البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الثامن
الصفحة 5161 · الشرح
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ ) لِمَا تَلَوْنَا وَرَوَيْنَا مِنْ الْعُمُومَاتِ وَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعَانِي قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَلَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْوَلَدِ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ۝ لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ وَلَا السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ } ; وَلِأَنَّ الْوَالِدَ لَا يَقْتُلُ وَلَدَهُ غَالِبًا لِوُفُورِ شَفَقَتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ ; وَلِأَنَّ الْأَبَ لَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ بِوَلَدِهِ ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِإِحْيَائِهِ فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ سَبَبًا لِإِفْنَائِهِ ; وَلِهَذَا لَا يَقْتُلُهُ إذَا وَجَدَهُ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ مُقَاتِلًا أَوْ زَانِيًا ، وَهُوَ مُحْصَنٌ ، وَهَذَا ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَسْتَحِقُّهُ الْوَارِثُ بِسَبَبٍ انْعَقَدَ لِلْمَيِّتِ خِلَافُهُ ، وَلَوْ قُتِلَ بِهِ كَانَ الْقَاتِلُ هُوَ الِابْنَ نِيَابَةً وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَنْ زَنَى بِابْنَتِهِ ، وَهُوَ مُحْصَنٌ ، فَإِنَّهُ يُرْجَمُ أُجِيبَ بِأَنَّ الرَّجْمَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْخُصُوصِ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ لَا يُقَالُ فَيَجِبُ أَنْ يَحُدَّ إذَا زَنَى بِجَارِيَةِ ابْنِهِ ; لِأَنَّا نَقُولُ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْمِلْكِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ۝ أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك } قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ( وَالْأُمُّ وَالْجَدُّ وَالْجَدَّةُ كَالْأَبِ ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ ; لِأَنَّهُ جُزْؤُهُمْ فَالنَّصُّ الْوَارِدُ فِي الْأَبِ يَكُونُ وَارِدًا فِيهِمْ دَلَالَةً فَكَانَتْ الشُّبْهَةُ شَامِلَةً لِلْجَمِيعِ فِي جَمِيعِ صُوَرِ الْقَتْلِ وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنْ قَتَلَهُ ضَرْبًا بِالسَّيْفِ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَصَدَ تَأْدِيبَهُ ، وَإِنْ كَانَ ذَبَحَهُ ذَبْحًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ ; لِأَنَّهُ عَمْدٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَلَا تَأْوِيلَ بَلْ جِنَايَةُ الْأَبِ أَغْلَظُ ; لِأَنَّ فِيهِ قَطْعَ الرَّحِمِ فَصَارَ كَمَنْ زَنَى بِابْنَتِهِ حَيْثُ يُرْجَمُ كَمَا لَوْ زَنَى بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَا وَمَا بَيَّنَّا وَلَيْسَ هَذَا كَالزِّنَا بِبِنْتِهِ ; لِأَنَّ الْأَبَ لِوُفُورِ شَفَقَتِهِ يَجْتَنِبُ مَا يَضُرُّ وَلَدَهُ بَلْ يَتَحَمَّلُ الضَّرَرَ عَنْهُ حَتَّى يَسْلَمَ وَلَدُهُ فَهَذَا هُوَ الْعَادَةُ الْفَاشِيَةُ بَيْنَ النَّاسِ فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنْ يَقْصِدَ قَتْلَ وَلَدِهِ ، فَإِنْ وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ الْعَوَارِضِ النَّادِرَةِ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِذَلِكَ الْقَوَاعِدُ الشَّرْعِيَّةُ أَلَا تَرَى أَنَّ السَّفَرَ لَمَّا كَانَ فِيهِ الْمَشَقَّةُ غَالِبًا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَرَخَّصَ بِرُخْصَةِ الْمُسَافِرِينَ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِمَا يَتَّفِقُ فِيهِ لِبَعْضِهِمْ مِنْ الرَّاحَةِ وَلَا كَذَلِكَ الزِّنَا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث