البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء السابع
الصفحة 4191 · ص. المطبوع 189 · الشرح
( قَوْلُهُ وَمَوْتُ أَحَدِهِمَا وَجُنُونُهُ مُطْبِقًا وَلُحُوقُهُ مُرْتَدًّا ) أَيْ تَبْطُلُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ تَصَرُّفٌ غَيْرُ لَازِمٍ فَيَكُونُ لِدَوَامِهِ حُكْمُ ابْتِدَائِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ الْأَمْرِ وَقَدْ بَطَلَ بِهَذِهِ الْعَوَارِضِ وَفِي الْقُنْيَةِ بَلَغَ الْمُسْتَبْضِعَ مَوْتُ الْمُبْضِعِ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ وَقَدْ اشْتَرَى رَقِيقًا بِمَالِ الْبِضَاعَةِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الرَّقِيقِ مِنْ بَقِيَّةِ مَالِ الْبِضَاعَةِ إلَّا بِأَمْرِ الْقَاضِي ا هـ .
وَفِي التَّجْنِيسِ مِنْ بَابِ الْمَفْقُودِ رَجُلٌ غَابَ وَجَعَلَ دَارًا لَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ لِيُعَمِّرَهَا فَدَفَعَ إلَيْهِ مَالًا لِيَحْفَظَهُ ثُمَّ فُقِدَ الدَّافِعُ فَلَهُ أَنْ يَحْفَظَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعَمِّرَ الدَّارَ 189 إلَّا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ لِأَنَّهُ لَعَلَّهُ قَدْ مَاتَ وَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ وَصِيًّا لِلْمَفْقُودِ حَتَّى يَحْكُمَ بِمَوْتِهِ ا هـ .
وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِفَقْدِ الْمُوَكِّلِ فِي حَقِّ التَّصَرُّفِ لَا الْحِفْظِ وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُؤَلِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ كُلَّ وَكَالَةٍ تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَجُنُونِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَفِي الْبَزَّازِيَّةِ قَوْلُهُمْ يَنْعَزِلُ بِجُنُونِ الْمُوَكِّلِ وَمَوْتِهِ مُقَيَّدٌ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يَمْلِكُ الْمُوَكِّلُ عَزْلَ وَكِيلِهِ فَأَمَّا فِي الرَّهْنِ فَإِذَا وَكَّلَ الرَّاهِنُ الْعَدْلُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ بِبَيْعِ الرَّهْنِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ أَوْ الْوَكِيلَ بِالْأَمْرِ بِالْيَدِ لَا يَنْعَزِلُ وَإِنْ مَاتَ الْمُوَكِّلُ أَوْ جُنَّ وَالْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ بِالْتِمَاسِ الْخَصْمِ يَنْعَزِلُ بِجُنُونِ الْمُوَكِّلِ وَمَوْتِهِ وَالْوَكِيلُ بِالطَّلَاقِ يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسًا ا هـ .
وَعَلَى هَذَا يُفَرَّقُ فِي الْوَكَالَةِ اللَّازِمَةِ بَيْنَ وَكَالَةٍ وَوَكَالَةٍ فَالْوَكَالَةُ بِبَيْعِ الرَّهْنِ لَا تَبْطُلُ بِالْعَزْلِ حَقِيقِيًّا أَوْ حُكْمِيًّا وَلَا بِالْخُرُوجِ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ بِالْجُنُونِ وَالرِّدَّةِ وَفِيمَا عَدَاهَا مِنْ اللَّازِمَةِ لَا تَبْطُلُ بِالْحَقِيقِيِّ وَتَبْطُلُ بِالْحُكْمِيِّ وَبِالْخُرُوجِ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ وَقَيَّدَ بِالْمُطْبِقِ لِأَنَّ قَلِيلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِغْمَاءِ وَحَدُّهُ شَهْرٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ اعْتِبَارًا بِمَا يَسْقُطُ بِهِ الصَّوْمُ وَعَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِسُقُوطِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَصَارَ كَالْمَيِّتِ وَقَدَّرَهُ مُحَمَّدٌ بِحَوْلٍ كَامِلٍ لِسُقُوطِ جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ بِهِ فَقَدَّرَ بِهِ احْتِيَاطًا وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَالْمُطْبِقُ بِكَسْرِ الْبَاءِ أَيْ الدَّائِمُ وَالْحُمَّى الْمُطْبِقَةُ هِيَ الَّتِي لَا تُفَارِقُ لَيْلًا وَنَهَارًا كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْبِنَايَةِ وَزَادَ فِي الْبِنَايَةِ وَقِيلَ : مُسْتَوْعَبًا مِنْ قَوْلِهِمْ أَطْبَقَ الْغَيْمُ إذَا اسْتَوْعَبَ وَفِي الْمِصْبَاحِ أَطْبَقَتْ عَلَيْهِ الْحُمَّى فَهِيَ مُطْبِقَةٌ بِالْكَسْرِ عَلَى الْبَابِ وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ بِالْجُنُونِ فَهُوَ مُطْبِقٌ أَيْضًا وَالْعَامَّةُ تَفْتَحُ الْبَاءَ عَلَى مَعْنَى أَطْبَقَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ الْحُمَّى وَالْجُنُونَ أَدَامَهُمَا كَمَا يُقَالُ أَحَمَّهُ اللَّهُ وَأَجَنَّهُ أَيْ أَصَابَهُ بِهِمَا وَعَلَى هَذَا فَالْأَصْلُ مُطْبَقٌ عَلَيْهِ فَحُذِفَتْ أَيْضًا تَخْفِيفًا وَيَكُونُ الْفِعْلُ مِمَّا اُسْتُعْمِلَ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا . ا هـ .
وَقَيَّدَ بِلَحَاقِ الْمُرْتَدِّ لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفَةٌ عِنْدَهُ فَكَذَا وَكَالَتُهُ فَإِنْ أَسْلَمَ نَفَذَ وَإِنْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ فَأَمَّا عِنْدَهُمَا تَصَرُّفَاتُهُ نَافِذَةٌ فَلَا تَبْطُلُ وَكَالَتُهُ إلَّا أَنْ يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ يُحْكَمَ بِلَحَاقِهِ وَفِي إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ وَالْمُرَادُ بِلُحُوقِهِ ثُبُوتُهُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ا هـ .
وَلَا تَبْطُلُ وَكَالَةُ الْمَرْأَةِ بِارْتِدَادِهَا مَا لَمْ تَلْحَقْ بِدَارِ الْحَرْبِ وَيَحْكُمْ الْحَاكِمُ بِلَحَاقِهَا وَكَذَا يَجُوزُ تَوْكِيلُهَا بَعْدَ ارْتِدَادِهَا أَيْضًا لِأَنَّهَا تَبْقَى بَعْدَ الرِّدَّةِ مَالِكَةً لِلتَّصَرُّفِ بِنَفْسِهَا وَرِدَّتُهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي عُقُودِهَا إلَّا إذَا وَكَّلَتْهُ بِالتَّزْوِيجِ ثُمَّ ارْتَدَّتْ فَإِنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُهُ بِنَفْسِهَا فَكَذَا وَكِيلُهَا .
190 وَإِذَا بَطَلَتْ بِاللَّحَاقِ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا تَعُودُ بِعَوْدِهِ مُسْلِمًا عَلَى الْمَذْهَبِ الظَّاهِرِ مُوَكِّلًا كَانَ أَوْ وَكِيلًا وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ أَفَاقَ بَعْدَ جُنُونِهِ مُطْبِقًا لَا تَعُودُ وَكَالَتُهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ إلَّا فِي بَيْعِ الْوَفَاءِ قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ : بَاعَهُ جَائِزًا بِوَكَالَةٍ ثُمَّ مَاتَ مُوَكِّلُهُ لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ الْوَكِيلُ ا هـ . وَالْبَيْعُ الْجَائِزُ هُوَ بَيْعُ الْوَفَاءِ اصْطِلَاحًا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث