البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الرابع
الصفحة 2475 · ص. المطبوع 313 · الشرح
( قَوْلُهُ : لَا تَقُولُ أَحْلِفُ 313 بِاَللَّهِ كَمَا تَقُولُ أَحْلِفُ وَاَللَّهِ ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهِيَ مَقْلُوبَةٌ ، وَفِي بَعْضِهَا لَا تَقُولُ أَحْلِفُ وَاَللَّهِ كَمَا تَقُولُ أَحْلِفُ بِاَللَّهِ . ( قَوْلُهُ : لِأَنَّ الْإِضْمَارَ يَبْقَى أَثَرُهُ إلَخْ ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا بِمَعْزِلٍ عَنْ التَّحْقِيقِ ; لِأَنَّهُ كَمَا يَكُونُ حَالِفًا مَعَ بَقَاءِ الْأَثَرِ يَكُونُ أَيْضًا حَالِفًا مَعَ النَّصْبِ بَلْ هُوَ الْكَثِيرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَذَاكَ شَاذٌّ ، وَالْتِزَامُ ذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ لِلْفُقَهَاءِ غَيْرُ لَازِمٍ ا هـ .
قَالَ مُحَشِّي مِسْكِينٍ : أَقُولُ : فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَمَّا أَوَّلًا فَمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْبَحْرِ مِنْ التَّعْلِيلِ بِأَنَّهُ يَكُونُ حَالِفًا مَعَ الْحَذْفِ أَيْضًا يَقْتَضِي أَنَّ صَاحِبَ الْبَحْرِ لَا يَقُولُ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِمَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ الْحَمَوِيُّ عَنْ الْمُغْنِي مِنْ أَنَّ حَذْفَ الْجَارِّ وَبَقَاءَ عَمَلِهِ شَاذٌّ فِي غَيْرِ الْقَسَمِ أَمَّا فِي الْقَسَمِ فَمُطَّرِدٌ ا هـ .
وَلَا يَخْفَى عَلَيْك سُقُوطُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ إبْدَاءَ وَجْهِ الْعُدُولِ عَنْ الْحَذْفِ إلَى الْإِضْمَارِ بِبَقَاءِ أَثَرِهِ يُوهِمُ أَنَّهُ مَعَ النَّصْبِ لَا يَكُونُ حَالِفًا إلَّا أَنْ يُقَالَ : إنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ فِي حَالَةِ الْجَرِّ يَبْقَى الْأَثَرُ فَيَكُونُ كَحَالَةِ بَقَاءِ الْحَرْفِ ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْحَذْفِ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ مَنْصُوبًا . ( قَوْلُهُ : وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا نَصَبَ ) أَيْ نَصَبَ قَوْلَهُ : اللَّهَ لَا أَفْعَلُ ( قَوْلُهُ : وَهُوَ اللَّامُ وَالنُّونُ ) قَالَ الرَّمْلِيُّ : أَيْ لَا بُدَّ مِنْهُمَا عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالْفَارِسِيُّ : يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا ذَكَرَهُ الْأَسْنَائِيُّ فِي الْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ ( قَوْلُهُ : حَتَّى لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ أَفْعَلُ كَذَا الْيَوْمَ فَلَمْ يَفْعَلْ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إلَخْ ) قَالَ الرَّمْلِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ نَحْوَهُ عَنْ الِاخْتِيَارِ : قَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ الْمَنْظُومِ : أَقُولُ : عَلَى هَذَا أَكْثَرُ مَا يَقَعُ مِنْ الْعَوَامّ لَا يَكُونُ يَمِينًا لِعَدَمِ اللَّامِ وَالنُّونِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمْ فِيهَا لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَهُمْ لِتَعَارُفِهِمْ الْحَلِفَ بِذَلِكَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ سَكَّنَ الْهَاءَ أَوْ رَفَعَ ، أَوْ نَصَبَ فِي بِاَللَّهِ يَكُونُ يَمِينًا مَعَ أَنَّ الْعَرَبَ مَا نَطَقَتْ بِغَيْرِ الْجَرِّ فَلْيُتَأَمَّلْ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ يَمِينًا ، وَإِنْ خَلَا مِنْ اللَّامِ وَالنُّونِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ : سُبْحَانَ اللَّهِ أَفْعَلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَفْعَلُ كَذَا لَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ ا هـ .
أَقُولُ : قَوْلُهُ " عَلَى هَذَا مَا يَقَعُ مِنْ الْعَوَامّ لَا يَكُونُ يَمِينًا " ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ جَمِيعًا أَنَّهُ يَمِينٌ لَكِنْ عَلَى النَّفْيِ لَا عَلَى الْإِثْبَاتِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَاَللَّهِ أَفْعَلُ أَيْ لَا أَفْعَلُ هَذَا وَلَا دَلَالَةَ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ والولوالجية لِمُدَّعَاهُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ إعْرَابِيٌّ لَا يَمْنَعُ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعَ فَلَا يَضُرُّ تَسْكِينُ الْهَاءِ وَلَا رَفْعُهَا وَلَا نَصْبُهَا وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ اللَّحْنَ لَا يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ إذْ الْمُتَنَازَعُ الْإِثْبَاتُ ، وَالنَّفْيُ ، لَا أَنَّهُ يَمِينٌ فَكِلَا النَّقْلَيْنِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُدَّعَى فَتَأَمَّلْ 314 كَلَامَهُ فَإِنَّهُ ظَاهِرُ النَّقْلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَالنَّقْلُ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ ا هـ .
أَقُولُ : مُرَادُ الْمَقْدِسِيَّ بِقَوْلِهِ لَا يَكُونُ يَمِينًا أَيْ عَلَى الْإِثْبَاتِ كَمَا هُوَ مُرَادُ الْحَالِفِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمْ فِيهَا أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ تَرْكِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَمَا اعْتَرَضَهُ الرَّمْلِيُّ فِيهِ نَظَرٌ : أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ جُمْلَةِ اللَّحْنِ فَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْقَامُوسِ بِالْخَطَأِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ مُرَادَهُ بِالِاسْتِشْهَادِ بِمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ جَعَلَهُ يَمِينًا مَعَ النِّيَّةِ مَعَ أَنَّهُ مُثْبَتٌ ، وَحَرْفَ التَّوْكِيدِ مَفْقُودٌ فِيهِ هَذَا وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ : مَا بَحَثَهُ الْمَقْدِسِيَّ وَجِيهٌ وَقَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ إنَّهُ يُصَادِمُ الْمَنْقُولَ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْمَذْهَبِ كَانَ عَلَى عُرْفِ صَدْرِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَتَغَيَّرَ اللُّغَةُ وَأَمَّا الْآنَ فَلَا يَأْتُونَ بِاللَّامِ وَالنُّونِ فِي مُثْبَتِ الْقَسَمِ أَصْلًا وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ بِوُجُودِ لَا وَعَدَمِهَا ، وَمَا اصْطِلَاحُهُمْ عَلَى هَذَا إلَّا كَاصْطِلَاحِ لُغَةِ الْفُرْسِ وَنَحْوِهَا فِي الْأَيْمَانِ لِمَنْ تَدَبَّرَ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث