البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء السادس
257 ( قَوْلُهُ : وَجَزْمُهُمْ هُنَا بِعَدَمِ الْقَبُولِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الرِّوَايَةِ الضَّعِيفَةِ إلَخْ ) أَقُولُ : بَلْ هُوَ عَلَى كُلِّ الرِّوَايَاتِ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ فِي نَفَاذِ الْقَضَاءِ بَعْدَ وُقُوعِهِ لِيَكُونَ مُفَرَّعًا عَلَى الرِّوَايَةِ الْقَائِلَةِ بِعَدَمِ النَّفَاذِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي قَبُولِ الْبَيِّنَةِ وَعَدَمِهِ ، كَذَا فِي الْمِنَحِ شَرْحِ التَّنْوِيرِ وَأَقَرَّهُ الرَّمْلِيُّ فِي الْحَاشِيَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ وَفِي النَّهْرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا الْبُرْهَانَ لَا يُقْضَى بِهِ بَلْ يُقْضَى بِهِ إذْ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ فِي مِثْلِهِ صَحِيحٌ فَفِي الْعِمَادِيَّةِ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ كَفَلَ عَنْ فُلَانٍ بِمَا يَذُوبُ لَهُ عَلَيْهِ فَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْكَفَالَةِ وَأَنْكَرَ الْحَقَّ وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّهُ ذَابَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ كَذَا فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهِ فِي حَقِّ الْكَفِيلِ الْحَاضِرِ وَفِي حَقِّ الْغَائِبِ جَمِيعًا حَتَّى لَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَأَنْكَرَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهِ . ا هـ .
كَذَا فِي الْحَوَاشِي الْيَعْقُوبِيَّةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْكَفِيلَ يَكُونُ هُنَاكَ خَصْمًا لَهُ ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْمُوجِبُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ خَصْمًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَوْجُودٌ فِي فَرْعِ الْفُصُولِ كَمَا لَا يَخْفَى فَتَدَبَّرْهُ . ا هـ .
أَقُولُ : وَقَدْ أَجَابَ فِي الْحَوَاشِي الْيَعْقُوبِيَّةِ بِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ صِحَّةِ الْكَفَالَةِ وَقَبُولِ الْبَيِّنَةِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ عَدَمُ الْمُطَابَقَةِ لِكَوْنِ الدَّعْوَى مُطْلَقَةً وَقَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالدَّعْوَى مُطْلَقَةٌ عَنْ ذَلِكَ صَرِيحٌ كَمَا لَا يَخْفَى فَلْيُتَأَمَّلْ . ا هـ .
وَمَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ بِقَوْلِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ أَجَابَ بِهِ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ ، وَقَدْ يَدْفَعُ مَا نُظِرَ فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُوجِبَ لِكَوْنِهِ لَيْسَ خَصْمًا فِيمَا نَحْنُ كَمَا قَالَ فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ جَعَلَ الذَّوْبَ شَرْطًا لِلْكَفَالَةِ فَمَا لَمْ يُوجَدْ الذَّوْبُ بَعْدَهَا لَا يَكُونُ كَفِيلًا وَالدَّعْوَى مُطْلَقَةٌ عَنْ ذَلِكَ لَمْ تَشْهَدْ بِقَضَاءِ مَالٍ وَجَبَ بَعْدَ الْكَفَالَةِ فَلَمْ تَقُمْ عَلَى مَنْ اتَّصَفَ بِكَوْنِهِ كَفِيلًا عَنْ الْغَائِبِ بَلْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ . ا هـ .
وَهَذَا بِخِلَافِ فَرْعِ الْعِمَادِيَّةِ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ هُنَاكَ ادَّعَى أَنَّهُ ذَابَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَبَرْهَنَ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالُوا : إنَّ ذَابَ بِمَعْنَى تَقَرَّرَ وَوَجَبَ وَهُوَ بِالْقَضَاءِ فَيُسَاوِي الْفَرْعُ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْمُؤَلِّفُ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ حَكَمَ لِي عَلَيْهِ الْقَاضِي فُلَانٌ بِكَذَا بَعْدَ الْكَفَالَةِ وَبَرْهَنَ يُقْبَلُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ خَصْمًا لِوُجُودِ الشَّرْطِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَأَمَّلْهُ وَرَأَيْت فِي حَاشِيَةِ الْعَلَّامَةِ الْوَانِيِّ عَلَى شَرْحِ الدُّرَرِ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ النَّقْضَ بِفَرْعِ الْعِمَادِيَّةِ وَدَفَعَهُ ظَاهِرٌ فَإِنَّ كَلَامَ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ يُفِيدُ تَقْيِيدَ الْكَفَالَةِ بِحَقٍّ وَجَبَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ يَجِبُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي كَأَنَّهُ قَالَ كَفَلْت إنْ وَجَبَ دَيْنٌ بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَحَقَّقُ بِأَنْ قُضِيَ بِهِ فِي ضِمْنِ الْقَضَاءِ بِالْكَفَالَةِ وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ ; لِأَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ مَالٌ مَقْضِيٌّ بِهِ صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَا وَمَنْ لَمْ يَفْهَمْهُ قَالَ مَا قَالَ : وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ . ا هـ .
قُلْتُ : : وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى مَا قُلْنَا أَيْ أَنَّ قَوْلَهُ كَفَلْت فِيمَا قُضِيَ لَك عَلَى فُلَانٍ أَيْ بِمَا يُقْضَى لَك عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُقْضَى لَهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَتَحَقَّقَ الْكَفَالَةُ ، فَإِذَا بَرْهَنَ الْمُدَّعِي عَلَى الْكَفِيلِ بِأَنَّ لَهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ أَلْفًا لَمْ يَكُنْ الْكَفِيلُ خَصْمًا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ كَفَالَتِهِ ، وَلَوْ قُلْنَا : إنَّهُ يَثْبُتُ الْقَضَاءُ عَلَى الْأَصِيلِ ضِمْنًا ; لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بَعْدَ صِحَّةِ الدَّعْوَى وَهُنَا لَمْ تَصِحَّ فَلَمْ يَثْبُتْ الْقَضَاءُ عَلَى الْأَصِيلِ لَا قَصْدًا وَلَا ضِمْنًا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْفُصُولِ فَإِنَّ الْمُدَّعِي قَدْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ ذَابَ لَهُ عَلَى الْأَصِيلِ كَذَا أَيْ أَنَّهُ قَضَى لَهُ فُلَانٌ الْقَاضِي أَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ عَلَى الْأَصِيلِ كَذَا فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ الْكَفَالَةِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْمَالِ عَلَى الْأَصِيلِ بِحُكْمِ ذَلِكَ الْقَاضِي الَّذِي بَرْهَنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَصَارَ الْكَفِيلُ خَصْمًا لِوُجُودِ شَرْطِ الْكَفَالَةِ وَهُوَ الْحُكْمُ بِالْمَالِ عَلَى الْأَصِيلِ بَعْدَ الْكَفَالَةِ وَالْمَقْصُودُ بِهَذِهِ الدَّعْوَى إلْزَامُ الْكَفِيلِ بِالْمَالِ بِمُقْتَضَى كَفَالَتِهِ فَيَلْزَمُهُ الْمَالُ وَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ 258 عَلَيْهِ إلَى الْحُكْمِ عَلَى الْأَصِيلِ الْغَائِبِ فَيَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ ضِمْنًا لَا قَصْدًا فَقَدْ ظَهَرَ مَا قَالَهُ الْوَانِيُّ مِنْ أَنَّ الْفَرْقَ وَاضِحٌ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَإِنَّمَا بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ لِمَا وَقَعَ فَهْمُ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ الْإِضْرَابِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
( قَوْلُهُ : وَنَحْنُ نَقُولُ صَارَ مُكَذِّبًا شَرْعًا فَبَطَلَ مَا زَعَمَهُ ) اعْلَمْ أَنَّ دَعْوَى الْخَصْمِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي تَثْبُتُ أَوَّلًا بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي كَذَّبَهُ الشَّرْعُ بِذَلِكَ صَحِيحَةٌ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا التَّنَاقُضُ لِتَكْذِيبِ الشَّرْعِ كَمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ ، وَأَمَّا فِي الْأُمُورِ الَّتِي يَحْتَاجُ فِيهَا ثَانِيًا إلَى الدَّعْوَى وَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَلَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ أَمَتَهُ هَذِهِ ثُمَّ قَالَ لَسْت أَنَا بَائِعُك قَطُّ فَبَرْهَنَ عَلَيْهِ الْمُدَّعِي فَوَجَدَ عَيْبًا فَبَرْهَنَ الْبَائِعُ أَنَّهُ بَاعَهُ وَبَرِئَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْبَرَاءَةَ لِلتَّنَاقُضِ ، وَوَجْهُ هَذَا أَنَّ الْإِنْكَارَ مَعْدُومٌ مِنْ وَجْهٍ مَوْجُودٌ مِنْ وَجْهٍ فَيُعْمَلُ بِالْوَجْهَيْنِ فَاعْتُبِرَ عَدَمُهُ فِيمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى الدَّعْوَى ثَانِيًا وَاعْتُبِرَ وُجُودُهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فَلْيَكُنْ هَذَا فِي ذِكْرٍ مِنْك فَإِنَّهُ كَثِيرُ النَّفْعِ ، كَذَا فِي الْحَوَاشِي الْيَعْقُوبِيَّةِ . ( قَوْلُهُ : وَالتَّفْصِيلُ فِي الْمُقَيَّدَةِ إلَخْ ) يَعْنِي أَنَّهَا تَصْلُحُ لِلْحِيلَةِ لَوْ بِالْأَمْرِ وَإِلَّا فَلَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ بَعْدَ مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْهَا ، وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَنَّ هَذَا الرَّجُلُ كَفَلَ لِي عَنْ الْغَائِبِ بِالْأَلْفِ الَّذِي لِي عَلَيْهِ بِأَمْرِهِ فَهَذَا وَمَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ يَقْضِي عَلَى الْحَاضِرِ وَيَكُونُ ذَلِكَ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ بِأَمْرِهِ وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ فَبَرْهَنَ عَلَيْهِ يَقْضِي بِالْأَلْفِ عَلَى الْحَاضِرِ وَلَا يَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ادَّعَى الْكَفَالَةَ الْعَامَّةَ فَلَا تَفْصِيلَ .
( قَوْلُهُ : وَمِنْ هُنَا عُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِيمَا يَأْتِي إلَخْ ) أَيْ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ قُبَيْلَ بَابَ التَّحْكِيمِ ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي رَايَتُهُ فِيهِ مُوَافِقٌ لِمَا هُنَا وَهَذَا نَصُّهُ لَوْ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ دَيْنًا عَلَى أَنَّهُ كَفِيلٌ عَنْ الْغَائِبِ بِأَمْرِهِ فَأَقَرَّ الْحَاضِرُ بِالْكَفَالَةِ وَأَنْكَرَ الدَّيْنَ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ أَلْفَ دِرْهَمٍ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَيَثْبُتُ الْحَقُّ عَلَى الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ حَتَّى إذَا حَضَرَ الْغَائِبُ لَزِمَهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ . ا هـ . ( قَوْلُهُ : وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمُطْلَقَةِ ) فِي الْحَصْرِ نَظَرٌ بَلْ فِي الْمُقَيَّدَةِ بِمِقْدَارٍ إذَا كَانَتْ بِالْأَمْرِ كَذَلِكَ كَمَا عَلِمْت نَعَمْ يَظْهَرُ التَّخْصِيصُ بِالْمُطْلَقَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شُهُودٌ عَلَى كَوْنِ الْكَفَالَةِ بِالْأَمْرِ ، أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ شُهُودٌ عَلَيْهَا وَأَثْبَتَ ذَلِكَ عَلَى الْكَفِيلِ يَثْبُتُ عَلَى الْأَصِيلِ وَلَوْ كَانَتْ مُقَيَّدَةً وَكَأَنَّهُ خَصَّ الْمُطْلَقَةَ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حِيلَةِ الْإِثْبَاتِ 259 عَلَى الْغَائِبِ بِالْمُوَافَقَةِ وَذَلِكَ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ .
كَذَا فِي الْحَوَاشِي الْيَعْقُوبِيَّةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْكَفِيلَ يَكُونُ هُنَاكَ خَصْمًا لَهُ ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْمُوجِبُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ خَصْمًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَوْجُودٌ فِي فَرْعِ الْفُصُولِ كَمَا لَا يَخْفَى فَتَدَبَّرْهُ . ا هـ .
أَقُولُ : وَقَدْ أَجَابَ فِي الْحَوَاشِي الْيَعْقُوبِيَّةِ بِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ صِحَّةِ الْكَفَالَةِ وَقَبُولِ الْبَيِّنَةِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ عَدَمُ الْمُطَابَقَةِ لِكَوْنِ الدَّعْوَى مُطْلَقَةً وَقَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالدَّعْوَى مُطْلَقَةٌ عَنْ ذَلِكَ صَرِيحٌ كَمَا لَا يَخْفَى فَلْيُتَأَمَّلْ . ا هـ .
وَمَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ بِقَوْلِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ أَجَابَ بِهِ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ ، وَقَدْ يَدْفَعُ مَا نُظِرَ فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُوجِبَ لِكَوْنِهِ لَيْسَ خَصْمًا فِيمَا نَحْنُ كَمَا قَالَ فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ جَعَلَ الذَّوْبَ شَرْطًا لِلْكَفَالَةِ فَمَا لَمْ يُوجَدْ الذَّوْبُ بَعْدَهَا لَا يَكُونُ كَفِيلًا وَالدَّعْوَى مُطْلَقَةٌ عَنْ ذَلِكَ لَمْ تَشْهَدْ بِقَضَاءِ مَالٍ وَجَبَ بَعْدَ الْكَفَالَةِ فَلَمْ تَقُمْ عَلَى مَنْ اتَّصَفَ بِكَوْنِهِ كَفِيلًا عَنْ الْغَائِبِ بَلْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ . ا هـ .
وَهَذَا بِخِلَافِ فَرْعِ الْعِمَادِيَّةِ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ هُنَاكَ ادَّعَى أَنَّهُ ذَابَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَبَرْهَنَ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالُوا : إنَّ ذَابَ بِمَعْنَى تَقَرَّرَ وَوَجَبَ وَهُوَ بِالْقَضَاءِ فَيُسَاوِي الْفَرْعُ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْمُؤَلِّفُ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ حَكَمَ لِي عَلَيْهِ الْقَاضِي فُلَانٌ بِكَذَا بَعْدَ الْكَفَالَةِ وَبَرْهَنَ يُقْبَلُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ خَصْمًا لِوُجُودِ الشَّرْطِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَأَمَّلْهُ وَرَأَيْت فِي حَاشِيَةِ الْعَلَّامَةِ الْوَانِيِّ عَلَى شَرْحِ الدُّرَرِ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ النَّقْضَ بِفَرْعِ الْعِمَادِيَّةِ وَدَفَعَهُ ظَاهِرٌ فَإِنَّ كَلَامَ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ يُفِيدُ تَقْيِيدَ الْكَفَالَةِ بِحَقٍّ وَجَبَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ يَجِبُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي كَأَنَّهُ قَالَ كَفَلْت إنْ وَجَبَ دَيْنٌ بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَحَقَّقُ بِأَنْ قُضِيَ بِهِ فِي ضِمْنِ الْقَضَاءِ بِالْكَفَالَةِ وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ ; لِأَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ مَالٌ مَقْضِيٌّ بِهِ صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَا وَمَنْ لَمْ يَفْهَمْهُ قَالَ مَا قَالَ : وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ . ا هـ .
قُلْتُ : : وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى مَا قُلْنَا أَيْ أَنَّ قَوْلَهُ كَفَلْت فِيمَا قُضِيَ لَك عَلَى فُلَانٍ أَيْ بِمَا يُقْضَى لَك عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُقْضَى لَهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَتَحَقَّقَ الْكَفَالَةُ ، فَإِذَا بَرْهَنَ الْمُدَّعِي عَلَى الْكَفِيلِ بِأَنَّ لَهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ أَلْفًا لَمْ يَكُنْ الْكَفِيلُ خَصْمًا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ كَفَالَتِهِ ، وَلَوْ قُلْنَا : إنَّهُ يَثْبُتُ الْقَضَاءُ عَلَى الْأَصِيلِ ضِمْنًا ; لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بَعْدَ صِحَّةِ الدَّعْوَى وَهُنَا لَمْ تَصِحَّ فَلَمْ يَثْبُتْ الْقَضَاءُ عَلَى الْأَصِيلِ لَا قَصْدًا وَلَا ضِمْنًا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْفُصُولِ فَإِنَّ الْمُدَّعِي قَدْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ ذَابَ لَهُ عَلَى الْأَصِيلِ كَذَا أَيْ أَنَّهُ قَضَى لَهُ فُلَانٌ الْقَاضِي أَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ عَلَى الْأَصِيلِ كَذَا فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ الْكَفَالَةِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْمَالِ عَلَى الْأَصِيلِ بِحُكْمِ ذَلِكَ الْقَاضِي الَّذِي بَرْهَنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَصَارَ الْكَفِيلُ خَصْمًا لِوُجُودِ شَرْطِ الْكَفَالَةِ وَهُوَ الْحُكْمُ بِالْمَالِ عَلَى الْأَصِيلِ بَعْدَ الْكَفَالَةِ وَالْمَقْصُودُ بِهَذِهِ الدَّعْوَى إلْزَامُ الْكَفِيلِ بِالْمَالِ بِمُقْتَضَى كَفَالَتِهِ فَيَلْزَمُهُ الْمَالُ وَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ 258 عَلَيْهِ إلَى الْحُكْمِ عَلَى الْأَصِيلِ الْغَائِبِ فَيَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ ضِمْنًا لَا قَصْدًا فَقَدْ ظَهَرَ مَا قَالَهُ الْوَانِيُّ مِنْ أَنَّ الْفَرْقَ وَاضِحٌ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَإِنَّمَا بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ لِمَا وَقَعَ فَهْمُ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ الْإِضْرَابِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
( قَوْلُهُ : وَنَحْنُ نَقُولُ صَارَ مُكَذِّبًا شَرْعًا فَبَطَلَ مَا زَعَمَهُ ) اعْلَمْ أَنَّ دَعْوَى الْخَصْمِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي تَثْبُتُ أَوَّلًا بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي كَذَّبَهُ الشَّرْعُ بِذَلِكَ صَحِيحَةٌ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا التَّنَاقُضُ لِتَكْذِيبِ الشَّرْعِ كَمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ ، وَأَمَّا فِي الْأُمُورِ الَّتِي يَحْتَاجُ فِيهَا ثَانِيًا إلَى الدَّعْوَى وَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَلَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ أَمَتَهُ هَذِهِ ثُمَّ قَالَ لَسْت أَنَا بَائِعُك قَطُّ فَبَرْهَنَ عَلَيْهِ الْمُدَّعِي فَوَجَدَ عَيْبًا فَبَرْهَنَ الْبَائِعُ أَنَّهُ بَاعَهُ وَبَرِئَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْبَرَاءَةَ لِلتَّنَاقُضِ ، وَوَجْهُ هَذَا أَنَّ الْإِنْكَارَ مَعْدُومٌ مِنْ وَجْهٍ مَوْجُودٌ مِنْ وَجْهٍ فَيُعْمَلُ بِالْوَجْهَيْنِ فَاعْتُبِرَ عَدَمُهُ فِيمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى الدَّعْوَى ثَانِيًا وَاعْتُبِرَ وُجُودُهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فَلْيَكُنْ هَذَا فِي ذِكْرٍ مِنْك فَإِنَّهُ كَثِيرُ النَّفْعِ ، كَذَا فِي الْحَوَاشِي الْيَعْقُوبِيَّةِ . ( قَوْلُهُ : وَالتَّفْصِيلُ فِي الْمُقَيَّدَةِ إلَخْ ) يَعْنِي أَنَّهَا تَصْلُحُ لِلْحِيلَةِ لَوْ بِالْأَمْرِ وَإِلَّا فَلَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ بَعْدَ مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْهَا ، وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَنَّ هَذَا الرَّجُلُ كَفَلَ لِي عَنْ الْغَائِبِ بِالْأَلْفِ الَّذِي لِي عَلَيْهِ بِأَمْرِهِ فَهَذَا وَمَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ يَقْضِي عَلَى الْحَاضِرِ وَيَكُونُ ذَلِكَ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ بِأَمْرِهِ وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ فَبَرْهَنَ عَلَيْهِ يَقْضِي بِالْأَلْفِ عَلَى الْحَاضِرِ وَلَا يَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ادَّعَى الْكَفَالَةَ الْعَامَّةَ فَلَا تَفْصِيلَ .
( قَوْلُهُ : وَمِنْ هُنَا عُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِيمَا يَأْتِي إلَخْ ) أَيْ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ قُبَيْلَ بَابَ التَّحْكِيمِ ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي رَايَتُهُ فِيهِ مُوَافِقٌ لِمَا هُنَا وَهَذَا نَصُّهُ لَوْ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ دَيْنًا عَلَى أَنَّهُ كَفِيلٌ عَنْ الْغَائِبِ بِأَمْرِهِ فَأَقَرَّ الْحَاضِرُ بِالْكَفَالَةِ وَأَنْكَرَ الدَّيْنَ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ أَلْفَ دِرْهَمٍ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَيَثْبُتُ الْحَقُّ عَلَى الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ حَتَّى إذَا حَضَرَ الْغَائِبُ لَزِمَهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ . ا هـ . ( قَوْلُهُ : وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمُطْلَقَةِ ) فِي الْحَصْرِ نَظَرٌ بَلْ فِي الْمُقَيَّدَةِ بِمِقْدَارٍ إذَا كَانَتْ بِالْأَمْرِ كَذَلِكَ كَمَا عَلِمْت نَعَمْ يَظْهَرُ التَّخْصِيصُ بِالْمُطْلَقَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شُهُودٌ عَلَى كَوْنِ الْكَفَالَةِ بِالْأَمْرِ ، أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ شُهُودٌ عَلَيْهَا وَأَثْبَتَ ذَلِكَ عَلَى الْكَفِيلِ يَثْبُتُ عَلَى الْأَصِيلِ وَلَوْ كَانَتْ مُقَيَّدَةً وَكَأَنَّهُ خَصَّ الْمُطْلَقَةَ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حِيلَةِ الْإِثْبَاتِ 259 عَلَى الْغَائِبِ بِالْمُوَافَقَةِ وَذَلِكَ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث