البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الثامن
الصفحة 4539 · ص. المطبوع 31 · الشرح
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ حَتَّى يَعْمَلَ كَالْقَصَّارِ وَالصَّبَّاغِ وَالْخَيَّاطِ وَالنَّسَّاجِ ) لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ أَقُولُ : لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا اخْتَارَهُ الْقُدُورِيُّ فِي تَعْرِيفِ الْمُشْتَرَكِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ ، وَقِيلَ قَوْلُهُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ حَتَّى يَعْمَلَ مُفْرَدًا ، وَالتَّعْرِيفُ بِالْمُفْرَدِ لَا يَصِحُّ عِنْدَ عَامَّةِ الْمُحَقِّقِينَ ، وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مِنْ التَّعْرِيفَاتِ اللَّفْظِيَّةِ وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ الْمُشْتَرَكُ 31 الْحَمَّالُ وَالْمَلَّاحُ وَالْحَائِكُ وَالْخَائِطُ وَالنَّدَّافُ وَالصَّبَّاغُ وَالْقَصَّارُ وَالرَّاعِي وَالْحَجَّامُ وَالْبَزَّاغُ وَالْبَنَّاءُ وَالْحَفَّارُ . ا هـ .
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَالْمَتَاعُ فِي يَدِهِ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْهَلَاكِ ) يَعْنِي لَا يَضْمَنُ مَا ذُكِرَ سَوَاءٌ هَلَكَ بِسَبَبٍ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ كَالسَّرِقَةِ أَوْ بِمَا لَا يُمْكِنُ كَالْحَرِيقِ الْغَالِبِ وَالْفَارَةِ الْمُكَابِرَةِ ، وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ ، وَقَالَا لَا يَضْمَنُ إذَا هَلَكَ بِمَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ ; لِأَنَّ عَلِيًّا وَعُمَرَ ضَمَّنَاهُ ; وَلِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْحِفْظُ وَبِمَا ذُكِرَ لَمْ يُوجَدْ الْحِفْظُ التَّامُّ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ إذَا كَانَتْ بِأَجْرٍ وَكَمَا إذَا هَلَكَ بِفِعْلِهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقَبْضَ حَصَلَ بِإِذْنِهِ فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ كَالْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ فِيمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ كَالْمَوْتِ وَالْغَصْبِ ، وَلَوْ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ لَمَا اخْتَلَفَ الْحَالُ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ الْحِفْظُ ، بَلْ الْعَمَلُ وَالْحِفْظُ تَبَعًا بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ بِأُجْرَةٍ ; لِأَنَّ الْحِفْظَ وَجَبَ مَقْصُودًا وَبِخِلَافِ مَا إذَا تَلِفَ بِعَمَلِهِ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي سَلَامَةَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْعَمَلُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ سَلِيمًا ضَمِنَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يُضَمِّنَانِ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ فَيَتَعَارَضُ عَنْهُمَا الرِّوَايَةُ فَلَا تَلْزَمُ حُجَّةٌ ، وَقِيلَ هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ وَرُدَّ بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ مَوْجُودٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَبَيْنَ أَئِمَّتِنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمَبْنَى الِاخْتِلَافِ أَنَّ عِنْدَهُمَا الْحِفْظَ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ وَمَا لَا يَتَوَصَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ يَكُونُ وَاجِبًا لِوُجُوبِهِ فَيَكُونُ الْعَقْدُ وَارِدًا عَلَيْهِ ، وَعِنْدَهُ لَا يَكُونُ وَارِدًا عَلَيْهِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ بِقَوْلِهِمَا يُفْتَى فِي هَذَا الزَّمَانِ لِتَغَيُّرِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَإِنْ شَرَطَ الضَّمَانَ عَلَى الْأَجِيرِ فَإِنْ كَانَ فِيمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَإِنْ كَانَ فِيمَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِلْإِمَامِ وَفِي الدِّرَايَةِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ بِقَوْلِ الْإِمَامِ وَبِهِ أَفْتَى ، وَفِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ وَفِي السِّرَاجِيَّةِ وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِالصُّلْحِ عَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ فِيمَا هَلَكَ فِي يَدِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ فِيمَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فِي عَمَلِهِ وَقَيَّدَ بِالْهَلَاكِ لِيَحْتَرِزَ عَنْ الْخَطَأِ ، قَالَ فِي الْمُحِيطِ دَفَعَ إلَى قَصَّارٍ ثَوْبًا لِيُقَصِّرَهُ فَجَاءَ لِيَطْلُبَ ثَوْبَهُ فَدَفَعَ إلَيْهِ الْقَصَّارُ ثَوْبًا ظَانًّا أَنَّهُ لَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ وَكُلُّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ ، وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الثَّوْبِ أَرْسَلَ رَجُلًا لِيَأْخُذَ ثَوْبَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّسُولِ وَإِنْ أَخَذَ الرَّسُولُ الثَّوْبَ بِغَيْبَةِ الْقَصَّارِ فَرَبُّ الثَّوْبِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْقَصَّارَ أَوْ الرَّسُولَ وَأَيُّهُمَا ضُمِّنَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآخَرِ . ا هـ .
وَفِي الْمُضْمَرَاتِ وَإِذَا ضُمِّنَ عِنْدَهُمَا إنْ كَانَ الْهَلَاكُ قَبْلَ الْعَمَلِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْعَمَلِ فَرَبُّ الثَّوْبِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ قِيمَتَهُ مَعْمُولًا وَيُعْطِيهِ أُجْرَتَهُ قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ مَعْنَاهُ يُحَطُّ عَنْهُ قَدْرُ الْأُجْرَةِ ، وَلَوْ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى صَاحِبِهِ وَصَاحِبُهُ يُنْكِرُ ، الْقَوْلُ قَوْلُ الْأَجِيرِ عِنْدَ الْإِمَامِ ، وَلَكِنْ لَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الْأَجْرِ ، وَعِنْدَهُمَا الْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الثَّوْبِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث