجَمَاعَةِ فِي عِنْدَهُمْ عَائِدٌ إلَى الْبُغَاةِ أَيْ وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْبُغَاةِ وَأَطْلَقَ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ فَشَمِلَ الذِّمِّيَّ كَالْمُسْلِمِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَقَامَ فِيهَا سِنِينَ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ الْإِمَامُ الزَّكَاةَ لِعَدَمِ الْحِمَايَةِ وَنُفْتِيهِ بِأَدَائِهَا إنْ كَانَ عَالِمًا بِوُجُوبِهَا وَإِلَّا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ لَمْ يَبْلُغْهُ ، وَهُوَ شَرْطُ الْوُجُوبِ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث