البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الثالث
( فَصْلٌ إنْ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدًا أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ ) . ( قَوْلُهُ : فَأُلْحِقَتْ بِالْقَتْلِ اسْتِحْسَانًا ) الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الدَّلَالَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ دَلَّ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الدَّلَالَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ ، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ ، وَأَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ بِلَفْظِ { هَلْ أَشَرْتُمْ أَوْ أَعَنْتُمْ قَالُوا لَا قَالَ : فَكُلُوا } ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ فِي الْهِدَايَةِ بِالْحَدِيثِ وَوَجَّهَهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَّقَ الْحِلَّ عَلَى عَدَمِ الْإِشَارَةِ ، وَهِيَ تَحْصِيلُ الدَّلَالَةِ بِغَيْرِ اللِّسَانِ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَحِلَّ إذَا دَلَّهُ بِاللَّفْظِ فَقَالَ : هُنَاكَ صَيْدٌ وَنَحْوُهُ . ا هـ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّ إلْحَاقَ الْمَنْعِ عَنْ الدَّلَالَةِ بِالْإِشَارَةِ ثَابِتٌ بِدَلَالَةِ النَّصِّ ; لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْحِلَّ ثَابِتٌ مَعَ عَدَمِ الْإِشَارَةِ فَيَثْبُتُ مَعَ عَدَمِ الدَّلَالَةِ بِالْأَوْلَى ; لِأَنَّهُ لَمَّا عَلَّقَ عَلَى عَدَمِ الْإِشَارَةِ الَّتِي هِيَ أَضْعَفُ مِنْ الدَّلَالَةِ ، وَكَانَتْ الْإِشَارَةُ مَمْنُوعًا عَنْهَا عُلِمَ الْمَنْعُ عَنْ الدَّلَالَةِ الَّتِي هِيَ أَقْوَى بِالْأَوْلَى فَافْهَمْ بَقِيَ أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى حُرْمَةِ اللَّحْمِ بِالدَّلَالَةِ لَكِنْ يَلْزَمُهَا أَنْ تَكُونَ الدَّلَالَةُ مَحْظُورَةً فَهِيَ جِنَايَةٌ عَلَى الْإِحْرَامِ ، وَلَمَّا فَوَّتَتْ الْأَمْنَ عَلَى الصَّيْدِ عَلَى وَجْهٍ اتَّصَلَ الْقَتْلُ بِهَا كَانَ فِيهَا الْجَزَاءُ قِيَاسًا عَلَى الْقَتْلِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْفَتْحِ ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْحُكْمُ ، وَهُوَ الْجَزَاءُ بَلْ ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ خِلَافُ مَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْهِدَايَةِ حَيْثُ عَطَفَ عَلَى الْحَدِيثِ قَوْلَهُ ; وَلِأَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْ مَحْظُورَاتٍ ، وَأَنَّهُ تَفْوِيتُ الْأَمْنِ فَصَارَ كَالْإِتْلَافِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْحَدِيثِ وَالْقِيَاسِ مُثْبِتٌ لَهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ .
وَعَنْ هَذَا اسْتَدَلَّ الْمُؤَلِّفُ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِقَوْلِهِ فَأُلْحِقَتْ بِالْقَتْلِ إلَخْ نَعَمْ . قَوْلُهُ : وَلِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الدَّالِّ عَلَى التَّحْرِيمِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا عَلِمْت ( قَوْلُهُ : وَحَقِيقَةُ الصَّيْدِ حَيَوَانٌ مُمْتَنِعٌ إلَخْ ) ، وَقَدْ يُوجَدُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ وَحْشِيَّةَ الْخِلْقَةِ ، وَفِي 29 بَعْضِهَا مُسْتَأْنَسَةً كَالْجُمُوسِ فَإِنَّهُ فِي بِلَادِ السُّودَانِ مُسْتَوْحِشٌ ، وَلَا يُعْرَفُ مِنْهُ مُسْتَأْنَسٌ عِنْدَهُمْ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَهُ صَرِيحًا ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي بِلَادِ السُّودَانِ صَيْدًا حَتَّى يَحْرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ صَيْدُهُ مَا دَامَ فِي بِلَادِهِمْ . ( قَوْلُهُ : لِلْآيَةِ ) قَالَ : فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَاءَ الْبَحْرِ لَوْ وُجِدَ فِي أَرْضِ الْحَرَمِ يَحِلُّ صَيْدُهُ أَيْضًا لِعُمُومِ الْآيَةِ وَلِشُمُولِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ } ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ حَيْثُ قَالُوا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَحْرُ فِي الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ . ا هـ .
( قَوْلُهُ : وَفِيهِ ) أَيْ الْمُحِيطِ طَيْرُ الْبَحْرِ إلَخْ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ التَّوَالُدُ لَا الْمَثْوَى لَكِنْ رَأَيْت فِي اللُّبَابِ مَا نَصُّهُ ، وَأَمَّا طُيُورُ الْبَحْرِ فَلَا يَحِلُّ اصْطِيَادُهَا ; لِأَنَّ تَوَالُدَهَا فِي الْبَرِّ قَالَ شَارِحُهُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ ( قَوْلُهُ : وَأَطْلَقَ فِي الْقَتْلِ إلَخْ ) قَالَ فِي اللُّبَابِ وَيَسْتَوِي فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَامِدُ وَالنَّاسِي وَالْخَاطِئُ وَالسَّاهِي وَالطَّائِعُ وَالْمُكْرَهُ وَالْمُبْتَدِئُ وَالْعَائِدُ وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَالنَّائِمُ وَالْيَقْظَانُ وَالصَّاحِي وَالسَّكْرَانُ وَالْمُفِيقُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمُبَاشَرَةُ بِالنَّفْسِ أَوْ بِالْغَيْرِ فَلَوْ أَلْبَسَهُ أَحَدٌ أَوْ طَيَّبَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ ، وَهُوَ نَائِمٌ أَوْ لَا فَعَلَى الْمَفْعُولِ الْجَزَاءُ سَوَاءٌ كَانَ بِأَمْرِهِ أَوْ لَا . ا هـ .
وَفِيهِ أَيْضًا : وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ مِنْهَا الْإِسْلَامُ فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ ، وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ ، وَمَجْنُونٍ إلَّا إذَا جُنَّ بَعْدَ الْإِحْرَامِ ، وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ جَزَاءُ مَا ارْتَكَبَهُ فِي الْإِحْرَامِ ، وَلَا عَلَى كَافِرٍ ، وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَيَجِبُ عَلَى الْمَمْلُوكِ الصَّوْمُ فِي الْحَالِ ، وَأَمَّا الدَّمُ وَالصَّدَقَةُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ ، وَمِنْهَا الْقُدْرَةُ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِهِ فَضْلُ مَالٍ عَلَى كِفَايَتِهِ فَحِينَئِذٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ الطَّعَامُ أَوْ الدَّمُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْلُ مَالٍ ، وَلَكِنْ فِي مِلْكِهِ عَيْنُ الْوَاجِبِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ دَمٍ صَالِحٍ لِلتَّكْفِيرِ فَإِذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقُدْرَةِ وَقْتُ الْأَدَاءِ لَا وَقْتُ الْوُجُوبِ . ا هـ .
( قَوْلُهُ : وَأَرَادَ بِالدَّلَالَةِ الْإِعَانَةَ عَلَى قَتْلِهِ ) لَعَلَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى هَذَا مَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ { أَوْ أَعَنْتُمْ } ، وَإِلَّا لَوْ أُرِيدَ بِالدَّلَالَةِ حَقِيقَتُهَا لَمْ يَشْمَلْ غَيْرَهَا وَسَيَأْتِي تَرْجِيحُ وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِإِعَارَةِ سِكِّينٍ وَنَحْوِهَا بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ وَدَخَلَ فِي الدَّلَالَةِ الْإِشَارَةُ أَيْضًا وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ ( قَوْلُهُ : عَلَى الدَّالِّ الْمُحْرِمِ ) قَيَّدَ بِالْمُحْرِمِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الدَّالُّ حَلَالًا فِي صَيْدِ الْحَرَمِ وَالْحِلِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لُبَابٌ قَالَ فِي شَرْحِهِ : وَفِي الْغَايَةِ عَنْ الْخِزَانَةِ لَوْ دَلَّ حَلَالٌ حَلَالًا عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، وَعَلَى الدَّالِّ نِصْفُهَا ، وَقَالَ : أَبُو يُوسُفَ لَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِّ . ا هـ .
وَالْمَذْكُورُ فِي الْمَشَاهِيرِ مِنْ الْكُتُبِ عَدَمُ لُزُومِ 30 شَيْءٍ عَلَى الدَّالِّ مُطْلَقًا عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ . ا هـ .
ثُمَّ قَالَ فِي اللُّبَابِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَدْلُولِ مُحَرَّمًا فَلَوْ دَلَّ مُحْرِمٌ حَلَالًا فِي الْحِلِّ فَقَتَلَهُ فَعَلَى الدَّالِّ الْجَزَاءُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَدْلُولِ ( قَوْلُهُ : وَإِنْ كَانَ آثِمًا مُطْلَقًا ) سَيَأْتِي عَنْ النَّهْرِ أَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ الْإِثْمِ فِيمَا إذَا عَلِمَ الْمُحْرِمُ بِهِ يَعْنِي الْمَدْلُولَ ( قَوْلُهُ : أَنْ يَتَّصِلَ الْقَتْلُ بِدَلَالَتِهِ ) أَيْ يَتَحَصَّلَ بِسَبَبِهَا شَرْحِ اللُّبَابِ ( قَوْلُهُ : وَأَنْ لَا يَنْفَلِتَ الصَّيْدُ ) فَلَوْ انْفَلَتَ ثُمَّ أَخَذَهُ لَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِّ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لُبَابٌ ( قَوْلُهُ : فَتَفَرَّعَ عَلَى الشَّرْطِ الثَّالِثِ مَا فِي الْمُحِيطِ إلَخْ ) ظَهَرَ مِنْ هَذَا التَّفْرِيعِ أَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى التَّصْدِيقِ أَنْ يَقُولَ لَهُ صَدَقْت بَلْ أَنْ لَا يُكَذِّبَهُ .
( قَوْلُهُ : وَإِنْ لَمْ يُكَذِّبْهُ ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُ ) بِأَنْ أَخْبَرَهُ فَلَمْ يَرَهُ كَذَا فِي اللُّبَابِ قَالَ : شَارِحُهُ أَيْ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ إخْبَارَهُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُشَاهَدًا ظَاهِرًا فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ ، وَلَا أَنْ يُكَذِّبَهُ ( قَوْلُهُ : فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِشَارَةَ وَالدَّلَالَةَ إلَخْ ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَدَّمْنَا فِي الْإِحْرَامِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِشَارَةِ وَالدَّلَالَةِ إنَّمَا يَحْرُمُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُحْرِمُ لَا إنْ عَلِمَ ، هُوَ الْأَصَحُّ ، وَقِيلَ يَحْرُمُ مُطْلَقًا ، وَعُلِمَ مِنْهُ ثُبُوتُ حُرْمَةِ الْإِشَارَةِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ اتِّفَاقًا فَيَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ بِهَا بَلْ هِيَ أَقْوَى مِنْ الدَّلَالَةِ ثُمَّ رَأَيْته فِي الْبَدَائِعِ قَالَ : لَوْ دَلَّ عَلَيْهِ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ الْمَدْلُولُ يَرَى الصَّيْدَ أَوْ يَعْلَمُ بِهِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ ، وَإِشَارَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِّ ، وَإِنْ رَآهُ بِدَلَالَتِهِ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَفِي السِّرَاجِ لَوْ أَشَارَ الْمُحْرِمُ لِرَجُلٍ إلَى صَيْدٍ فَقَالَ : خُذْ ذَلِكَ الصَّيْدَ فَأَخَذَهُ وَصَيْدًا كَانَ مَعَهُ فِي الْوَكْرِ فَعَلَى الْآمِرِ الْجَزَاءُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فَقَوْلُهُ إنَّ الْإِشَارَةَ لَا شَيْءَ فِيهَا ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهَا مَمْنُوعٌ ، وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْإِشَارَةِ ، وَعِلْمِ الْمُشَارِ إلَيْهِ قَبْلَهَا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ .
وَالشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الدَّلَالَةِ يَنْبَغِي أَنَّهَا ثَابِتَةٌ فِيهَا بِالْأَوْلَى إذْ لَا مَعْنَى لِتَكْذِيبِهِ مَعَ رُؤْيَتِهِ لَهُ ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِهِمْ صَرِيحًا إلَّا أَنَّ النَّظَرَ الصَّحِيحُ يَقْتَضِيهِ . ا هـ .
قُلْتُ : يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ قَوْلِهِ ، وَأَرَادَ بِالدَّلَالَةِ الْإِعَانَةَ عَلَى قَتْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ دَلَالَةً حَقِيقَةً بِالْإِعْلَامِ بِمَكَانِهِ ، وَهُوَ غَائِبٌ أَوْ لَا فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّلَالَةِ مَا يَعُمُّ الْإِشَارَةَ فَإِنَّ أَصْلَ الدَّلَالَةِ فِي الْغَائِبِ وَالْإِشَارَةَ فِي الْحَاضِرِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ هُنَاكَ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ مَا نَصُّهُ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذِكْرَ الدَّلَالَةِ يُغْنِي عَنْ الْإِشَارَةِ ، وَقَدْ تُخَصُّ الْإِشَارَةُ بِالْحَضْرَةِ وَالدَّلَالَةُ بِالْغَيْبَةِ . ا هـ .
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الدَّلَالَةَ بِالْحَضْرَةِ حَقِيقَةً أَيْضًا ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ أَوَّلًا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحُرْمَةِ عَلَى لُزُومِ الْجَزَاءِ فَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ فَقَدَ أَحَدَ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ يَبْقَى الْإِثْمُ مَعَ عَدَمِ الْجَزَاءِ ، وَكَذَا الرَّفَثُ مَحْظُورٌ مَعَ عَدَمِ الْجَزَاءِ فِيهِ ثُمَّ قَالَ فِي النَّهْرِ ، وَقَوْلُهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ : إلَخْ مَمْنُوعٌ بَلْ الْأَمْرُ مِنْ قَبِيلِ الدَّلَالَةِ فَقَدْ عَلَّلَ فِي السِّرَاجِ مَا فِي الْفَتْحِ مِنْ كَوْنِ الْجَزَاءِ فِي الْأَمْرِ عَلَى الثَّانِي فَقَطْ بِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْقَتْلِ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالدَّلَالَةِ فَلَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا مَا أُمِرَ بِهِ . ا هـ .
فَجُعِلَ الْأَمْرُ الثَّانِي دَلَالَةً ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَهُ فَكَأَنَّهُ كَذَّبَهُ ، وَإِنَّمَا تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ فِي الثَّانِيَةِ بِاعْتِبَارِ الدَّلَالَةِ لَا الْأَمْرُ لِعَدَمِ امْتِثَالِهِ إيَّاهُ فَلَمْ يَبْقَ ثَمَّةَ إلَّا دَلَالَةٌ تَعَدَّدَتْ وَالْأَمْرُ 31 بَعْدَهَا لَيْسَ تَكْذِيبًا لَهَا فَمَا فِي الْفَتْحِ لَا دَلَالَةَ فِيهِ ( قَوْلُهُ : إذَا فُقِدَ شَرْطٌ مِنْهَا إلَخْ ) أَيْ لَوْ فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الدَّلَالَةِ السَّابِقَةِ وَوُجِدَتْ الْإِعَانَةُ لَا يَمْتَنِعُ الْجَزَاءُ بِسَبَبِ الْإِعَانَةِ كَمَا هُنَا فَوُجُوبُ الْجَزَاءِ لِلْإِعَانَةِ لَا لِلدَّلَالَةِ وَجَعَلَ فِي النَّهْرِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ مِمَّا أُلْحِقَ بِالدَّلَالَةِ قَالَ : لَا حَاجَةَ لِمَا فِي الْبَحْرِ ; لِأَنَّ تَعْلِيلَهُ فِي الْمُحِيطِ يَأْبَاهُ . ا هـ .
أَقُولُ : تَفْسِيرُهُ الدَّلَالَةَ فِيمَا مَرَّ بِالْإِعَانَةِ يُغْنِي عَمَّا ذَكَرَهُ هُنَا كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ ( قَوْلُهُ : فَحَمَلَهُ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ إلَخْ ) قَالَ : فِي الْبَدَائِعِ وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالُوا لَوْ أَنَّ مُحْرِمًا رَأَى صَيْدًا ، وَلَهُ قَوْسٌ أَوْ سِلَاحٌ يُقْتَلُ بِهِ ، وَلَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ فَدَلَّهُ مُحْرِمٌ عَلَى سِكِّينِهِ أَوْ عَلَى قَوْسِهِ فَأَخَذَ فَقَتَلَهُ بِهِ إنْ كَانَ يَجِدُ غَيْرَ مَا دَلَّهُ عَلَيْهِ مِمَّا يَقْتُلُ بِهِ لَا يَضْمَنُ الدَّالُّ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ ضَمِنَ . ا هـ .
وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ ( قَوْلُهُ : وَقَدْ يُقَالُ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ إلَخْ ) قَدَّمَ فِي تَعْلِيلِ عَدَمِ لُزُومِ الدَّمِ فِيمَا إذَا نَوَى بِالْجِمَاعِ الثَّانِي رَفْضَ الْحَجِّ الْفَاسِدِ أَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى قَصْدٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ تَعْجِيلُ الْإِحْلَالِ ، وَإِنْ أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلِهِ ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْفَتْحِ ، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْكَافِي أَنَّ التَّأْوِيلَ الْفَاسِدَ مُعْتَبَرٌ فِي رَفْعِ الضَّمَانِ كَالْبَاغِي إذَا أَتْلَفَ مَالَ الْعَادِلِ قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة بَعْدَ التَّعْلِيلِ السَّابِقِ ، وَعَلَى هَذَا سَائِرُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ . ا هـ .
فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْقِيَاسَ عَلَى الْمُحْصَرِ بَلْ مُجَرَّدُ التَّشْبِيهِ تَأَمَّلْ . وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ فَوُجُودُهُ ، وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ مَمْنُوعٌ لِمَا عَلِمْت ، وَقَدَّمْنَا عَنْ اللُّبَابِ تَعْمِيمَ الْمَسْأَلَةِ فِي سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ ، وَأَنَّ نِيَّةَ الرَّفْضِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ بِهَذَا الْقَصْدِ لِجَهْلِهِ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّ إلْحَاقَ الْمَنْعِ عَنْ الدَّلَالَةِ بِالْإِشَارَةِ ثَابِتٌ بِدَلَالَةِ النَّصِّ ; لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْحِلَّ ثَابِتٌ مَعَ عَدَمِ الْإِشَارَةِ فَيَثْبُتُ مَعَ عَدَمِ الدَّلَالَةِ بِالْأَوْلَى ; لِأَنَّهُ لَمَّا عَلَّقَ عَلَى عَدَمِ الْإِشَارَةِ الَّتِي هِيَ أَضْعَفُ مِنْ الدَّلَالَةِ ، وَكَانَتْ الْإِشَارَةُ مَمْنُوعًا عَنْهَا عُلِمَ الْمَنْعُ عَنْ الدَّلَالَةِ الَّتِي هِيَ أَقْوَى بِالْأَوْلَى فَافْهَمْ بَقِيَ أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى حُرْمَةِ اللَّحْمِ بِالدَّلَالَةِ لَكِنْ يَلْزَمُهَا أَنْ تَكُونَ الدَّلَالَةُ مَحْظُورَةً فَهِيَ جِنَايَةٌ عَلَى الْإِحْرَامِ ، وَلَمَّا فَوَّتَتْ الْأَمْنَ عَلَى الصَّيْدِ عَلَى وَجْهٍ اتَّصَلَ الْقَتْلُ بِهَا كَانَ فِيهَا الْجَزَاءُ قِيَاسًا عَلَى الْقَتْلِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْفَتْحِ ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْحُكْمُ ، وَهُوَ الْجَزَاءُ بَلْ ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ خِلَافُ مَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْهِدَايَةِ حَيْثُ عَطَفَ عَلَى الْحَدِيثِ قَوْلَهُ ; وَلِأَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْ مَحْظُورَاتٍ ، وَأَنَّهُ تَفْوِيتُ الْأَمْنِ فَصَارَ كَالْإِتْلَافِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْحَدِيثِ وَالْقِيَاسِ مُثْبِتٌ لَهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ .
وَعَنْ هَذَا اسْتَدَلَّ الْمُؤَلِّفُ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِقَوْلِهِ فَأُلْحِقَتْ بِالْقَتْلِ إلَخْ نَعَمْ . قَوْلُهُ : وَلِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الدَّالِّ عَلَى التَّحْرِيمِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا عَلِمْت ( قَوْلُهُ : وَحَقِيقَةُ الصَّيْدِ حَيَوَانٌ مُمْتَنِعٌ إلَخْ ) ، وَقَدْ يُوجَدُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ وَحْشِيَّةَ الْخِلْقَةِ ، وَفِي 29 بَعْضِهَا مُسْتَأْنَسَةً كَالْجُمُوسِ فَإِنَّهُ فِي بِلَادِ السُّودَانِ مُسْتَوْحِشٌ ، وَلَا يُعْرَفُ مِنْهُ مُسْتَأْنَسٌ عِنْدَهُمْ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَهُ صَرِيحًا ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي بِلَادِ السُّودَانِ صَيْدًا حَتَّى يَحْرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ صَيْدُهُ مَا دَامَ فِي بِلَادِهِمْ . ( قَوْلُهُ : لِلْآيَةِ ) قَالَ : فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَاءَ الْبَحْرِ لَوْ وُجِدَ فِي أَرْضِ الْحَرَمِ يَحِلُّ صَيْدُهُ أَيْضًا لِعُمُومِ الْآيَةِ وَلِشُمُولِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ } ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ حَيْثُ قَالُوا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَحْرُ فِي الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ . ا هـ .
( قَوْلُهُ : وَفِيهِ ) أَيْ الْمُحِيطِ طَيْرُ الْبَحْرِ إلَخْ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ التَّوَالُدُ لَا الْمَثْوَى لَكِنْ رَأَيْت فِي اللُّبَابِ مَا نَصُّهُ ، وَأَمَّا طُيُورُ الْبَحْرِ فَلَا يَحِلُّ اصْطِيَادُهَا ; لِأَنَّ تَوَالُدَهَا فِي الْبَرِّ قَالَ شَارِحُهُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ ( قَوْلُهُ : وَأَطْلَقَ فِي الْقَتْلِ إلَخْ ) قَالَ فِي اللُّبَابِ وَيَسْتَوِي فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَامِدُ وَالنَّاسِي وَالْخَاطِئُ وَالسَّاهِي وَالطَّائِعُ وَالْمُكْرَهُ وَالْمُبْتَدِئُ وَالْعَائِدُ وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَالنَّائِمُ وَالْيَقْظَانُ وَالصَّاحِي وَالسَّكْرَانُ وَالْمُفِيقُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمُبَاشَرَةُ بِالنَّفْسِ أَوْ بِالْغَيْرِ فَلَوْ أَلْبَسَهُ أَحَدٌ أَوْ طَيَّبَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ ، وَهُوَ نَائِمٌ أَوْ لَا فَعَلَى الْمَفْعُولِ الْجَزَاءُ سَوَاءٌ كَانَ بِأَمْرِهِ أَوْ لَا . ا هـ .
وَفِيهِ أَيْضًا : وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ مِنْهَا الْإِسْلَامُ فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ ، وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ ، وَمَجْنُونٍ إلَّا إذَا جُنَّ بَعْدَ الْإِحْرَامِ ، وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ جَزَاءُ مَا ارْتَكَبَهُ فِي الْإِحْرَامِ ، وَلَا عَلَى كَافِرٍ ، وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَيَجِبُ عَلَى الْمَمْلُوكِ الصَّوْمُ فِي الْحَالِ ، وَأَمَّا الدَّمُ وَالصَّدَقَةُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ ، وَمِنْهَا الْقُدْرَةُ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِهِ فَضْلُ مَالٍ عَلَى كِفَايَتِهِ فَحِينَئِذٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ الطَّعَامُ أَوْ الدَّمُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْلُ مَالٍ ، وَلَكِنْ فِي مِلْكِهِ عَيْنُ الْوَاجِبِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ دَمٍ صَالِحٍ لِلتَّكْفِيرِ فَإِذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقُدْرَةِ وَقْتُ الْأَدَاءِ لَا وَقْتُ الْوُجُوبِ . ا هـ .
( قَوْلُهُ : وَأَرَادَ بِالدَّلَالَةِ الْإِعَانَةَ عَلَى قَتْلِهِ ) لَعَلَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى هَذَا مَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ { أَوْ أَعَنْتُمْ } ، وَإِلَّا لَوْ أُرِيدَ بِالدَّلَالَةِ حَقِيقَتُهَا لَمْ يَشْمَلْ غَيْرَهَا وَسَيَأْتِي تَرْجِيحُ وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِإِعَارَةِ سِكِّينٍ وَنَحْوِهَا بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ وَدَخَلَ فِي الدَّلَالَةِ الْإِشَارَةُ أَيْضًا وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ ( قَوْلُهُ : عَلَى الدَّالِّ الْمُحْرِمِ ) قَيَّدَ بِالْمُحْرِمِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الدَّالُّ حَلَالًا فِي صَيْدِ الْحَرَمِ وَالْحِلِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لُبَابٌ قَالَ فِي شَرْحِهِ : وَفِي الْغَايَةِ عَنْ الْخِزَانَةِ لَوْ دَلَّ حَلَالٌ حَلَالًا عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، وَعَلَى الدَّالِّ نِصْفُهَا ، وَقَالَ : أَبُو يُوسُفَ لَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِّ . ا هـ .
وَالْمَذْكُورُ فِي الْمَشَاهِيرِ مِنْ الْكُتُبِ عَدَمُ لُزُومِ 30 شَيْءٍ عَلَى الدَّالِّ مُطْلَقًا عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ . ا هـ .
ثُمَّ قَالَ فِي اللُّبَابِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَدْلُولِ مُحَرَّمًا فَلَوْ دَلَّ مُحْرِمٌ حَلَالًا فِي الْحِلِّ فَقَتَلَهُ فَعَلَى الدَّالِّ الْجَزَاءُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَدْلُولِ ( قَوْلُهُ : وَإِنْ كَانَ آثِمًا مُطْلَقًا ) سَيَأْتِي عَنْ النَّهْرِ أَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ الْإِثْمِ فِيمَا إذَا عَلِمَ الْمُحْرِمُ بِهِ يَعْنِي الْمَدْلُولَ ( قَوْلُهُ : أَنْ يَتَّصِلَ الْقَتْلُ بِدَلَالَتِهِ ) أَيْ يَتَحَصَّلَ بِسَبَبِهَا شَرْحِ اللُّبَابِ ( قَوْلُهُ : وَأَنْ لَا يَنْفَلِتَ الصَّيْدُ ) فَلَوْ انْفَلَتَ ثُمَّ أَخَذَهُ لَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِّ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لُبَابٌ ( قَوْلُهُ : فَتَفَرَّعَ عَلَى الشَّرْطِ الثَّالِثِ مَا فِي الْمُحِيطِ إلَخْ ) ظَهَرَ مِنْ هَذَا التَّفْرِيعِ أَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى التَّصْدِيقِ أَنْ يَقُولَ لَهُ صَدَقْت بَلْ أَنْ لَا يُكَذِّبَهُ .
( قَوْلُهُ : وَإِنْ لَمْ يُكَذِّبْهُ ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُ ) بِأَنْ أَخْبَرَهُ فَلَمْ يَرَهُ كَذَا فِي اللُّبَابِ قَالَ : شَارِحُهُ أَيْ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ إخْبَارَهُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُشَاهَدًا ظَاهِرًا فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ ، وَلَا أَنْ يُكَذِّبَهُ ( قَوْلُهُ : فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِشَارَةَ وَالدَّلَالَةَ إلَخْ ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَدَّمْنَا فِي الْإِحْرَامِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِشَارَةِ وَالدَّلَالَةِ إنَّمَا يَحْرُمُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُحْرِمُ لَا إنْ عَلِمَ ، هُوَ الْأَصَحُّ ، وَقِيلَ يَحْرُمُ مُطْلَقًا ، وَعُلِمَ مِنْهُ ثُبُوتُ حُرْمَةِ الْإِشَارَةِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ اتِّفَاقًا فَيَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ بِهَا بَلْ هِيَ أَقْوَى مِنْ الدَّلَالَةِ ثُمَّ رَأَيْته فِي الْبَدَائِعِ قَالَ : لَوْ دَلَّ عَلَيْهِ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ الْمَدْلُولُ يَرَى الصَّيْدَ أَوْ يَعْلَمُ بِهِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ ، وَإِشَارَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِّ ، وَإِنْ رَآهُ بِدَلَالَتِهِ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَفِي السِّرَاجِ لَوْ أَشَارَ الْمُحْرِمُ لِرَجُلٍ إلَى صَيْدٍ فَقَالَ : خُذْ ذَلِكَ الصَّيْدَ فَأَخَذَهُ وَصَيْدًا كَانَ مَعَهُ فِي الْوَكْرِ فَعَلَى الْآمِرِ الْجَزَاءُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فَقَوْلُهُ إنَّ الْإِشَارَةَ لَا شَيْءَ فِيهَا ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهَا مَمْنُوعٌ ، وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْإِشَارَةِ ، وَعِلْمِ الْمُشَارِ إلَيْهِ قَبْلَهَا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ .
وَالشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الدَّلَالَةِ يَنْبَغِي أَنَّهَا ثَابِتَةٌ فِيهَا بِالْأَوْلَى إذْ لَا مَعْنَى لِتَكْذِيبِهِ مَعَ رُؤْيَتِهِ لَهُ ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِهِمْ صَرِيحًا إلَّا أَنَّ النَّظَرَ الصَّحِيحُ يَقْتَضِيهِ . ا هـ .
قُلْتُ : يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ قَوْلِهِ ، وَأَرَادَ بِالدَّلَالَةِ الْإِعَانَةَ عَلَى قَتْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ دَلَالَةً حَقِيقَةً بِالْإِعْلَامِ بِمَكَانِهِ ، وَهُوَ غَائِبٌ أَوْ لَا فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّلَالَةِ مَا يَعُمُّ الْإِشَارَةَ فَإِنَّ أَصْلَ الدَّلَالَةِ فِي الْغَائِبِ وَالْإِشَارَةَ فِي الْحَاضِرِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ هُنَاكَ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ مَا نَصُّهُ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذِكْرَ الدَّلَالَةِ يُغْنِي عَنْ الْإِشَارَةِ ، وَقَدْ تُخَصُّ الْإِشَارَةُ بِالْحَضْرَةِ وَالدَّلَالَةُ بِالْغَيْبَةِ . ا هـ .
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الدَّلَالَةَ بِالْحَضْرَةِ حَقِيقَةً أَيْضًا ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ أَوَّلًا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحُرْمَةِ عَلَى لُزُومِ الْجَزَاءِ فَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ فَقَدَ أَحَدَ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ يَبْقَى الْإِثْمُ مَعَ عَدَمِ الْجَزَاءِ ، وَكَذَا الرَّفَثُ مَحْظُورٌ مَعَ عَدَمِ الْجَزَاءِ فِيهِ ثُمَّ قَالَ فِي النَّهْرِ ، وَقَوْلُهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ : إلَخْ مَمْنُوعٌ بَلْ الْأَمْرُ مِنْ قَبِيلِ الدَّلَالَةِ فَقَدْ عَلَّلَ فِي السِّرَاجِ مَا فِي الْفَتْحِ مِنْ كَوْنِ الْجَزَاءِ فِي الْأَمْرِ عَلَى الثَّانِي فَقَطْ بِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْقَتْلِ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالدَّلَالَةِ فَلَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا مَا أُمِرَ بِهِ . ا هـ .
فَجُعِلَ الْأَمْرُ الثَّانِي دَلَالَةً ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَهُ فَكَأَنَّهُ كَذَّبَهُ ، وَإِنَّمَا تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ فِي الثَّانِيَةِ بِاعْتِبَارِ الدَّلَالَةِ لَا الْأَمْرُ لِعَدَمِ امْتِثَالِهِ إيَّاهُ فَلَمْ يَبْقَ ثَمَّةَ إلَّا دَلَالَةٌ تَعَدَّدَتْ وَالْأَمْرُ 31 بَعْدَهَا لَيْسَ تَكْذِيبًا لَهَا فَمَا فِي الْفَتْحِ لَا دَلَالَةَ فِيهِ ( قَوْلُهُ : إذَا فُقِدَ شَرْطٌ مِنْهَا إلَخْ ) أَيْ لَوْ فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الدَّلَالَةِ السَّابِقَةِ وَوُجِدَتْ الْإِعَانَةُ لَا يَمْتَنِعُ الْجَزَاءُ بِسَبَبِ الْإِعَانَةِ كَمَا هُنَا فَوُجُوبُ الْجَزَاءِ لِلْإِعَانَةِ لَا لِلدَّلَالَةِ وَجَعَلَ فِي النَّهْرِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ مِمَّا أُلْحِقَ بِالدَّلَالَةِ قَالَ : لَا حَاجَةَ لِمَا فِي الْبَحْرِ ; لِأَنَّ تَعْلِيلَهُ فِي الْمُحِيطِ يَأْبَاهُ . ا هـ .
أَقُولُ : تَفْسِيرُهُ الدَّلَالَةَ فِيمَا مَرَّ بِالْإِعَانَةِ يُغْنِي عَمَّا ذَكَرَهُ هُنَا كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ ( قَوْلُهُ : فَحَمَلَهُ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ إلَخْ ) قَالَ : فِي الْبَدَائِعِ وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالُوا لَوْ أَنَّ مُحْرِمًا رَأَى صَيْدًا ، وَلَهُ قَوْسٌ أَوْ سِلَاحٌ يُقْتَلُ بِهِ ، وَلَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ فَدَلَّهُ مُحْرِمٌ عَلَى سِكِّينِهِ أَوْ عَلَى قَوْسِهِ فَأَخَذَ فَقَتَلَهُ بِهِ إنْ كَانَ يَجِدُ غَيْرَ مَا دَلَّهُ عَلَيْهِ مِمَّا يَقْتُلُ بِهِ لَا يَضْمَنُ الدَّالُّ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ ضَمِنَ . ا هـ .
وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ ( قَوْلُهُ : وَقَدْ يُقَالُ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ إلَخْ ) قَدَّمَ فِي تَعْلِيلِ عَدَمِ لُزُومِ الدَّمِ فِيمَا إذَا نَوَى بِالْجِمَاعِ الثَّانِي رَفْضَ الْحَجِّ الْفَاسِدِ أَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى قَصْدٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ تَعْجِيلُ الْإِحْلَالِ ، وَإِنْ أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلِهِ ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْفَتْحِ ، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْكَافِي أَنَّ التَّأْوِيلَ الْفَاسِدَ مُعْتَبَرٌ فِي رَفْعِ الضَّمَانِ كَالْبَاغِي إذَا أَتْلَفَ مَالَ الْعَادِلِ قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة بَعْدَ التَّعْلِيلِ السَّابِقِ ، وَعَلَى هَذَا سَائِرُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ . ا هـ .
فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْقِيَاسَ عَلَى الْمُحْصَرِ بَلْ مُجَرَّدُ التَّشْبِيهِ تَأَمَّلْ . وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ فَوُجُودُهُ ، وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ مَمْنُوعٌ لِمَا عَلِمْت ، وَقَدَّمْنَا عَنْ اللُّبَابِ تَعْمِيمَ الْمَسْأَلَةِ فِي سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ ، وَأَنَّ نِيَّةَ الرَّفْضِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ بِهَذَا الْقَصْدِ لِجَهْلِهِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث