البحر الرائق شرح كنز الدقائق
البحر الرائق شرح كنز الدقائق · الجزء الثاني
الصفحة 753 · ص. المطبوع 122 · الشرح
( بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ ) ذَكَرَهَا عَقِبَ سُجُودِ السَّهْوِ لِأَنَّهَا مِنْ الْعَوَارِضِ السَّمَاوِيَّةِ وَالْأَوَّلُ أَعَمُّ مَوْقِعًا لِشُمُولِهِ الْمَرِيضَ وَالصَّحِيحَ فَكَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى بَيَانِهِ أَمَسُّ فَقَدَّمَهُ وَتَصَوُّرُ مَفْهُومِ الْمَرَضِ ضَرُورِيٌّ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ فَهْمَ الْمُرَادِ مِنْ لَفْظِ الْمَرَضِ أَجْلَى مِنْ فَهْمِهِ مِنْ قَوْلِنَا مَعْنًى يَزُولُ بِحُلُولِهِ فِي بَدَنِ الْحَيِّ اعْتِدَالُ الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ بَلْ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى التَّعْرِيفِ بِالْأَخْفَى وَعَرَّفَهُ فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ بِأَنَّهُ حَالَةٌ لِلْبَدَنِ خَارِجَةٌ عَنْ الْمَجْرَى الطَّبِيعِيِّ وَالْإِضَافَةُ فِيهِ مِنْ بَابِ إضَافَةِ الْفِعْلِ إلَى فَاعِلِهِ كَقِيَامِ زَيْدٍ أَوْ إلَى مَحَلِّهِ كَتَحْرِيكِ الْخَشَبِ ( قَوْلُهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ أَوْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ } قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَجَابِرٌ وَابْنُ عُمَرَ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ أَيْ قِيَامًا إنْ قَدَرُوا وَقُعُودًا إنْ عَجَزُوا عَنْهُ وَعَلَى جُنُوبِهِمْ إنْ عَجَزُوا عَنْ الْقُعُودِ وَلِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ حُصَيْنٍ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا { ۝ قَالَ كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاةِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِك } زَادَ النَّسَائِيُّ { ۝ فَإِنْ لَمْ تَسْطِيعْ فَمُسْتَلْقِيًا لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } ثُمَّ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَرَادَ بِالتَّعَذُّرِ التَّعَذُّرَ الْحَقِيقِيَّ بِحَيْثُ لَوْ قَامَ سَقَطَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ التَّعَذُّرَ الْحُكْمِيَّ وَهُوَ خَوْفُ زِيَادَةِ الْمَرَضِ وَاخْتَلَفُوا فِي التَّعَذُّرِ فَقِيلَ مَا يُبِيحُ الْإِفْطَارَ وَقِيلَ التَّيَمُّمَ وَقِيلَ بِحَيْثُ لَوْ قَامَ سَقَطَ وَقِيلَ مَا يُعْجِزُهُ عَنْ الْقِيَامِ بِحَوَائِجِهِ وَالْأَصَحُّ أَنْ يَلْحَقَهُ ضَرَرٌ بِالْقِيَامِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْمُجْتَبَى وَغَيْرِهِمَا وَإِذَا كَانَ التَّعَذُّرُ أَعَمَّ مِنْ الْحَقِيقِيِّ وَالْحُكْمِيِّ فَلَا حَاجَةَ إلَى جَعْلِ التَّعَذُّرِ بِمَعْنَى التَّعَسُّرِ وَإِنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ بِهِ عَدَمَ الْإِمْكَانِ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ
وَفِي الْمُجْتَبَى حَدُّ الْمَرَضِ الْمُسْقِطِ لِلْقِيَامِ وَالْجُمُعَةِ وَالْمُبِيحِ لِلْإِفْطَارِ وَالتَّيَمُّمِ زِيَادَةُ الْعِلَّةِ أَوْ امْتِدَادُ الْمَرَضِ أَوْ اشْتِدَادُهُ أَوْ يَجِدُ بِهِ وَجَعًا ا هـ .
قَيَّدَ بِتَعَذُّرِ الْقِيَامِ أَيْ جَمِيعِهِ لِأَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ مُتَّكِئًا أَوْ مُتَعَمِّدًا عَلَى عَصًا أَوْ حَائِطٍ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا كَذَلِكَ خُصُوصًا عَلَى قَوْلِهِمَا فَإِنَّهُمَا يَجْعَلَانِ قُدْرَةَ الْغَيْرِ قُدْرَةً لَهُ قَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ إذَا قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الْقِيَامِ يَقُومُ ذَلِكَ وَلَوْ قَدْرَ آيَةٍ أَوْ تَكْبِيرَةٍ ثُمَّ يَقْعُدُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ خِفْت أَنْ تَفْسُدَ صَلَاتُهُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَلَا يُرْوَى عَنْ أَصْحَابِنَا خِلَافُهُ وَكَذَا إذَا عَجَزَ عَنْ الْقُعُودِ وَقَدَرَ عَلَى الِاتِّكَاءِ وَالِاسْتِنَادِ إلَى إنْسَانٍ أَوْ إلَى حَائِطٍ أَوْ إلَى وِسَادَةٍ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا كَذَلِكَ وَلَوْ اسْتَلْقَى لَا يُجْزِئُهُ وَدَخَلَ تَحْتَ الْعَجْزِ الْحُكْمِيِّ مَا لَوْ صَامَ رَمَضَانَ صَلَّى قَاعِدًا وَإِنْ أَفْطَرَ صَلَّى قَائِمًا يَصُومُ وَيُصَلِّي قَاعِدًا وَمَا لَوْ عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ وَقَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ وَمَا لَوْ صَلَّى قَائِمًا سَلِسَ بَوْلُهُ وَلَوْ صَلَّى قَاعِدًا لَا فَإِنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدًا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ لَوْ قَامَ أَوْ قَعَدَ سَالَ بَوْلُهُ وَلَوْ اسْتَلْقَى لَا فَإِنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدًا وَلَا يَسْتَلْقِي لِأَنَّهَا مُسْتَلْقِيًا لَا تَجُوزُ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ بِحَالٍ كَمَا لَا تَجُوزُ مَعَ الْحَدَثِ فَاسْتَوَيَا وَتَمَامُهُ فِي الْمُحِيطِ وَمَا لَوْ كَانَ فِي بَطْنِهَا وَلَدٌ فَأَخْرَجَتْ 122 إحْدَى يَدَيْهِ وَتَخَافُ خُرُوجَ الْوَقْتِ تُصَلِّي بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُ الْوَلَدَ ضَرَرٌ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْوَلَدِ مُمْكِنٌ كَمَا فِي التَّجْنِيسِ وَمَا لَوْ خَافَ مِنْ الْعَدُوِّ إنْ صَلَّى قَائِمًا أَوْ كَانَ فِي خِبَاءٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقِيمَ صُلْبَهُ فِيهِ وَإِنْ خَرَجَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ مِنْ الطِّينِ وَالْمَطَرِ أَنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدًا وَمَنْ بِهِ أَدْنَى عِلَّةٍ وَهُوَ فِي طَرِيقٍ فَخَافَ إنْ نَزَلَ عَنْ الْمَحْمَلِ لِلصَّلَاةِ بَقِيَ فِي الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرَائِضَ عَلَى مَحْمَلِهِ وَكَذَا الْمَرِيضُ الرَّاكِبُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النُّزُولِ وَلَا عَلَى مَنْ يُنْزِلُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَدَرَ عَلَى مَنْ يُنْزِلُهُ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيمَا إذَا كَانَ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ وَلَوْ خَرَجَ إلَى الْجَمَاعَةِ يَعْجَزُ عَنْ الْقِيَامِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَخْرُجُ إلَى الْجَمَاعَةِ وَيُصَلِّي قَاعِدًا كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى خِلَافِهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث