تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
الصفحة 1958 · ص. المطبوع 406
( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ( 11 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ( 12 ) فَكُّ رَقَبَةٍ ( 13 ) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ( 14 ) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ( 15 ) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ( 16 ) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ( 17 ) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ( 18 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ( 19 ) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ( 20 ) )
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ : ( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) قَالَ : جَبَلٌ فِي جَهَنَّمَ .
وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ : ( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) هُوَ سَبْعُونَ دَرَجَةً فِي جَهَنَّمَ . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : ( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) قَالَ : عَقَبَةٌ فِي جَهَنَّمَ . وَقَالَ قَتَادَةُ : إِنَّهَا قَحْمَةٌ شَدِيدَةٌ فَاقْتَحِمُوهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - . وَقَالَ قَتَادَةُ ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ) ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ اقْتِحَامِهَا . فَقَالَ : ( فَكُ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ )
406
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : ( اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) أَيْ : أَفَلَا سَلَكَ الطَّرِيقَ الَّتِي فِيهَا النَّجَاةُ وَالْخَيْرُ . ثُمَّ بَيَّنَهَا فَقَالَ : ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ )
قُرِئَ : ( فَكُّ رَقَبَةٍ ) بِالْإِضَافَةِ ، وَقُرِئَ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ ، وَفِيهِ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ وَالرَّقَبَةُ مَفْعُولُهُ وَكِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ مَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ - عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ - مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ : أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ " مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ إِرْبٍ مِنْهَا إِرْبًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ ، حَتَّى إِنَّهُ لَيُعْتِقُ بِالْيَدِ الْيَدَ ، وَبِالرِّجْلِ الرِّجْلَ ، وَبِالْفَرْجِ الْفَرْجَ " . فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ : أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ : نَعَمْ . فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ لِغُلَامٍ لَهُ - أَفْرَهَ غِلْمَانِهِ - : ادْعُ مُطَرِّفًا . فَلَمَّا قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ : اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ .
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ طُرُقٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ ، بِهِ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ الَّذِي أَعْتَقَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ كَانَ قَدْ أُعْطِيَ فِيهِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ .
وَقَالَ قَتَادَةُ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : ۝ " أَيُّمَا مُسْلِمٍ أَعْتَقَ رَجُلًا مُسْلِمًا ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ وَفَاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهِ عَظْمًا مِنْ عِظَامِ مُحَرِّرِهِ مِنَ النَّارِ ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ وَفَاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهَا عَظْمًا مِنْ عِظَامِهَا مِنَ النَّارِ " .
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَكَذَا وَأَبُو نَجِيحٍ هَذَا هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبْسَةَ السُّلَمِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، حَدَّثَنِي بَحِيرُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ " مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِيُذْكَرَ اللَّهُ فِيهِ ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ . وَمَنْ أَعْتَقَ نَفْسًا مُسَلِمَةً ، كَانَتْ فِدْيَتَهُ مِنْ جَهَنَّمَ . وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ ، كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " .
طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ، حَدَّثَنَا حَرِيزٌ ; عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ : أَنْ شُرَحْبِيلَ بْنَ السِّمْطِ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ حَدِّثْنَا حَدِيثًا لَيْسَ فِيهِ تَزَيُّدٌ وَلَا نِسْيَانٌ . قَالَ عَمْرٌو : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : ۝ " مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ ، عُضْوًا بِعُضْوٍ . وَمَنْ 407 شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فَبَلَغَ فَأَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ ، كَانَ كَمُعْتِقِ رَقَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ " .
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ بَعْضَهُ .
طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا الْفَرَجُ ، حَدَّثَنَا لُقْمَانُ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ قَالَ السُّلَمِيُّ قُلْتُ لَهُ : حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ فِيهِ انْتِقَاصٌ وَلَا وَهْمٌ . قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : ۝ " مَنْ وُلِدَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ فِي الْإِسْلَامِ فَمَاتُوا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ ، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، بَلَغَ بِهِ الْعَدُّوَ ، أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ ، كَانَ لَهُ عِتْقُ رَقَبَةٍ . وَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ ، وَمَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَإِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ ، يُدْخِلُهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ بَابٍ شَاءَ مِنْهَا " .
وَهَذِهِ أَسَانِيدُ جَيِّدَةٌ قَوِيَّةٌ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [ وَالْمِنَّةُ ] .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّمْلِيُّ ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ ، عَنِ الْغَرِيفِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ : ۝ أَتَيْنَا وَاثِلَّةَ بْنَ الْأَسْقَعِ فَقُلْنَا لَهُ : حَدِّثْنَا حَدِيثًا لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ . فَغَضِبَ وَقَالَ : إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَقْرَأُ وَمُصْحَفُهُ مُعَلَّقٌ فِي بَيْتِهِ ، فَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ . قُلْنَا : إِنَّمَا أَرَدْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ : أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَوْجَبَ - يَعْنِي النَّارَ - بِالْقَتْلِ ، فَقَالَ : " أَعْتِقُوا عَنْهُ يُعْتِقُ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ " .
وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ ، عَنِ الْغَرِيفِ بْنِ عَيَّاشٍ الدَّيْلَمِيِّ ، عَنْ وَاثِلَةَ ، بِهِ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ قَيْسٍ الْجُذَامِيِّ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ " مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةَ مُسْلِمَةٍ فَهُوَ فِدَاؤُهُ مِنَ النَّارِ " .
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْخَفَّافُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ذُكِرَ أَنَّ قَيْسًا الْجُذَامِيَّ حَدَّثَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ " مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً فَهِيَ فِكَاكُهُ مِنَ النَّارِ " .
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ وَأَبُو أَحْمَدَ قَالَا حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عَبْدِ 408 الرَّحْمَنِ الْبَجَلِيُّ - مَنْ بَنِي بَجِيلَةَ - مَنْ بَنِي سُلَيْمٍ - عَنْ طَلْحَةَ - قَالَ أَبُو أَحْمَدَ : حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ ، ۝ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ . فَقَالَ : " لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ . أَعْتِقِ النَّسَمَةَ ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ " . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوَلَيْسَتَا بِوَاحِدَةٍ ؟ قَالَ : " لَا إِنَّ عِتْقَ النَّسَمَةِ أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا ، وَفَكَّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي عِتْقِهَا . وَالْمِنْحَةُ الْوَكُوفُ ، وَالْفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ ; فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلَّا مِنَ الْخَيْرِ " .
وَقَوْلُهُ : ( أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ذِي مَجَاعَةٍ . وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ . وَالسَّغَبُ : هُوَ الْجُوعُ .
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُ : فِي يَوْمٍ الطَّعَامُ فِيهِ عَزِيزٌ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : فِي يَوْمٍ يُشْتَهَى فِيهِ الطَّعَامُ .
وَقَوْلُهُ : ( يَتِيمًا ) أَيْ : أَطْعِمْ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ يَتِيمًا ، ( ذَا مَقْرَبَةٍ ) أَيْ : ذَا قَرَابَةٍ مِنْهُ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالسُّدِّيُّ . كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : ۝ " الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ ، صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ " .
وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ .
وَقَوْلُهُ : ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) أَيْ : فَقِيرًا مُدْقِعًا لَاصِقًا بِالتُّرَابِ ، وَهُوَ الدَّقْعَاءُ أَيْضًا .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( ذَا مَتْرَبَةٍ ) هُوَ الْمَطْرُوحُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي لَا بَيْتَ لَهُ ، وَلَا شَيْءَ يَقِيهِ مِنَ التُّرَابِ - وَفِي رِوَايَةٍ : هُوَ الَّذِي لَصِقَ بِالدَّقْعَاءِ مِنَ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ ، لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ - وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : هُوَ الْبَعِيدُ التُّرْبَةِ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : يَعْنِي الْغَرِيبَ عَنْ وَطَنِهِ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ : هُوَ الْفَقِيرُ الْمَدْيُونُ الْمُحْتَاجُ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : هُوَ الَّذِي لَا أَحَدَ لَهُ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ : هُوَ ذُو الْعِيَالِ .
وَكُلُّ هَذِهِ قَرِيبَةُ الْمَعْنَى .
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) أَيْ : ثُمَّ هُوَ مَعَ هَذِهِ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ الطَّاهِرَةِ 409 مُؤْمِنٌ بِقَلْبِهِ ، مُحْتَسِبٌ ثَوَابَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - . كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 19 ] وَقَالَ ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) الْآيَةَ [ النَّحْلِ : 97 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) أَيْ : كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْعَامِلِينَ صَالِحًا ، الْمُتَوَاصِينَ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَى النَّاسِ ، وَعَلَى الرَّحْمَةِ بِهِمْ . كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : ۝ " الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمُكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ " وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : ۝ " لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ " .
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا [ أَبُو بَكْرٍ ] بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنِ ابْنِ عَامِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - يَرْوِيهِ - قَالَ : ۝ " مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا ، فَلَيْسَ مِنَّا " .
وَقَوْلُهُ : ( أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ) أَيِ : الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ .
ثُمَّ قَالَ : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ) أَيْ : أَصْحَابُ الشِّمَالِ ، ( عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ) أَيْ : مُطْبَقَةٌ عَلَيْهِمْ ، فَلَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا ، وَلَا خُرُوجَ لَهُمْ مِنْهَا .
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ : ( مُؤْصَدَةٌ ) أَيْ : مُطْبَقَةٌ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مُغْلَقَةُ الْأَبْوَابِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَصَدَ الْبَابَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ : أَيْ أَغْلَقَهُ .
وَسَيَأْتِي فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ فِي سُورَةِ : ( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ )
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( مُؤْصَدَةٌ ) حَيْطٌ لَا بَابَ لَهُ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ( مُؤْصَدَةٌ ) مُطْبِقَةٌ فَلَا ضَوْءَ فِيهَا وَلَا فُرَجَ ، وَلَا خُرُوجَ مِنْهَا آخِرَ الْأَبَدِ .
وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَمَرَ اللَّهُ بِكُلِّ جَبَّارٍ وَكُلِّ شَيْطَانٍ وَكُلِّ مَنْ كَانَ يَخَافُ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا شَرَّهُ ، فَأُوثِقُوا فِي الْحَدِيدِ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ ، ثُمَّ أَوْصَدُوهَا عَلَيْهِمْ ، أَيْ : أَطْبَقُوهَا - قَالَ : فَلَا وَاللَّهِ لَا تَسْتَقِرُّ أَقْدَامُهُمْ عَلَى قَرَارٍ أَبَدًا ، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَنْظُرُونَ فِيهَا إِلَى أَدِيمِ سَمَاءٍ أَبَدًا ، وَلَا وَاللَّهِ لَا تَلْتَقِي جُفُونُ أَعْيُنِهِمْ عَلَى غَمْضِ نَوْمٍ أَبَدًا ، . وَلَا وَاللَّهِ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَارِدَ شَرَابٍ أَبَدًا . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ " الْبَلَدِ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث