البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الخامس
( قَوْلُهُ وَمَنْ بَاعَ صُبْرَةً كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ صَحَّ فِي صَاعٍ ) يَعْنِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ جَمِيعَ قُفْزَانِهَا أَوْ جَمِيعَ ثَمَنِهَا ، وَقَالَا يَصِحُّ مُطْلَقًا لَهُ أَنَّهُ تَعَذَّرَ الصَّرْفُ إلَى الْكُلِّ لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ فَيَنْصَرِفُ إلَى الْأَقَلِّ وَهُوَ مَعْلُومٌ إلَّا أَنْ تَزُولَ الْجَهَالَةُ بِتَسْمِيَةِ جَمِيعِ الْقُفْزَانِ أَوْ بِالْكَيْلِ فِي الْمَجْلِسِ وَلَهُمَا أَنَّ الْجَهَالَةَ بِيَدِهِمَا إزَالَتُهَا وَمِثْلُهَا غَيْرُ مَانِعٍ كَمَا إذَا بَاعَ عَبْدًا مِنْ عَبْدَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْخِيَارَ عَلَى قَوْلِهِ قَالُوا لَهُ الْخِيَارُ فِي الْوَاحِدِ كَمَا إذَا رَآهُ ، وَلَمْ يَكُنْ رَآهُ وَقْتَ الْبَيْعِ .
وَظَاهِرُ مَا فِي الْهِدَايَةِ تَرْجِيحُ قَوْلِهِمَا لِتَأْخِيرِهِ دَلِيلُهُمَا كَمَا هُوَ عَادَتُهُ ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ فِي نَظِيرِهِ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا ، فَقَالَ رَجُلٌ اشْتَرَى الْعِنَبَ كُلَّ وِقْرٍ بِكَذَا وَالْوِقْرُ عِنْدَهُمْ مَعْرُوفٌ إنْ كَانَ الْعِنَبُ عِنْدَهُمْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ يَجِبُ أَنْ يَجُوزَ فِي وِقْرٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي بَيْعِ الصُّبْرَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ ، وَإِنْ كَانَ الْعِنَبُ عِنْدَهُمْ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ أَصْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَبَيْعِ قَطِيعِ الْغَنَمِ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ إذَا 308 كَانَ جِنْسًا وَاحِدًا فِي كُلِّ الْعِنَبِ كُلَّ وِقْرٍ بِمَا قَالَ : وَكَذَا إذَا كَانَ الْجِنْسُ مُخْتَلِفًا هَكَذَا أَوْرَدَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَالْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ جَعَلَ الْجَوَابَ بِالْجَوَازِ فِيمَا إذَا كَانَ الْعِنَبُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا تَيْسِيرًا لِلْأَمْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ا هـ .
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَتَفْرِيعُ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ أَوْجَهُ ا هـ .
وَفِي الْمِعْرَاجِ أَنَّ أَبَا اللَّيْثِ هَذَا هُوَ الْخُوَارِزْمِيَّ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْفَقِيهَ الْمَشْهُورَ ، قُيِّدَ بِقَوْلِهِ كُلُّ قَفِيزٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ عَلَى أَنَّهَا قَفِيزٌ أَوْ بِعْتُك قَفِيزًا مِنْهَا فَهُمَا سَوَاءٌ وَالْبَيْعُ وَاقِعٌ عَلَى قَفِيزٍ وَاحِدٍ ، فَإِنْ وَجَدَهُ أَقَلَّ مِنْ قَفِيزٍ فَبِهِ الْخِيَارُ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ كَمَا إذَا قَالَ بِعْتُك عَلَى أَنَّهُ كُرٌّ كُلَّ قَفِيزٍ بِكَذَا فَوَجَدَهُ أَنْقَصَ فَلَهُ الْخِيَارُ .
كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَفِيهَا أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْخِيَارَ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ قَبْلَ الْكَيْلِ وَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْجَهَالَةَ قَائِمَةٌ أَوْ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ وَاسْتُشْكِلَ الْقَوْلُ بِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ ; لِأَنَّهُ قَالَ بِانْصِرَافِهِ إلَى الْوَاحِدِ فَلَا تَفْرِيقَ وَأَجَابَ فِي الْمِعْرَاجِ بِأَنَّ انْصِرَافَهُ إلَى الْوَاحِدِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ وَالْعَوَامُّ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِالْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ فَلَا يَنْزِلُ عَالِمًا فَلَا يَكُونُ رَاضِيًا ، كَذَا فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ وَفِيهِ نَوْعُ تَأَمُّلٍ ا هـ .
وَصَرَّحَ فِي الْبَدَائِعِ بِلُزُومِ الْبَيْعِ فِي الْوَاحِدِ ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَعِنْدَهُمَا الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ لَازِمٌ وَلَا خِيَارَ وَصُبْرَةُ الطَّعَامِ مِثَالٌ ; لِأَنَّ كُلَّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ أَوْ مَعْدُودٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ إذَا لَمْ يَكُنْ مُخْتَلِفَ الْقِيمَةِ كَذَلِكَ ، وَكَذَا قَوْلُهُ كُلَّ صَاعٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ كُلَّ صَاعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِقَدْرِ مَا سُمِّيَ عِنْدَهُ وَقَيَّدْنَا بِعَدَمِ تَسْمِيَةِ ثَمَنِ الْجَمِيعِ ; لِأَنَّهُ لَوْ بَيَّنَهُ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ جُمْلَةَ الصُّبْرَةِ كَمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي الْجَمِيعِ اتِّفَاقًا .
وَظَاهِرُ مَا فِي الْهِدَايَةِ تَرْجِيحُ قَوْلِهِمَا لِتَأْخِيرِهِ دَلِيلُهُمَا كَمَا هُوَ عَادَتُهُ ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ فِي نَظِيرِهِ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا ، فَقَالَ رَجُلٌ اشْتَرَى الْعِنَبَ كُلَّ وِقْرٍ بِكَذَا وَالْوِقْرُ عِنْدَهُمْ مَعْرُوفٌ إنْ كَانَ الْعِنَبُ عِنْدَهُمْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ يَجِبُ أَنْ يَجُوزَ فِي وِقْرٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي بَيْعِ الصُّبْرَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ ، وَإِنْ كَانَ الْعِنَبُ عِنْدَهُمْ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ أَصْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَبَيْعِ قَطِيعِ الْغَنَمِ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ إذَا 308 كَانَ جِنْسًا وَاحِدًا فِي كُلِّ الْعِنَبِ كُلَّ وِقْرٍ بِمَا قَالَ : وَكَذَا إذَا كَانَ الْجِنْسُ مُخْتَلِفًا هَكَذَا أَوْرَدَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَالْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ جَعَلَ الْجَوَابَ بِالْجَوَازِ فِيمَا إذَا كَانَ الْعِنَبُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا تَيْسِيرًا لِلْأَمْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ا هـ .
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَتَفْرِيعُ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ أَوْجَهُ ا هـ .
وَفِي الْمِعْرَاجِ أَنَّ أَبَا اللَّيْثِ هَذَا هُوَ الْخُوَارِزْمِيَّ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْفَقِيهَ الْمَشْهُورَ ، قُيِّدَ بِقَوْلِهِ كُلُّ قَفِيزٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ عَلَى أَنَّهَا قَفِيزٌ أَوْ بِعْتُك قَفِيزًا مِنْهَا فَهُمَا سَوَاءٌ وَالْبَيْعُ وَاقِعٌ عَلَى قَفِيزٍ وَاحِدٍ ، فَإِنْ وَجَدَهُ أَقَلَّ مِنْ قَفِيزٍ فَبِهِ الْخِيَارُ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ كَمَا إذَا قَالَ بِعْتُك عَلَى أَنَّهُ كُرٌّ كُلَّ قَفِيزٍ بِكَذَا فَوَجَدَهُ أَنْقَصَ فَلَهُ الْخِيَارُ .
كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَفِيهَا أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْخِيَارَ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ قَبْلَ الْكَيْلِ وَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْجَهَالَةَ قَائِمَةٌ أَوْ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ وَاسْتُشْكِلَ الْقَوْلُ بِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ ; لِأَنَّهُ قَالَ بِانْصِرَافِهِ إلَى الْوَاحِدِ فَلَا تَفْرِيقَ وَأَجَابَ فِي الْمِعْرَاجِ بِأَنَّ انْصِرَافَهُ إلَى الْوَاحِدِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ وَالْعَوَامُّ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِالْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ فَلَا يَنْزِلُ عَالِمًا فَلَا يَكُونُ رَاضِيًا ، كَذَا فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ وَفِيهِ نَوْعُ تَأَمُّلٍ ا هـ .
وَصَرَّحَ فِي الْبَدَائِعِ بِلُزُومِ الْبَيْعِ فِي الْوَاحِدِ ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَعِنْدَهُمَا الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ لَازِمٌ وَلَا خِيَارَ وَصُبْرَةُ الطَّعَامِ مِثَالٌ ; لِأَنَّ كُلَّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ أَوْ مَعْدُودٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ إذَا لَمْ يَكُنْ مُخْتَلِفَ الْقِيمَةِ كَذَلِكَ ، وَكَذَا قَوْلُهُ كُلَّ صَاعٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ كُلَّ صَاعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِقَدْرِ مَا سُمِّيَ عِنْدَهُ وَقَيَّدْنَا بِعَدَمِ تَسْمِيَةِ ثَمَنِ الْجَمِيعِ ; لِأَنَّهُ لَوْ بَيَّنَهُ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ جُمْلَةَ الصُّبْرَةِ كَمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي الْجَمِيعِ اتِّفَاقًا .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث