تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
الصفحة 1758 · ص. المطبوع 392
392 تَفْسِيرُ سُورَةِ ق وَهِيَ مَكِّيَّةٌ .
وَهَذِهِ السُّورَةُ هِيَ أَوَّلُ الْحِزْبِ الْمُفَصَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَقِيلَ : مِنَ الْحُجُرَاتِ . وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ الْعَامَّةُ : إِنَّهُ مِنْ ( عَمَّ ) فَلَا أَصْلَ لَهُ ، وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ فِيمَا نَعْلَمُ . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هِيَ أَوَّلُ الْمُفَصَّلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ ، بَابُ " تَحْزِيبِ الْقُرْآنِ " ثُمَّ قَالَ :
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا قُرَّانُ بْنُ تَمَّامٍ ، ( ح ) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ حِبَّانَ - وَهَذَا لَفْظُهُ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْلَى ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ جَدِّهِ - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ : حَدَّثَنِيهِ أَوْسُ بْنُ حُذَيْفَةَ - ثُمَّ اتَّفَقَا . قَالَ : ۝ قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ ، قَالَ : فَنَزَلَتِ الْأَحْلَافُ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَأَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنِي مَالِكٍ فِي قُبَّةٍ لَهُ - قَالَ مُسَدَّدٌ : وَكَانَ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ثَقِيفٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ [ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ] كُلَّ لَيْلَةٍ يَأْتِينَا بَعْدَ الْعَشَاءِ يُحَدِّثُنَا - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ حَتَّى يُرَاوِحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ - فَأَكْثَرُ مَا يُحَدِّثُنَا مَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ ، ثُمَّ يَقُولُ : لَا سَوَاءَ وَكُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَذَلِّينَ - قَالَ مُسَدَّدٌ : بِمَكَّةَ - فَلَمَّا خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَتْ سِجَالُ الْحَرْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ، نُدَالُ عَلَيْهِمْ وَيُدَالُونَ عَلَيْنَا . فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةٌ أَبْطَأَ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَأْتِينَا فِيهِ ، فَقُلْنَا : لَقَدْ أَبْطَأْتَ عَنَّا اللَّيْلَةَ ! قَالَ : " إِنَّهُ طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبِي مِنَ الْقُرْآنِ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجِيءَ حَتَّى أُتِمَّهُ " . قَالَ أَوْسٌ : سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ ؟ فَقَالُوا : ثَلَاثٌ ، وَخَمْسٌ ، وَسَبْعٌ ، وَتِسْعٌ ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ ، وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ .
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ ، بِهِ . وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، هُوَ ابْنُ يَعْلَى الطَّائِفِيُّ بِهِ .
إِذَا عُلِمَ هَذَا ، فَإِذَا عَدَدْتَ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ سُورَةً ، فَالَّتِي بَعْدَهُنَّ سُورَةُ " ق " . بَيَانُهُ : ثَلَاثٌ : الْبَقَرَةُ ، وَآلُ عِمْرَانَ ، وَالنِّسَاءُ . وَخَمْسٌ : الْمَائِدَةُ ، وَالْأَنْعَامُ ، وَالْأَعْرَافُ ، وَالْأَنْفَالُ ، وَبَرَاءَةُ . وَسَبْعٌ : يُونُسُ ، وَهُودٌ ، وَيُوسُفُ ، وَالرَّعْدُ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَالْحِجْرُ ، وَالنَّحْلُ . وَتِسْعٌ : سُبْحَانَ ، وَالْكَهْفُ ، وَمَرْيَمُ ، وَطَهَ ، وَالْأَنْبِيَاءُ ، وَالْحَجُّ ، وَالْمُؤْمِنُونَ ، وَالنُّورُ ، وَالْفُرْقَانُ . وَإِحْدَى عَشْرَةَ : الشُّعَرَاءُ ، وَالنَّمْلُ ، وَالْقَصَصُ ، وَالْعَنْكَبُوتُ ، وَالرُّومُ ، وَلُقْمَانُ ، وَ " الم " السَّجْدَةِ ، وَالْأَحْزَابُ ، وَسَبَأٌ ، وَفَاطِرٌ ، وَ يس . وَثَلَاثَ عَشْرَةَ : الصَّافَّاتُ ، وَ " ص " ، وَالزُّمَرُ ، وَغَافِرٌ ، وَ " حم " السَّجْدَةِ ، وَ " حم عسق " ، وَالزُّخْرُفُ ، وَالدُّخَانُ ، وَالْجَاثِيَةُ ، 393 وَالْأَحْقَافُ ، وَالْقِتَالُ ، وَالْفَتْحُ ، وَالْحُجُرَاتُ . ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْحِزْبُ الْمُفَصَّلُ كَمَا قَالَهُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . فَتَعَيَّنَ أَنَّ أَوَّلَهُ سُورَةُ " ق " وَهُوَ الَّذِي قُلْنَاهُ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ; أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ : ۝ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْعِيدِ ؟ قَالَ : بِقَافٍ ، وَاقْتَرَبَتْ .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، بِهِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ فُلَيْحٍ عَنْ ضَمْرَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ قَالَ : سَأَلَنِي عُمَرُ ، فَذَكَرَهُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ ، عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ قَالَتْ : ۝ لَقَدْ كَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاحِدًا سَنَتَيْنِ ، أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ ، وَمَا أَخَذْتُ ( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ) إِلَّا عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ [ أَيْضًا ] مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، بِهِ .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ خُبَيْبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ ، عَنِ ابْنَةِ الْحَارِثِ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ : ۝ مَا حَفِظْتُ " ق " إِلَّا مِنْ فِيِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ . قَالَتْ : وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاحِدًا .
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، بِهِ .
وَالْقَصْدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ بِهَذِهِ السُّورَةِ فِي الْمَجَامِعِ الْكِبَارِ ، كَالْعِيدِ وَالْجُمَعِ ، لِاشْتِمَالِهَا عَلَى ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ ، وَالْمَعَادِ وَالْقِيَامِ ، وَالْحِسَابِ ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث