البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء السادس
الصفحة 3606 · ص. المطبوع 182 · الشرح
قَوْلُهُ ( وَلَوْ اشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ كُرًّا وَأَمَرَ رَبُّ السَّلَمِ بِقَبْضِهِ قَضَاءً لَمْ يَصِحَّ وَصَحَّ لَوْ قَرْضًا أَوْ أَمَرَهُ بِقَبْضِهِ لَهُ ، ثُمَّ لِنَفْسِهِ فَفَعَلَ ) مَعْنَاهُ أَنْ يَكِيلَهُ لِنَفْسِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ ثَانِيًا ; لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ هُنَا صَفْقَتَانِ صَفْقَةٌ بَيْنَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَبَيْنَ الْمُشْتَرَى مِنْهُ وَصَفْقَةٌ بَيْنَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَبَيْنَ رَبِّ السَّلَمِ كِلَاهُمَا بِشَرْطِ الْكَيْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْكَيْلِ مَرَّتَيْنِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْأُولَى وَهِيَ مَا إذَا أَمَرَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ رَبَّ السَّلَمِ بِقَبْضِهِ مِنْ الْبَائِعِ قَضَاءً لِحَقِّهِ فَلَمْ يَصِحَّ وَوُجِدَ فِي الثَّانِيَةِ وَهِيَ مَا إذَا أَمَرَ رَبُّ السَّلَمِ بِقَبْضِهِ لَهُ بِأَنْ يَكِيلَهُ ، ثُمَّ يَقْبِضَهُ بِنَفْسِهِ بِالْكَيْلِ ثَانِيًا وَالْأَصْلُ فِيهِ { ۝ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ صَاعَانِ صَاعُ الْبَائِعِ وَصَاعُ الْمُشْتَرِي } وَمَحْمَلُهُ عَلَى مَا إذَا اجْتَمَعَتْ الصَّفْقَتَانِ فِيهِ ، وَأَمَّا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَكْتَفِي بِالْكَيْلِ فِيهِ مَرَّةً فِي الصَّحِيحِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ بَيْعٌ عِنْدَ الْقَبْضِ مَا قَالَ فِي الزِّيَادَاتِ لَوْ أَسْلَمَ مِائَةَ كُرٍّ ، ثُمَّ اشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مِنْ رَبِّ السَّلَمِ كُرَّ حِنْطَةٍ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ فَقَبَضَهُ فَلَمَّا حَلَّ السَّلَمُ أَعْطَاهُ ذَلِكَ الْكُرَّ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَيَّدَ بِالشِّرَاءِ ; لِأَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ لَوْ مَلَكَ كُرًّا بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ فَأَوْفَاهُ رَبُّ السَّلَمِ وَاكْتَالَهُ مَرَّةً جَازَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إلَّا عَقْدٌ وَاحِدٌ بِشَرْطِ الْكَيْلِ وَقَيَّدَ بِالْكُرِّ وَهُوَ سِتُّونَ قَفِيزًا أَوْ أَرْبَعُونَ عَلَى الْخِلَافِ ; لِأَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ لَوْ اشْتَرَى حِنْطَةً مُجَازَفَةً فَأَوْفَاهَا رَبُّ السَّلَمِ فَاكْتَالَهَا مَرَّةً جَازَ لِمَا ذَكَرْنَا وَأَشَارَ بِالْكُرِّ الْمَكِيلِ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ فِي مَوْزُونٍ مُعَيَّنٍ وَاشْتَرَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مَوْزُونًا كَذَلِكَ إلَى آخِرِهِ لَا يَجُوزُ قَبْضُ رَبِّ السَّلَمِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فِي هَذَا الْحُكْمِ .
وَكَذَا الْمَعْدُودُ إذَا اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعَدِّ فَإِنَّهُ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَذَكَرَ فِي الْبِنَايَةِ أَنَّ فِي الْمَعْدُودِ رِوَايَتَيْنِ وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا تَكْرَارَ الْأَمْرِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِتَكْرَارِ الْكَيْلِ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَكِيلَهُ مَرَّتَيْنِ وَإِنْ لَمْ 182 يَتَعَدَّدْ الْأَمْرُ حَتَّى لَوْ قَالَ اقْبِضْ الْكُرَّ الَّذِي اشْتَرَيْته مِنْ فُلَانٍ عَنْ حَقِّك فَذَهَبَ فَاكْتَالَهُ ، ثُمَّ أَعَادَ كَيْلَهُ صَارَ قَابِضًا وَلَفْظُ الْجَامِعِ يُفِيدُهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ فَاكْتَالَهُ لَهُ ، ثُمَّ اكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ .
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ وَصَحَّ لَوْ قَرْضًا فَصُورَتُهُ اسْتَقْرَضَ مِنْهُ كُرًّا فَاشْتَرَى الْمُسْتَقْرِضُ كُرًّا فَأَمَرَ الْمُقْرِضُ بِقَبْضِهِ قَضَاءً لِحَقِّهِ ، وَإِنَّمَا جَازَ بِلَا إعَادَةِ الْكَيْلِ ; لِأَنَّ الْقَرْضَ إعَارَةٌ حَتَّى يَنْعَقِدَ بِلَفْظِهَا فَكَانَ الْمَقْبُوضُ عَيْنَ حَقٍّ تَقْدِيرًا فَلَمْ يَكُنْ اسْتِبْدَالًا ، وَلَوْ كَانَ اسْتِبْدَالًا لَلَزِمَ مُبَادَلَةُ الْجِنْسِ بِجِنْسِهِ نَسِيئَةً فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الصَّفْقَتَانِ فَيَكْتَفِي بِكَيْلٍ وَاحِدٍ لِلْمُشْتَرِي فَيَقْبِضُهُ لَهُ ، ثُمَّ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ الْكَيْلِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ لَمْ يَصِحَّ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِ رَبِّ السَّلَمِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ كَمَا فِي الْبِنَايَةِ وَلِلْقَرْضِ صُورَةٌ أُخْرَى هِيَ لَوْ كَانَ الدَّيْنُ الْأَوَّلُ سَلَمًا فَلَمَّا حَلَّ اقْتَرَضَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مِنْ رَجُلٍ كُرًّا وَأَمَرَ رَبَّ السَّلَمِ بِقَبْضِهِ مِنْ الْمُقْرِضِ فَفَعَلَ جَازَ لِمَا ذَكَرْنَا ; لِأَنَّ عَقْدَ الْقَرْضِ عَقْدُ مُسَاهَلَةٍ لَا يُوجِبُ الْكَيْلَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ مُكَايَلَةً أَوْ مُوَازَنَةً ، وَلِهَذَا لَوْ اسْتَقْرَضَ مِنْ آخَرَ حِنْطَةً عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث