تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
139 ) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 14 ) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 15 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 16 ) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ( 17 ) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْأَزْوَاجِ وَالْأَوْلَادِ : إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ عَدُوُّ الزَّوْجِ وَالْوَالِدِ ، بِمَعْنَى : أَنَّهُ يُلْتَهَى بِهِ عَنِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، كَقَوْلِهِ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) [ . : 9 ] ; وَلِهَذَا قَالَ هَا هُنَا : ( فَاحْذَرُوهُمْ ) قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : يَعْنِي عَلَى دِينِكُمْ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ ) قَالَ : يَحْمِلُ الرَّجُلَ عَلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ أَوْ مَعْصِيَةِ رَبِّهِ ، فَلَا يَسْتَطِيعُ الرَّجُلُ مَعَ حُبِّهِ إِلَّا أَنْ يُطِيعَهُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ) - قَالَ : فَهَؤُلَاءِ رِجَالٌ أَسْلَمُوا مِنْ مَكَّةَ فَأَرَادُوا أَنْ يَأْتُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَبَى أَزْوَاجُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ أَنْ يَدَعُوهُمْ ، فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَوُا النَّاسَ قَدْ فَقِهُوا فِي الدِّينِ ، فَهَمُّوا أَنْ يُعَاقِبُوهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ : ( وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، عَنِ الْفِرْيَابِيِّ - وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ - بِهِ ، وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ بِهِ وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، نَحْوُهُ ، وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ مَوْلَاهُ سَوَاءً .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) يَقُولُ تَعَالَى : إِنَّمَا الْأَمْوَالُ وَالْأَوْلَادُ فِتْنَةٌ ، أَيِ : اخْتِبَارٌ وَابْتِلَاءٌ مِنَ اللَّهِ لِخَلْقِهِ . لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاللَّهُ عِنْدَهُ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( أَجْرٌ عَظِيمٌ ) كَمَا قَالَ : ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) وَالَّتِي بَعْدَهَا [ آلِ عِمْرَانَ : 14 ، 15 ]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، سَمِعْتُ أَبِي بُرَيْدَةَ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ ، فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا فَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : " صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ، نَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا " .
140
وَرَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، بِهِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِهِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا مَجَالِدٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، حَدَّثَنَا الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ : قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وَفْدِ كِنْدَةَ فَقَالَ لِي : " هَلْ لَكَ مِنْ وَلَدٍ ؟ " قُلْتُ : غُلَامٌ وُلِدَ لِي فِي مَخْرَجِي إِلَيْكَ مِنِ ابْنَةِ جَمْدٍ ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّ بِمَكَانِهِ شِبَعَ الْقَوْمِ . قَالَ : " لَا تَقُولَنَّ ذَلِكَ ، فَإِنَّ فِيهِمْ قُرَّةَ عَيْنٍ ، وَأَجْرًا إِذَا قُبِضُوا " ، ثُمَّ قَالَ : " وَلَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ : إِنَّهُمْ لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ " تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الْوَلَدُ ثَمَرَةُ الْقُلُوبِ ، وَإِنَّهُمْ مَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ مَحْزَنَةٌ " ثُمَّ قَالَ : لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ مَرْثَدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنِي ضَمْضَمُ بْنُ زُرْعَةَ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَيْسَ عَدُوُّكَ الَّذِي إِنْ قَتَلْتَهُ كَانَ فَوْزًا لَكَ ، وَإِنْ قَتَلَكَ دَخَلْتَ الْجَنَّةَ ، وَلَكِنَّ الَّذِي لَعَلَّهُ عَدُوٌّ لَكَ وَلَدُكَ الَّذِي خَرَجَ مِنْ صُلْبِكَ ، ثُمَّ أَعْدَى عَدُوٍّ لَكَ مَالُكَ الَّذِي مَلَكَتْ يَمِينُكَ "
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) أَيْ : جُهْدَكُمْ وَطَاقَتَكُمْ . كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ "
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ - كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ - إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْعَظِيمَةَ نَاسِخَةٌ لِلَّتِي فِي " آلِ عِمْرَانَ " وَهِيَ قَوْلُهُ : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 102 ]
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنِي عَطَاءٌ - هُوَ ابْنُ دِينَارٍ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : ( اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) قَالَ : لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ اشْتَدَّ عَلَى الْقَوْمِ الْعَمَلُ ، فَقَامُوا حَتَّى وَرِمَتْ عَرَاقِيبُهُمْ وَتَقَرَّحَتْ جِبَاهُهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَخْفِيفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) فَنَسَخَتِ الْآيَةَ الْأُولَى .
141
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَقَتَادَةَ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، والسُّدِّيِّ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ نَحْوُ ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ) أَيْ : كُونُوا مُنْقَادِينَ لِمَا يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ ، وَلَا تَحِيدُوا عَنْهُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً ، وَلَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَا تَتَخَلَّفُوا عَمَّا بِهِ أُمِرْتُمْ ، وَلَا تَرْكَبُوا مَا عَنْهُ زُجِرْتُمْ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ ) أَيْ : وَابْذُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ عَلَى الْأَقَارِبِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَذَوِي الْحَاجَاتِ ، وَأَحْسِنُوا إِلَى خَلْقِ اللَّهِ كَمَا أَحْسَنَ إِلَيْكُمْ ، يَكُنْ خَيْرًا لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَإِنْ لَا تَفْعَلُوا يَكُنْ شَرًّا لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي سُورَةِ " الْحَشْرِ " وَذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَا هُنَا ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ ،
وَقَوْلُهُ : ( إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) أَيْ : مَهْمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ، وَمَهْمَا تَصَدَّقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ ، وَنَزَلَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْقَرْضِ لَهُ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : " مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ ظَلُومٍ وَلَا عَدِيمٍ " وَلِهَذَا قَالَ : ( يُضَاعِفْهُ لَكُمْ ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ : ( فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ) [ الْبَقَرَةِ : 245 ]
( وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) أَيْ : وَيُكَفِّرْ عَنْكُمُ السَّيِّئَاتِ . وَلِهَذَا قَالَ : ( وَاللَّهُ شَكُورٌ ) أَيْ : يَجْزِي عَلَى الْقَلِيلِ بِالْكَثِيرِ ( حَلِيمٌ ) أَيْ : يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَيَغْفِرُ وَيَسْتُرُ ، وَيَتَجَاوَزُ عَنِ الذُّنُوبِ وَالزَّلَّاتِ وَالْخَطَايَا وَالسَّيِّئَاتِ .
( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْأَزْوَاجِ وَالْأَوْلَادِ : إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ عَدُوُّ الزَّوْجِ وَالْوَالِدِ ، بِمَعْنَى : أَنَّهُ يُلْتَهَى بِهِ عَنِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، كَقَوْلِهِ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) [ . : 9 ] ; وَلِهَذَا قَالَ هَا هُنَا : ( فَاحْذَرُوهُمْ ) قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : يَعْنِي عَلَى دِينِكُمْ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ ) قَالَ : يَحْمِلُ الرَّجُلَ عَلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ أَوْ مَعْصِيَةِ رَبِّهِ ، فَلَا يَسْتَطِيعُ الرَّجُلُ مَعَ حُبِّهِ إِلَّا أَنْ يُطِيعَهُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ) - قَالَ : فَهَؤُلَاءِ رِجَالٌ أَسْلَمُوا مِنْ مَكَّةَ فَأَرَادُوا أَنْ يَأْتُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَبَى أَزْوَاجُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ أَنْ يَدَعُوهُمْ ، فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَوُا النَّاسَ قَدْ فَقِهُوا فِي الدِّينِ ، فَهَمُّوا أَنْ يُعَاقِبُوهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ : ( وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، عَنِ الْفِرْيَابِيِّ - وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ - بِهِ ، وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ بِهِ وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، نَحْوُهُ ، وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ مَوْلَاهُ سَوَاءً .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) يَقُولُ تَعَالَى : إِنَّمَا الْأَمْوَالُ وَالْأَوْلَادُ فِتْنَةٌ ، أَيِ : اخْتِبَارٌ وَابْتِلَاءٌ مِنَ اللَّهِ لِخَلْقِهِ . لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاللَّهُ عِنْدَهُ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( أَجْرٌ عَظِيمٌ ) كَمَا قَالَ : ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) وَالَّتِي بَعْدَهَا [ آلِ عِمْرَانَ : 14 ، 15 ]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، سَمِعْتُ أَبِي بُرَيْدَةَ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ ، فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا فَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : " صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ، نَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا " .
140
وَرَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، بِهِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِهِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا مَجَالِدٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، حَدَّثَنَا الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ : قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وَفْدِ كِنْدَةَ فَقَالَ لِي : " هَلْ لَكَ مِنْ وَلَدٍ ؟ " قُلْتُ : غُلَامٌ وُلِدَ لِي فِي مَخْرَجِي إِلَيْكَ مِنِ ابْنَةِ جَمْدٍ ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّ بِمَكَانِهِ شِبَعَ الْقَوْمِ . قَالَ : " لَا تَقُولَنَّ ذَلِكَ ، فَإِنَّ فِيهِمْ قُرَّةَ عَيْنٍ ، وَأَجْرًا إِذَا قُبِضُوا " ، ثُمَّ قَالَ : " وَلَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ : إِنَّهُمْ لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ " تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الْوَلَدُ ثَمَرَةُ الْقُلُوبِ ، وَإِنَّهُمْ مَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ مَحْزَنَةٌ " ثُمَّ قَالَ : لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ مَرْثَدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنِي ضَمْضَمُ بْنُ زُرْعَةَ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَيْسَ عَدُوُّكَ الَّذِي إِنْ قَتَلْتَهُ كَانَ فَوْزًا لَكَ ، وَإِنْ قَتَلَكَ دَخَلْتَ الْجَنَّةَ ، وَلَكِنَّ الَّذِي لَعَلَّهُ عَدُوٌّ لَكَ وَلَدُكَ الَّذِي خَرَجَ مِنْ صُلْبِكَ ، ثُمَّ أَعْدَى عَدُوٍّ لَكَ مَالُكَ الَّذِي مَلَكَتْ يَمِينُكَ "
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) أَيْ : جُهْدَكُمْ وَطَاقَتَكُمْ . كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ "
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ - كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ - إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْعَظِيمَةَ نَاسِخَةٌ لِلَّتِي فِي " آلِ عِمْرَانَ " وَهِيَ قَوْلُهُ : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 102 ]
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنِي عَطَاءٌ - هُوَ ابْنُ دِينَارٍ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : ( اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) قَالَ : لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ اشْتَدَّ عَلَى الْقَوْمِ الْعَمَلُ ، فَقَامُوا حَتَّى وَرِمَتْ عَرَاقِيبُهُمْ وَتَقَرَّحَتْ جِبَاهُهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَخْفِيفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) فَنَسَخَتِ الْآيَةَ الْأُولَى .
141
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَقَتَادَةَ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، والسُّدِّيِّ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ نَحْوُ ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ) أَيْ : كُونُوا مُنْقَادِينَ لِمَا يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ ، وَلَا تَحِيدُوا عَنْهُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً ، وَلَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَا تَتَخَلَّفُوا عَمَّا بِهِ أُمِرْتُمْ ، وَلَا تَرْكَبُوا مَا عَنْهُ زُجِرْتُمْ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ ) أَيْ : وَابْذُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ عَلَى الْأَقَارِبِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَذَوِي الْحَاجَاتِ ، وَأَحْسِنُوا إِلَى خَلْقِ اللَّهِ كَمَا أَحْسَنَ إِلَيْكُمْ ، يَكُنْ خَيْرًا لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَإِنْ لَا تَفْعَلُوا يَكُنْ شَرًّا لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي سُورَةِ " الْحَشْرِ " وَذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَا هُنَا ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ ،
وَقَوْلُهُ : ( إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) أَيْ : مَهْمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ، وَمَهْمَا تَصَدَّقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ ، وَنَزَلَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْقَرْضِ لَهُ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : " مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ ظَلُومٍ وَلَا عَدِيمٍ " وَلِهَذَا قَالَ : ( يُضَاعِفْهُ لَكُمْ ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ : ( فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ) [ الْبَقَرَةِ : 245 ]
( وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) أَيْ : وَيُكَفِّرْ عَنْكُمُ السَّيِّئَاتِ . وَلِهَذَا قَالَ : ( وَاللَّهُ شَكُورٌ ) أَيْ : يَجْزِي عَلَى الْقَلِيلِ بِالْكَثِيرِ ( حَلِيمٌ ) أَيْ : يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَيَغْفِرُ وَيَسْتُرُ ، وَيَتَجَاوَزُ عَنِ الذُّنُوبِ وَالزَّلَّاتِ وَالْخَطَايَا وَالسَّيِّئَاتِ .
( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث