البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الأول
الصفحة 395 · ص. المطبوع 303 · الشرح
( قَوْلُهُ : قَيَّدْنَا بِالْعَجْزِ مَعَ قَوْلِهِ وَكَذَا إذَا كَانَ فِي الْمَفَازَةِ إلَخْ ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَيَّدَ الْقُدُورِيُّ بِأَنْ لَا يَكُونَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ ، فَإِنْ كَانَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ قُدِّمَ عَلَى التَّحَرِّي وَحَدُّ الْحَضْرَةِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ صَاحَ بِهِ سَمِعَهُ وَقَيَّدَهُ غَيْرُهُ بِأَنْ تَكُونَ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً ، فَإِنْ كَانَتْ مُصْحِيَةً لَا يَجُوزُ وَلَوْ جَاهِلًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ وَكَانَ الْمُصَنِّفُ اسْتَغْنَى عَنْ الْقَيْدِ الْأَوَّلِ بِذِكْرِ الِاشْتِبَاهِ وَذَلِكَ أَنَّ تَحَقُّقَهُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ فَقْدِ الدَّلِيلِ وَأَهْمَلَ الثَّانِي لِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ عِنْدَ آخَرِينَ وَعَلَيْهِ إطْلَاقُ عَامَّةِ الْمُتُونِ 303 ( قَوْلُهُ : وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُمْ لِغَيْرِ الْمَكِّيِّ إلَخْ ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ بِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْمَدَنِيَّ كَالْمَكِّيِّ فِي لُزُومِ إصَابَةِ الْعَيْنِ ; لِأَنَّ غَايَةَ مَا لَزِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ مِحْرَابَ الْمَدِينَةِ لَا يَجُوزُ مَعَهُ التَّحَرِّي وَيَجِبُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَقْطُوعًا بِهِ ، أَمَّا لِكَوْنِهِ عَلَى أَقْرَبِ الْجِهَاتِ أَوْ عَلَى نَفْسِ الْعَيْنِ وَمَا بَعُدَ عِنْدَهُ مِنْ أَمَاكِنِ الْمَدِينَةِ مِمَّا هُوَ عَلَى سَمْتِ الِاسْتِقَامَةِ لَا يَكُونُ عَلَى الْعَيْنِ قَطْعًا فَيَتَعَيَّنُ اتِّبَاعُ جِهَتِهِ وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهَا كَيْفَ ، وَقَدْ قَالُوا فِي نَفْسِ مَكَّةَ مَعَ الْحَائِلِ تَكُونُ كَغَيْرِهَا . ا هـ .
( قَوْلُهُ : لِأَنَّ الْحَائِطَ لَوْ كَانَتْ مَنْقُوشَةً إلَخْ ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ هَذَا الْقَوْلُ يَصِحُّ فِي بَعْضِ الْمَسَاجِدِ ، فَأَمَّا فِي أَكْثَرِ الْمَسَاجِدِ فَيُمْكِنُ تَمْيِيزُ الْمِحْرَابِ مِنْ غَيْرِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ مِنْ غَيْرِ إيذَاءٍ كَمَا شَاهَدْنَا فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ فَلَا يَجُوزُ التَّحَرِّي فِي مَسْجِدٍ ، كَذَا فِي الْمِفْتَاحِ . ( قَوْلُهُ : لِمَا ذَكَرْنَا ) أَيْ مِنْ أَنَّ مَا اُفْتُرِضَ لِغَيْرِهِ إلَخْ وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ 304 ( قَوْلُهُ : وَأَمَّا صَلَاتُهُ ) أَيْ صَلَاةُ الْمُصَلِّي إلَى غَيْرِ جِهَةِ تَحَرِّيهِ . ( قَوْلُهُ : وَإِنْ أَصَابَ مُطْلَقًا ) لِيَنْظُرَ مَا الْمُرَادُ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ سَوَاءٌ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَصَابَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا تَأَمَّلْ . ( قَوْلُهُ : يَقْتَضِي الْفَسَادَ مُطْلَقًا ) أَيْ سَوَاءٌ عَلِمَ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَنَّهُ أَصَابَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ . ( قَوْلُهُ : إنَّمَا هُوَ لِمُجَرَّدِ اعْتِقَادِهِ الْفَسَادَ إلَخْ ) فِيهِ بَحْثٌ ; لِأَنَّ غَايَةَ مَا ثَبَتَ فِي صُورَةِ تَرْكِ التَّحَرِّي عَدَمُ الْجَزْمِ وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ اعْتِقَادَ الْفَسَادِ وَمُجَرَّدُ اعْتِقَادِ الْفَسَادِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْفَسَادَ لِمَا قَدَّمَهُ أَنَّ دَلِيلَ الْفَسَادِ هُوَ التَّحَرِّي أَوْ الِاعْتِقَادُ النَّاشِئُ عَنْهُ وَبِدُونِ الدَّلِيلِ الْمُعْتَبَرِ أَيْنَ يَجِيءُ الْفَسَادُ حَتَّى يُؤَاخَذَ بِهِ فَالْمُنَاسِبُ فِي تَقْرِيرِ الْجَوَابِ مَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْعَلَّامَةِ الْحَلَبِيِّ حَيْثُ قَالَ بِخِلَافِ صُورَةِ عَدَمِ التَّحَرِّي فَإِنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ الْفَسَادَ بَلْ هُوَ شَاكٌّ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ عَلَى السَّوَاءِ فَإِذَا ظَهَرَ إصَابَتُهُ بَعْدَ تَمَامِ الْفِعْلِ زَالَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ وَتَقَرَّرَ الْآخَرُ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ الْبِنَاءُ إذَا عَلِمَ الْإِصَابَةَ قَبْلَ التَّمَامِ لِمَا قُلْنَا مِنْ لُزُومِ بِنَاءِ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ وَلَا كَذَلِكَ بَعْدَ التَّمَامِ . ا هـ .
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْحَالَ لَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا فَمُقْتَضَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ إلَّا إنْ عَلِمَ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَنَّهُ أَصَابَ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ وَلَكِنَّ مَا سَيَأْتِي فِي تَعْلِيلِ مَسْأَلَةِ مَا إذَا صَلَّى مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا تَحَرٍّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إذَا غَابَ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَلَمْ يَظْهَرْ الْحَالُ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْجَوَازُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَرْفَعُهُ قَدْ يُظَنُّ جَرَيَانُ هَذَا التَّعْلِيلِ هُنَا فَيَقْتَضِي الصِّحَّةَ أَيْضًا وَيُجَابُ بِأَنَّ وُجُودَ الشَّكِّ هُنَا يُنَافِي كَوْنَ الْجَوَازِ هُوَ الْأَصْلُ . ( قَوْلُهُ : وَقِيلَ يُخَيَّرُ ) أَيْ إنْ شَاءَ أَخَّرَ وَإِنْ شَاءَ صَلَّى الصَّلَاةَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ وَهَذَا هُوَ الْأَحْوَطُ ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَذَكَرَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي زَادِ الْفَقِيرِ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ جَازَ مَا بِهِ وَعَبَّرَ عَنْ الْقَوْلَيْنِ بَعْدَهُ بِقِيلِ ، قُلْتُ : وَذُكِرَ فِي آخِرِ الْمُسْتَصْفَى أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فَالرَّاجِحُ هُوَ الْأَوَّلُ أَوْ الْأَخِيرُ لَا الْوَسَطُ وَلَا يَظْهَرُ مَا اخْتَارَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ كَيْفَ وَفِيهِ الصَّلَاةُ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ بِيَقِينٍ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَالتَّوَجُّهُ إلَى الْقِبْلَةِ إنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْمَنْهِيِّ لِأَجْلِ الْمَأْمُورِ وَتَرْكُ النَّهْيِ مُقَدَّمٌ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى الْقَوْلِ الْأَخِيرِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِي الصَّلَاةِ إلَى أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ بَعْدَهُ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ ; لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى إلَى أَيِّ جِهَةٍ أَرَادَ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ أَخْطَأَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مُكَلَّفًا بِجِهَةٍ خَاصَّةٍ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ الْمُرَجِّحُ لِأَحَدِهَا عَلَى غَيْرِهِ وَالطَّاعَةُ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ وَلَا تَقْصِيرَ مِنْهُ بِذَلِكَ ، فَإِنْ قِيلَ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ ; لِأَنَّ جِهَتَهُ جِهَةُ تَحَرِّيهِ وَلَمْ تُوجَدْ فَلَهُ وَجْهٌ وَإِنْ قِيلَ أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِي الْجِهَةِ ; لِأَنَّ التَّحَرِّيَ إنَّمَا يَجِبُ حَيْثُ أَمْكَنَ فَلَهُ وَجْهٌ ، وَأَمَّا أَنَّهُ يُصَلِّي إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ فَلَا يَظْهَرُ وَجْهُهُ فَتَأَمَّلْ . ( قَوْلُهُ : إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ ) أَيْ بِأَنْ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ إلَى جِهَةٍ غَيْرِ الَّتِي صَلَّى إلَيْهَا 305 ( قَوْلُهُ : لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ التَّحَرِّي إلَخْ ) هَذَا التَّعْلِيلُ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِلْمُعَلَّلِ وَلَعَلَّ فِي الْعِبَارَةِ سَقْطًا فَلْيُتَأَمَّلْ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث