البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الخامس
( قَوْلُهُ وَارْتِدَادُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ صَحِيحٌ كَإِسْلَامِهِ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ وَلَا يُقْتَلُ ) بَيَانٌ لِإِسْلَامِ الصَّبِيِّ وَرِدَّتِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ فِي الْإِسْلَامِ تَبَعٌ لِأَبَوَيْهِ فِيهِ فَلَا يُجْعَلُ أَصْلًا وَلَا نُلْزِمُهُ أَحْكَامًا يَشُوبُهَا الْمَضَرَّةُ فَلَا يُؤَهَّلُ لَهُ وَلَنَا أَنَّ { عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَسْلَمَ فِي صِبَاهُ وَصَحَّحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إسْلَامَهُ } وَافْتِخَارُهُ بِذَلِكَ مَشْهُورٌ وَلِأَنَّهُ أَتَى بِحَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ مَعَهُ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ عَنْ طَوْعٍ دَلِيلٌ عَلَى الِاعْتِقَادِ عَلَى مَا عُرِفَ وَالْحَقَائِقُ لَا تُرَدُّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ سَعَادَةٌ أَبَدِيَّةٌ وَنَجَاةٌ عَقْبَاوِيَّةٌ وَهُوَ مِنْ أَجْلِ الْمَنَافِعِ وَهُوَ الْحُكْمُ 150 الْأَصْلِيُّ ثُمَّ يُبْتَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهَا فَلَا يُبَالِي بِمَا يَشُوبُهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَيَجِبُ الْقَصْدُ إلَى تَصْدِيقٍ وَإِقْرَارٍ يَسْقُطُ بِهِ وَلَا يَكْفِيهِ اسْتِصْحَابُ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ التَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ غَيْرِ الْمَنْوِيِّ بِهِ إسْقَاطُ الْفَرْضِ كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى الصَّلَاةِ قَبْلَ بُلُوغِهِ لَا يَكُونُ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ بَلْ لَا يَكْفِيهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ مِنْهَا إلَّا مَا قَرَنَهُ بِنِيَّةِ أَدَاءِ الْوَاجِبِ امْتِثَالًا لَكِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ بَلْ يَقَعُ فَرْضًا قَبْلَ الْبُلُوغِ أَمَّا عِنْدَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فَلِأَنَّهُ يَثْبُتُ أَصْلُ الْوُجُوبِ عَلَى الصَّبِيِّ بِالسَّبَبِ وَهُوَ حَدَثُ الْعَالِمِ وَعَقْلِيَّةُ دَلَالَتِهِ دُونَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ لِأَنَّهُ بِالْخِطَابِ وَهُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ فَإِذَا وُجِدَ بَعْدَ السَّبَبِ وَقَعَ الْفَرْضُ كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ .
وَأَمَّا عِنْدَ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ لَا وُجُوبَ أَصْلًا لِعَدَمِ حُكْمِهِ وَهُوَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ فَإِذَا وُجِدَ كَالْمُسَافِرِ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ فَيَسْقُطُ فَرْضُهُ وَلَيْسَتْ الْجُمُعَةُ فَرْضًا عَلَيْهِ لَكِنَّ ذَلِكَ لِلتَّرْفِيَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ سَبَبِهَا فَإِذَا فَعَلَهَا تَمَّ وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي عَدَمِ وُجُوبِ نِيَّةِ فَرْضِ الْإِيمَانِ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى قَوْلِ مَنْ حُكِمَ بِصِحَّةِ إسْلَامِهِ صَبِيًّا تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ الْمُسْلِمَيْنِ أَوْ لِإِسْلَامِهِ وَأَبَوَاهُ كَافِرَانِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فَرْضًا لَمْ يَنْقُلْهُ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ عَنْ آخِرِهِمْ ا هـ .
وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَوْلَ الثَّالِثَ الْمُخْتَارَ عِنْدَ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ وَهُوَ أَنَّ الصَّبِيَّ الْعَاقِلَ مُخَاطَبٌ بِأَدَاءِ الْإِيمَانِ كَالْبَالِغِ حَتَّى لَوْ مَاتَ بَعْدَهُ بِلَا إيمَانٍ خَلَدَ فِي النَّارِ ذَكَرَهُ فِي التَّجْرِيدِ وَأَمَّا الثَّانِي أَعْنِي رِدَّتَهُ فَفِيهَا خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ نَظَرًا إلَى أَنَّهَا مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ وَلَهُمَا أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ حَقِيقَةً وَلَا مَرَدَّ لِلْحَقِيقَةِ كَمَا قُلْنَا فِي الْإِسْلَامِ وَالْخِلَافُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ مُرْتَدٌّ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْمَنَارِ الْمُسَمَّى بِتَعْلِيقِ الْأَنْوَارِ فِي أُصُولِ الْمَنَار مَعْزِيًّا إلَى التَّلْوِيحِ وَبِهِ ظَهَرَ مَا فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ إذَا ارْتَدَّ كَانَ مُعَذَّبًا فِي الْآخِرَةِ مُخَلَّدًا وَنَقَلُوهُ عَنْ الْأَسْرَارِ وَالْمَبْسُوطِ وَجَامِعِ التُّمُرْتَاشِيِّ وَأَحَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ إلَى التَّبْصِرَةِ .
وَإِنَّمَا لَا يُقْتَلُ إذَا أَبَى عَنْ الْإِسْلَامِ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ إسْلَامِهِ لَكِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ الْمُتَيَقَّنِ وَهُنَا مَسَائِلُ لَا يُقْتَلُ فِيهَا الْمُرْتَدُّ الْأُولَى هَذِهِ وَالثَّانِيَةُ الَّذِي إسْلَامُهُ بِالتَّبَعِيَّةِ لِأَبَوَيْهِ إذَا بَلَغَ مُرْتَدًّا اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ إسْلَامَهُ لَمَّا كَانَ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ صَارَ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ الثَّالِثَةُ إذَا أَسْلَمَ فِي صِغَرِهِ ثُمَّ بَلَغَ مُرْتَدًّا اسْتِحْسَانًا لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي إسْلَامِهِ الرَّابِعَةُ الْمُكْرَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا ارْتَدَّ لَا يُقْتَلُ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ الشُّبْهَةَ بِالْإِكْرَاهِ مُسْقِطَةٌ لِلْقَتْلِ وَفِي الْكُلِّ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَزَادَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ خَامِسَةٌ اللَّقِيطُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ وَلَوْ بَلَغَ كَافِرًا أُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يُقْتَلُ كَالْمَوْلُودِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إذَا بَلَغَ كَافِرًا ا هـ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ السَّكْرَانَ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ لَا يُقْتَلُ قَيَّدَ بِالْعَاقِلِ لِأَنَّ ارْتِدَادَ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ غَيْرُ صَحِيحٍ كَإِسْلَامِهِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى تَغْيِيرِ الْعَقِيدَةِ وَكَذَا الْمَجْنُونُ وَالسَّكْرَانُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَقَدَّمْنَا حُكْمَ مَنْ جُنُونُهُ مُتَقَطِّعٌ وَخَرَجَ عَنْ هَذَا إسْلَامُ السَّكْرَانِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا عِنْدَ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ لَا وُجُوبَ أَصْلًا لِعَدَمِ حُكْمِهِ وَهُوَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ فَإِذَا وُجِدَ كَالْمُسَافِرِ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ فَيَسْقُطُ فَرْضُهُ وَلَيْسَتْ الْجُمُعَةُ فَرْضًا عَلَيْهِ لَكِنَّ ذَلِكَ لِلتَّرْفِيَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ سَبَبِهَا فَإِذَا فَعَلَهَا تَمَّ وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي عَدَمِ وُجُوبِ نِيَّةِ فَرْضِ الْإِيمَانِ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى قَوْلِ مَنْ حُكِمَ بِصِحَّةِ إسْلَامِهِ صَبِيًّا تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ الْمُسْلِمَيْنِ أَوْ لِإِسْلَامِهِ وَأَبَوَاهُ كَافِرَانِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فَرْضًا لَمْ يَنْقُلْهُ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ عَنْ آخِرِهِمْ ا هـ .
وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَوْلَ الثَّالِثَ الْمُخْتَارَ عِنْدَ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ وَهُوَ أَنَّ الصَّبِيَّ الْعَاقِلَ مُخَاطَبٌ بِأَدَاءِ الْإِيمَانِ كَالْبَالِغِ حَتَّى لَوْ مَاتَ بَعْدَهُ بِلَا إيمَانٍ خَلَدَ فِي النَّارِ ذَكَرَهُ فِي التَّجْرِيدِ وَأَمَّا الثَّانِي أَعْنِي رِدَّتَهُ فَفِيهَا خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ نَظَرًا إلَى أَنَّهَا مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ وَلَهُمَا أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ حَقِيقَةً وَلَا مَرَدَّ لِلْحَقِيقَةِ كَمَا قُلْنَا فِي الْإِسْلَامِ وَالْخِلَافُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ مُرْتَدٌّ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْمَنَارِ الْمُسَمَّى بِتَعْلِيقِ الْأَنْوَارِ فِي أُصُولِ الْمَنَار مَعْزِيًّا إلَى التَّلْوِيحِ وَبِهِ ظَهَرَ مَا فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ إذَا ارْتَدَّ كَانَ مُعَذَّبًا فِي الْآخِرَةِ مُخَلَّدًا وَنَقَلُوهُ عَنْ الْأَسْرَارِ وَالْمَبْسُوطِ وَجَامِعِ التُّمُرْتَاشِيِّ وَأَحَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ إلَى التَّبْصِرَةِ .
وَإِنَّمَا لَا يُقْتَلُ إذَا أَبَى عَنْ الْإِسْلَامِ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ إسْلَامِهِ لَكِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ الْمُتَيَقَّنِ وَهُنَا مَسَائِلُ لَا يُقْتَلُ فِيهَا الْمُرْتَدُّ الْأُولَى هَذِهِ وَالثَّانِيَةُ الَّذِي إسْلَامُهُ بِالتَّبَعِيَّةِ لِأَبَوَيْهِ إذَا بَلَغَ مُرْتَدًّا اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ إسْلَامَهُ لَمَّا كَانَ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ صَارَ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ الثَّالِثَةُ إذَا أَسْلَمَ فِي صِغَرِهِ ثُمَّ بَلَغَ مُرْتَدًّا اسْتِحْسَانًا لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي إسْلَامِهِ الرَّابِعَةُ الْمُكْرَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا ارْتَدَّ لَا يُقْتَلُ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ الشُّبْهَةَ بِالْإِكْرَاهِ مُسْقِطَةٌ لِلْقَتْلِ وَفِي الْكُلِّ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَزَادَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ خَامِسَةٌ اللَّقِيطُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ وَلَوْ بَلَغَ كَافِرًا أُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يُقْتَلُ كَالْمَوْلُودِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إذَا بَلَغَ كَافِرًا ا هـ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ السَّكْرَانَ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ لَا يُقْتَلُ قَيَّدَ بِالْعَاقِلِ لِأَنَّ ارْتِدَادَ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ غَيْرُ صَحِيحٍ كَإِسْلَامِهِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى تَغْيِيرِ الْعَقِيدَةِ وَكَذَا الْمَجْنُونُ وَالسَّكْرَانُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَقَدَّمْنَا حُكْمَ مَنْ جُنُونُهُ مُتَقَطِّعٌ وَخَرَجَ عَنْ هَذَا إسْلَامُ السَّكْرَانِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث