تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ( 36 ) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ( 37 ) ) .
ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ، مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ : أَنَّهَا بَعَثَتْ إِلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَجَوَاهِرَ وَلَآلِئَ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَرْسَلَتْ بِلَبِنَةٍ مِنْ ذَهَبٍ . وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا أَرْسَلَتْ [ إِلَيْهِ ] بِآنِيَةٍ مِنْ ذَهَبٍ .
قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَغَيْرُهُمَا : وَأَرْسَلَتْ جِوَارِيَ فِي زِيِّ الْغِلْمَانِ ، وَغِلْمَانًا فِي زِيِّ الْجَوَارِي ، وَقَالَتْ : إِنْ عَرَفَ هَؤُلَاءِ مِنْ هَؤُلَاءِ فَهُوَ نَبِيٌّ . قَالُوا : فَأَمَرَهُمْ [ سُلَيْمَانُ ] عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنْ يَتَوَضَّئُوا ، فَجَعَلَتِ الْجَارِيَةُ تُفْرِغُ عَلَى يَدِهَا مِنَ الْمَاءِ ، وَجَعَلَ الْغُلَامُ يَغْتَرِفُ ، فَمَيَّزَهُمْ بِذَلِكَ .
وَقِيلَ : بَلْ جَعَلَتِ الْجَارِيَةُ تَغْسِلُ بَاطِنَ يَدِهَا قَبْلَ ظَاهِرِهَا ، وَالْغُلَامُ بِالْعَكْسِ .
وَقِيلَ : بَلْ جَعَلَتِ الْجَوَارِي يَغْتَسِلْنَ مِنْ أَكُفِّهِنَّ إِلَى مُرَافِقِهِنَّ ، وَالْغِلْمَانُ مِنْ مَرَافِقِهِمْ إِلَى أَكُفِّهِمْ . وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ : أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحٍ لِيَمْلَأَهُ مَاءً رِوَاءً ، لَا مِنَ السَّمَاءِ وَلَا مِنَ الْأَرْضِ ، فَأَجْرَى الْخَيْلَ حَتَّى عَرِقَتْ ، ثُمَّ مَلَأَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَبِخَرَزَةٍ وَسِلْكٍ لِيَجْعَلَهُ فِيهَا ، فَفَعَلَ ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَكَانَ ذَلِكَ أَمْ لَا ، وَأَكْثَرَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمْ يَنْظُرْ إِلَى مَا 191 جَاءُوا بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَلَا اعْتَنَى بِهِ ، بَلْ أَعْرَضَ عَنْهُ ، وَقَالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ : ( أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ ) أَيْ : أَتُصَانِعُونَنِي بِمَالٍ لِأَتْرُكَكُمْ عَلَى شِرْكِكُمْ وَمُلْكِكُمْ ؟ ! ( فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ ) أَيِ : الَّذِي أَعْطَانِي اللَّهُ مِنَ الْمُلْكِ وَالْمَالِ وَالْجُنُودِ خَيْرٌ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ ، ( بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ) أَيْ : أَنْتُمُ الَّذِينَ تَنْقَادُونَ لِلْهَدَايَا وَالتُّحَفِ ، وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَقْبَلُ مِنْكُمْ إِلَّا الْإِسْلَامَ أَوِ السَّيْفَ .
قَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَمَرَ سُلَيْمَانُ الشَّيَاطِينَ فَمَوَّهُوا لَهُ أَلْفَ قَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ ، فَلَمَّا رَأَتْ رُسُلُهَا ذَلِكَ قَالُوا : مَا يَصْنَعُ هَذَا بِهَدِيَّتِنَا . وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ تَهَيُّؤِ الْمُلُوكِ وَإِظْهَارِهِمُ الزِّينَةَ لِلرُّسُلِ وَالْقُصَّادِ .
( ارْجِعْ إِلَيْهِمْ ) أَيْ : بِهَدِيَّتِهِمْ ، ( فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ) أَيْ : لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِقِتَالِهِمْ ، ( وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا ) أَيْ : مِنْ بَلَدِهِمْ ، ( أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ) أَيْ : مُهَانُونَ مَدْحُورُونَ .
فَلَمَّا رَجَعَتْ إِلَيْهَا رُسُلُهَا بِهَدِيَّتِهَا ، وَبِمَا قَالَ سُلَيْمَانُ ، سَمِعَتْ وَأَطَاعَتْ هِيَ وَقَوْمُهَا ، وَأَقْبَلَتْ تَسِيرُ إِلَيْهِ فِي جُنُودِهَا خَاضِعَةً ذَلِيلَةً ، مُعَظِّمَةً لِسُلَيْمَانَ ، نَاوِيَةً مُتَابَعَتَهُ فِي الْإِسْلَامِ . وَلَمَّا تَحَقَّقَ سُلَيْمَانُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قُدُومَهُمْ عَلَيْهِ وَوُفُودَهُمْ إِلَيْهِ ، فَرِحَ بِذَلِكَ وَسَرَّهُ .
ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ، مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ : أَنَّهَا بَعَثَتْ إِلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَجَوَاهِرَ وَلَآلِئَ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَرْسَلَتْ بِلَبِنَةٍ مِنْ ذَهَبٍ . وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا أَرْسَلَتْ [ إِلَيْهِ ] بِآنِيَةٍ مِنْ ذَهَبٍ .
قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَغَيْرُهُمَا : وَأَرْسَلَتْ جِوَارِيَ فِي زِيِّ الْغِلْمَانِ ، وَغِلْمَانًا فِي زِيِّ الْجَوَارِي ، وَقَالَتْ : إِنْ عَرَفَ هَؤُلَاءِ مِنْ هَؤُلَاءِ فَهُوَ نَبِيٌّ . قَالُوا : فَأَمَرَهُمْ [ سُلَيْمَانُ ] عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنْ يَتَوَضَّئُوا ، فَجَعَلَتِ الْجَارِيَةُ تُفْرِغُ عَلَى يَدِهَا مِنَ الْمَاءِ ، وَجَعَلَ الْغُلَامُ يَغْتَرِفُ ، فَمَيَّزَهُمْ بِذَلِكَ .
وَقِيلَ : بَلْ جَعَلَتِ الْجَارِيَةُ تَغْسِلُ بَاطِنَ يَدِهَا قَبْلَ ظَاهِرِهَا ، وَالْغُلَامُ بِالْعَكْسِ .
وَقِيلَ : بَلْ جَعَلَتِ الْجَوَارِي يَغْتَسِلْنَ مِنْ أَكُفِّهِنَّ إِلَى مُرَافِقِهِنَّ ، وَالْغِلْمَانُ مِنْ مَرَافِقِهِمْ إِلَى أَكُفِّهِمْ . وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ : أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحٍ لِيَمْلَأَهُ مَاءً رِوَاءً ، لَا مِنَ السَّمَاءِ وَلَا مِنَ الْأَرْضِ ، فَأَجْرَى الْخَيْلَ حَتَّى عَرِقَتْ ، ثُمَّ مَلَأَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَبِخَرَزَةٍ وَسِلْكٍ لِيَجْعَلَهُ فِيهَا ، فَفَعَلَ ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَكَانَ ذَلِكَ أَمْ لَا ، وَأَكْثَرَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمْ يَنْظُرْ إِلَى مَا 191 جَاءُوا بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَلَا اعْتَنَى بِهِ ، بَلْ أَعْرَضَ عَنْهُ ، وَقَالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ : ( أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ ) أَيْ : أَتُصَانِعُونَنِي بِمَالٍ لِأَتْرُكَكُمْ عَلَى شِرْكِكُمْ وَمُلْكِكُمْ ؟ ! ( فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ ) أَيِ : الَّذِي أَعْطَانِي اللَّهُ مِنَ الْمُلْكِ وَالْمَالِ وَالْجُنُودِ خَيْرٌ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ ، ( بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ) أَيْ : أَنْتُمُ الَّذِينَ تَنْقَادُونَ لِلْهَدَايَا وَالتُّحَفِ ، وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَقْبَلُ مِنْكُمْ إِلَّا الْإِسْلَامَ أَوِ السَّيْفَ .
قَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَمَرَ سُلَيْمَانُ الشَّيَاطِينَ فَمَوَّهُوا لَهُ أَلْفَ قَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ ، فَلَمَّا رَأَتْ رُسُلُهَا ذَلِكَ قَالُوا : مَا يَصْنَعُ هَذَا بِهَدِيَّتِنَا . وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ تَهَيُّؤِ الْمُلُوكِ وَإِظْهَارِهِمُ الزِّينَةَ لِلرُّسُلِ وَالْقُصَّادِ .
( ارْجِعْ إِلَيْهِمْ ) أَيْ : بِهَدِيَّتِهِمْ ، ( فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ) أَيْ : لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِقِتَالِهِمْ ، ( وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا ) أَيْ : مِنْ بَلَدِهِمْ ، ( أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ) أَيْ : مُهَانُونَ مَدْحُورُونَ .
فَلَمَّا رَجَعَتْ إِلَيْهَا رُسُلُهَا بِهَدِيَّتِهَا ، وَبِمَا قَالَ سُلَيْمَانُ ، سَمِعَتْ وَأَطَاعَتْ هِيَ وَقَوْمُهَا ، وَأَقْبَلَتْ تَسِيرُ إِلَيْهِ فِي جُنُودِهَا خَاضِعَةً ذَلِيلَةً ، مُعَظِّمَةً لِسُلَيْمَانَ ، نَاوِيَةً مُتَابَعَتَهُ فِي الْإِسْلَامِ . وَلَمَّا تَحَقَّقَ سُلَيْمَانُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قُدُومَهُمْ عَلَيْهِ وَوُفُودَهُمْ إِلَيْهِ ، فَرِحَ بِذَلِكَ وَسَرَّهُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث