البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الثامن
الصفحة 4995 · الشرح
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَالدُّعَاءُ بِمَعْقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِك ) وَفِيهَا عِبَارَتَانِ بِمَعْقِدِ وَبِمَقْعَدِ فَالْأُولَى مِنْ الْعَقْدِ وَالثَّانِيَةُ مِنْ الْعُقُودِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ عِزَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَرْشِ وَالْعَرْشُ حَادِثٌ وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ يَكُونُ حَادِثًا ضَرُورَةً وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَالٍ عَنْ صِفَاتِ الْحُدُوثِ بَلْ عِزُّهُ قَدِيمٌ ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ حُدُوثَ تَعَلُّقِ صِفَتِهِ تَعَالَى بِشَيْءٍ حَادِثٍ لَا يُوجِبُ حُدُوثَ تِلْكَ الصِّفَةِ لِعَدَمِ تَوَقُّفِهَا عَلَى ذَلِكَ التَّعَلُّقِ فَإِنَّ صِفَةَ الْعِزِّ ثَابِتَةٌ لَهَا أَزَلًا وَأَبَدًا ، وَعَدَمُ تَعَلُّقِهِ بِالْعَرْشِ الْحَادِثِ قَبْلَ خَلْعِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ عِزِّهِ وَلَا نُقْصَانًا فِيهِ كَمَا أَنَّ تَعَلُّقَ كَمَالِ قُدْرَتِهِ فِي هَذَا الْعَالَمِ الْعَجِيبِ الصُّنْعِ قَبْلَ خَلْقِهِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ قُدْرَتِهِ أَوْ نَقْصًا فِيهِ وَبِالْجُمْلَةِ التَّعَلُّقَاتُ الْحَادِثَةُ بِظَاهِرِ الصِّفَاتِ لَا مُبَادِيَ لَهَا وَلَك أَنْ تُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَشَايِخَنَا إنَّمَا هَرَبُوا عَنْهُ لَيْسَ إلَّا لِإِيهَامِ مُطْلَقِ تَعَلُّقِ عِزِّهِ بِالْمُحْدَثِ ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الدِّينِ أَنَّ ظُهُورَ الْمُحْدَثَاتِ كُلِّهَا وَبُرُوزَهَا مِنْ الْعَدَمِ إلَى دَائِرَةِ الْوُجُودِ بِحَسَبِ تَعَلُّقِ إرَادَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ بِذَلِكَ وَالْحُدُوثُ إنَّمَا هُوَ فِي التَّعَلُّقَاتِ دُونَ أَصْلِ الصِّفَاتِ وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ بِمَا هَرَبُوا عَنْهُ إيهَامُ تَعَلُّقِ عِزِّ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمُحْدَثِ تَعَلُّقًا خَاصًّا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمُحْدَثُ مُبْتَدَأً أَوْ مُنْشَأً لِعِزَّةِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يُوهِمُ كَلِمَةُ " مِنْ " فِي عَرْشِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّعَلُّقَ بِالْمُحْدَثِ عَلَى الْوَجْهِ الْخَاصِّ الْمَذْكُورِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي عِزَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَصْلًا قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ فِي دُعَائِهِ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ ; لِأَنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ۝ كَانَ يَقُولُ أَسْأَلُك بِمَقْعَدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِك } وَالِاحْتِيَاطُ الِامْتِنَاعُ عَنْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ مُخَالِفٍ لِلْقَطْعِيِّ .
رَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فِي مَجْلِسِ الْفِسْقِ ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالتَّسْبِيحِ عَمَّا هُمْ فِيهِ فَهُوَ أَحْسَنُ ، وَأَفْضَلُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث