البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الثامن
الصفحة 4634 · ص. المطبوع 80 · الشرح
( كِتَابُ الْإِكْرَاهِ )
أَوْرَدَ الْإِكْرَاهَ عَقِيبَ وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ ; لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا تَغَيُّرَ حَالِ الْمُخَاطَبِ مِنْ الْحُرْمَةِ إلَى الْحِلِّ فَإِنَّ وَلَاءَ الْمُوَالَاةِ يُغَيِّرُ حَالَ الْمُخَاطَبِ الَّذِي هُوَ الْمَوْلَى الْأَعْلَى مِنْ حُرْمَةِ تَنَاوُلِ مَالِ الْمَوْلَى الْأَسْفَلِ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى حِلِّهِ بِالْإِرْثِ فَكَذَلِكَ الْإِكْرَاهُ يُغَيِّرُ حَالَ الْمُخَاطَبِ الَّذِي هُوَ الْمُكْرَهُ مِنْ حُرْمَةِ الْمُبَاشَرَةِ إلَى حِلِّهَا كَذَا فِي عَامَّةِ الْمَوَاضِعِ وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ الْأَوَّلُ فِي مَعْنَاهُ لُغَةً وَالثَّانِي عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالثَّالِثُ فِي رُكْنِهِ وَالرَّابِعُ فِي دَلِيلِهِ وَالْخَامِسُ فِي شَرْطِهِ وَالسَّادِسُ فِي حُكْمِهِ فَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ حَمْلِ إنْسَانٍ عَلَى شَيْءٍ يُكْرَهُ يُقَالُ أَكْرَهْت فُلَانًا إكْرَاهًا أَيْ حَمَلْته عَلَى أَمْرٍ يَكْرَهُهُ وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَا سَيَأْتِي وَرُكْنُهُ اللَّفْظُ الَّذِي يُفِيدُهُ وَدَلِيلُهُ مِنْ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى { إلَّا مَنْ أُكْرِهَ } الْآيَةَ وَمِنْ السُّنَّةِ مَا وَرَدَ { ۝ أَنَّ صَفْوَانَ الطَّائِيَّ كَانَ نَائِمًا مَعَ امْرَأَتِهِ وَأَخَذَتْ الْمَرْأَةُ سِكِّينًا وَجَلَسَتْ عَلَى صَدْرِهِ ، وَقَالَتْ لَأَذْبَحَنَّكَ أَوْ تُطَلِّقُنِي فَنَاشَدَهَا بِاَللَّهِ فَأَبَتْ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَبَلَغَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَا إقَالَةَ فِي الطَّلَاقِ } وَشَرْطُهُ سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ .
وَحُكْمُهُ إذَا حَصَلَ بِهِ إتْلَافٌ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى الْمُكْرَهِ فِيمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لَهُ لِلْمُكْرَهِ وَيُجْعَلَ كَأَنَّهُ فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ كَمَا سَيَجِيءُ وَالْإِكْرَاهُ نَوْعَانِ مُلْجِئٌ وَغَيْرُ مُلْجِئٍ فَالْمُلْجِئُ هُوَ الْكَامِلُ بِمَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوِهِ فَإِنَّهُ يُعْدِمُ الرِّضَا وَيُوجِبُ الْإِلْجَاءَ وَيُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ وَغَيْرُ الْمُلْجِئِ هُوَ الْقَاصِرُ وَهُوَ أَنْ يُكْرَهَ بِمَا لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى تَلَفِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ كَالْإِكْرَاهِ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ أَوْ الْقَيْدِ أَوْ الْحَبْسِ فَإِنَّهُ يَعْدَمُ الرِّضَا وَلَا يُوجِبُ الْإِلْجَاءَ وَلَا يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْإِكْرَاهِ لَا يُؤَثِّرُ إلَّا فِي تَصَرُّفٍ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الرِّضَا كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْإِقْرَارِ وَالْأَوَّلُ يُؤَثِّرُ فِي الْكُلِّ فَيُضَافُ فِعْلُهُ إلَى الْمُكْرِهِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ فَعَلَهُ وَالْمُكْرَهُ آلَةٌ لَهُ فَيَكُونُ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهِ أَحَدٍ وَذَلِكَ مِثْلُ الْأَقْوَالِ وَالْأَكْلِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَأْكُلُ بِفَمِ غَيْرِهِ وَلَا يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ غَيْرِهِ فَلَا يُضَافُ إلَى غَيْرِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْأَكْلِ إذَا كَانَ فِيهِ إتْلَافٌ فَيُضَافُ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إتْلَافٌ بِصَلَاحِيَّتِهِ آلَةً لَهُ فِيهِ حَتَّى إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْعِتْقِ يَقَعُ كَأَنَّهُ أَوْقَعَهُ بِاخْتِيَارِهِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لَهُ وَيُضَافُ إلَى الْمُكْرَهِ مِنْ حَيْثُ 80 الْإِتْلَافُ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ بِقِيمَتِهِ ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْمُكْرَهِ وَلَا يُوجِبُ وَضْعَ الْخِطَابِ عَنْهُ بِحَالٍ ; لِأَنَّ الْمُكْرَهَ مُبْتَلًى وَالِابْتِلَاءَ يُحَقِّقُ الْخِطَابَ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ أَفْعَالَهُ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ فَرْضٍ وَحَظْرٍ وَإِبَاحَةٍ وَرُخْصَةٍ وَيَأْثَمُ تَارَةً وَيُؤْجَرُ أُخْرَى فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْلُ النَّفْسِ وَقَطْعُ الطُّرُقِ وَالزِّنَا وَيُفْتَرَضُ عَلَيْهِ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَيُثَابُ عَلَيْهِ إنْ امْتَنَعَ وَيُبَاحُ لَهُ بِالْإِكْرَاهِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَيُرَخَّصُ لَهُ بِإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ وَإِفْسَادِ الصَّوْمِ وَالْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُخَاطَبٌ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( هُوَ فِعْلٌ يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ بِغَيْرِهِ فَيَزُولُ بِهِ الرِّضَا ) زَادَ فِي الْمَبْسُوطِ أَوْ يَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْعَدِمَ بِهِ الْأَهْلِيَّةُ فِي حَقِّ الْمُكْرَهِ أَوْ يَسْقُطَ عَنْهُ الْخِطَابُ وَذَكَرَ فِي الْإِيضَاحِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ فِعْلٌ يُوجَدُ مِنْ الْمُكْرِهِ يَحْدُثُ فِي الْمَحَلِّ مَعْنًى يَصِيرُ بِهِ مَدْفُوعًا إلَى الْفِعْلِ الَّذِي طُلِبَ مِنْهُ وَذَكَرَ فِي الْوَافِي أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ تَهْدِيدِ غَيْرِهِ عَلَى مَا هَدَّدَ بِمَكْرُوهٍ عَلَى أَمْرٍ بِحَيْثُ يَنْتَفِي بِهِ الرِّضَا وَقَوْلُهُ فَيَزُولُ بِهِ الرِّضَا أَعَمُّ مَعَ كَوْنِهِ مَعَ فَسَادِ اخْتِيَارِهِ أَوْ مَعَ عَدَمِهِ وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى نَوْعَيْ الْإِكْرَاهِ ، ثُمَّ إنَّ الشَّائِعَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ مِنْ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ هُوَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ نَوْعَانِ وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ فَقَالَ الْإِكْرَاهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ نَوْعٌ يُعْدِمُ الرِّضَا وَيُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ وَهُوَ الْمُلْجِئُ وَنَوْعٌ يُعْدِمُ الرِّضَا وَلَا يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ وَهُوَ الَّذِي لَا يُلْجِئُ وَهُوَ نَوْعٌ آخَرُ لَا يُعْدِمُ الرِّضَا وَهُوَ أَنْ يُهَدَّدَ بِحَبْسِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ وَوَلَدِهِ ، وَهَذَا النَّوْعُ الثَّالِثُ أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْقِسْمَ الثَّالِثَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى شَرْعًا لِعَدَمِ تَرَتُّبِ أَحْكَامِ الْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ شَرْعًا وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ الْقِسْمَ الثَّالِثَ دَاخِلٌ فِي مَعْنَى الْإِكْرَاهِ لُغَةً وَأَطْلَقَ فِي الْإِنْسَانِ فَشَمِلَ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ وَالْمَعْتُوهَ كَذَا فِي قَاضِي خَانْ ، وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا ، وَلَوْ أَكْرَهَ الصَّبِيُّ أَوْ الْمَجْنُونُ أَوْ الْمَعْتُوهُ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ آخَرَ فَقَتَلَهُ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث