سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء السابع
ابْنُ إِسْحَاقَ ( 4 )
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارِ بْنِ خِيَارٍ ، وَقِيلَ : ابْنُ كُوثَانَ الْعَلَّامَةُ الْحَافِظُ الْأَخْبَارِيُّ أَبُو بَكْرٍ ، وَقِيلَ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ الْمُطَّلَبِيُّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيُّ ، صَاحِبُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ ، وَكَانَ جَدُّهُ يَسَارٌ مِنْ سَبْيِ عَيْنِ التَّمْرِ فِي دَوْلَةِ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ 34 - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ مَوْلَى قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وُلِدَ ابْنُ إِسْحَاقَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَرَأَى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ بِالْمَدِينَةِ ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ .
وَحَدَّثَ عَنْ : أَبِيهِ وَعَمِّهِ مُوسَى بْنُ يَسَارٍ ، وَعَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ - فِيمَا قِيلَ - وَعَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، وَسَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، وَأَبِي سُفْيَانَ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ ، وَعَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ ، وَمَكْحُولٍ الْهُذَلِيِّ ، وَنَافِعٍ الْعُمَرِيِّ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - إِنْ صَحَّ - وَفَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَمَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ - فِيمَا قِيلَ - وَعِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ ، وَسَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، وَسَعِيدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ .
وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، وَصَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ ، وَالصَّلْتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ الْهَاشِمِيِّ ، وَعَبَّادِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، وَنُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، وَيَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ ، وَابْنِ طَاوُسٍ ، وَخَلْقٍ كَثِيرٍ ، إِلَى أَنْ يَنْزِلَ إِلَى صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ ، وَرَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ ، وَشُعْبَةَ وَطَائِفَةٍ . 35 وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ الْعِلْمَ بِالْمَدِينَةِ ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَالِكٍ وَذَوِيهِ ، وَكَانَ فِي الْعِلْمِ بَحْرًا عَجَّاجًا ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِالْمُجَوِّدِ كَمَا يَنْبَغِي .
حَدَّثَ عَنْهُ : يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ شَيْخُهُ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَهُمَا مِنَ التَّابِعِينِ وِفَاقًا ، وَشُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَمَّادَانِ ، وَأَبُو عَوَانَةَ ، وَهُشَيْمٌ ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، وَأَبُو شِهَابٍ الْحَنَّاطُ ، وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَمُوسَى بْنُ أَعْيَنَ ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَابْنُ عَوْنٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ - وَهُمَا أَكْبَرُ مِنْهُ - وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ .
وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، وَابْنُ إِدْرِيسَ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ ، وَزِيَادٌ الْبَكَّائِيُّ ، وَسَلَمَةُ الْأَبْرَشُ ، وَسَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى السَّامِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ ، وَابْنُ فُضَيْلٍ ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَيُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ ، وَأَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَغْرَاءَ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ ، وَأَبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ ، وَأُمَمٌ سِوَاهُمْ يَشُقُّ اسْتِقْصَاؤُهُمْ ، وَيَبْعُدُ إِحْصَاؤُهُمْ .
قَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ : يَسَارٌ مَوْلَى قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ مِنْ سَبْيِ عَيْنِ التَّمْرِ ، وَهُوَ أَوَّلُ سَبْيٍ دَخَلَ الْمَدِينَةَ مِنَ الْعِرَاقِ .
وَرَوَى سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ ، وَالصِّبْيَانُ يَشْتَدُّونَ ، وَيَقُولُونَ : هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَمُوتُ حَتَّى يَلْقَى الدَّجَّالَ .
مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ : عَنْ جَرِيرٍ قَالَ : رَأَيْتُ ابْنَ إِسْحَاقَ يُخَضِّبُ بِالسَّوَادِ .
قَالَ الْمُفَضَّلُ الْغَلَّابِيُّ : سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، فَقَالَ : كَانَ ثِقَةٌ ، حَسَنُ الْحَدِيثِ : فَقُلْتُ : إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ رَأَى سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ . 36 فَقَالَ : إِنَّهُ لِقَدِيمٌ . وَرَوَى عَبَّاسٌ عَنْ يَحْيَى ، قَالَ : قَدْ سَمِعَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ وَمِنْ عَطَاءٍ ، وَمِنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمِنَ الْقَاسِمِ ، قَالَ : وَسَمِعَ مِنْ مَكْحُولٍ وَمِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ .
قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : لَا يَزَالُ بِالْمَدِينَةِ عِلْمٌ مَا بَقِيَ هَذَا - عَنَى ابْنَ إِسْحَاقَ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : مَدَارُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سِتَّةٍ ، فَذَكَرَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : فَصَارَ عِلْمُ السِّتَّةِ عِنْدَ اثْنَيْ عَشَرَ ، أَحَدُهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ .
وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ : رَأَيْتُ الزُّهْرِيَّ أَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، فَاسْتَبْطَأَهُ فَقَالَ لَهُ : أَيْنَ كُنْتَ ؟ قَالَ : وَهَلْ يَصِلُ إِلَيْكَ أَحَدٌ مَعَ حَاجِبِكَ ، قَالَ : فَدَعَا حَاجِبَهُ ، فَقَالَ لَهُ : لَا تَحْجِبْهُ إِذَا جَاءَ .
وَقَالَ : قَالَ سُفْيَانُ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ : لَا يَزَالُ بِالْمَدِينَةِ عِلْمٌ جَمٌّ مَا دَامَ فِيهِمُ ابْنُ إِسْحَاقَ .
وَقَالَ عَلِيٌّ : عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ، وَسُئِلَ عَنْ مَغَازِيهِ ، فَقَالَ : هَذَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَا - يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ .
وَرَوَى حَرْمَلَةُ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَبَحَّرَ فِي الْمَغَازِي ، فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ : سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، فَقَالَ :
قَالَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ : لَا يَزَالُ فِي النَّاسِ عِلْمٌ مَا عَاشَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ .
ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ : حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ، سَمِعْتُ أَبَا مُعَاوِيَةَ يَقُولُ : 37 كَانَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ أَحْفَظِ النَّاسِ ، فَكَانَ إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ خَمْسَةُ أَحَادِيثَ أَوْ أَكْثَرَ ، فَاسْتَوْدَعَهَا عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : احْفَظْهَا عَلَيَّ ، فَإِنْ نَسِيتَهَا كُنْتَ قَدْ حَفِظْتَهَا عَلَيَّ .
قَالَ الْخَلِيلِيُّ : قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ الْحَافِظُ : كَيْفَ لَا يَكُونُ ابْنُ إِسْحَاقَ ثِقَةً وَقَدْ سَمِعَ مِنَ الْأَعْرَجِ ، وَيَرْوِي عَنْهُ ، ثُمَّ يَرْوِي عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْهُ ، ثُمَّ يَرْوِي عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْهُ . ثُمَّ قَالَ الْخَلِيلِيُّ : رَوَى عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ مِنْ أُسْتَاذَيْهِ : الزُّهْرِيِّ وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ وَعُقَيْلٍ وَيُونُسَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ - رَأَى ابْنُ إِسْحَاقَ مُقْبِلًا - : لَا يَزَالُ بِالْحِجَازِ عِلْمٌ كَثِيرٌ مَا دَامَ هَذَا الْأَحْوَلُ .
النُّفَيْلِيُّ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَائِدٍ ، قَالَ : كُنَّا إِذَا جَلَسْنَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، فَأَخَذَ فِي فَنٍّ مِنَ الْعِلْمِ ، قَضَى مَجْلِسَهُ فِي ذَلِكَ الْفَنِّ .
قُلْتُ : قَدْ كَانَ فِي الْمَغَازِي عَلَّامَةً .
قَالَ الْمَيْمُونِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِحَدِيثٍ اسْتَحْسَنَهُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ،
فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ! مَا أَحْسَنَ هَذِهِ الْقَصَصَ الَّتِي يَجِيئُ بِهَا ابْنُ إِسْحَاقَ ! فَتَبَسَّمَ إِلَيَّ مُتَعَجِّبًا .
ابْنُ الْمَدِينِيِّ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ ، وَسُئِلَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : لِمَ لَمْ يَرْوِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَنْهُ ؟ فَقَالَ : جَالَسْتُ ابْنَ إِسْحَاقَ مُنْذُ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً ، وَمَا يَتَّهِمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَلَا يَقُولُ فِيهِ شَيْئًا . فَقُلْتُ لَهُ : كَانَ ابْنُ إِسْحَاقَ يُجَالِسُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْمُنْذِرِ ؟ فَقَالَ : أَخْبَرَنِي أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ ، وَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الذَّهَبِيِّ هُوَ صَادِقٌ فِي ذَلِكَ بِلَا رَيْبٍ . 38
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ ، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يَقُولُ : تَحَدَّثَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ امْرَأَتِي فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ، وَاللَّهِ إِنْ رَآهَا قَطُّ .
قُلْتُ : هِشَامٌ صَادِقٌ فِي يَمِينِهِ ، فَمَا رَآهَا ، وَلَا زَعَمَ الرَّجُلُ أَنَّهُ رَآهَا ، بَلْ ذَكَرَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ ، وَقَدْ سَمِعْنَا مِنْ عِدَّةِ نِسْوَةٍ وَمَا رَأَيْتُهُنَّ . وَكَذَلِكَ رَوَى عِدَّةٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَمَا رَأَوْا لَهَا صُورَةً أَبَدًا .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : فَحَدَّثْتُ أَبِي بِحَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ ; فَقَالَ : وَلِمَ يُنْكِرُ هِشَامٌ ؟ لَعَلَّهُ جَاءَ ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا ، فَأَذِنَتْ لَهُ - يَعْنِي وَلَمْ يَعْلَمْ .
قَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، فَقَالَ : هُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ ، وَذَكَرَهُ فَقَالَ : دَجَّالٌ مِنَ الدَّجَاجِلَةِ .
قَالَ الْخَطِيبُ : ذَكَرَ بَعْضُهُمْ : أَنَّ مَالِكًا عَابَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي زَمَانِهِ بِإِطْلَاقِ لِسَانِهِ فِي قَوْمٍ مَعْرُوفِينَ بِالصَّلَاحِ وَالدِّيَانَةِ وَالثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ .
قُلْتُ : كَلَّا ، مَا عَابَهُمْ إِلَّا وَهُمْ عِنْدَهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَهُوَ مُثَابٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ أَخْطَأَ اجْتِهَادُهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ .
ثُمَّ قَالَ الْخَطِيبُ : أَنْبَأَنَا الْبَرْقَانِيُّ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْآدَمِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْإِيَادِيُّ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ، قَالَ : قَالَ لِي مَالِكٌ : هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ كَذَّابٌ . قَالَ أَحْمَدُ - وَهُوَ الْأَثْرَمُ 39 إِنْ شَاءَ اللَّهُ - : فَسَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ ، فَقَالَ : عَسَى أَرَادَ فِي الْكَلَامِ ، أَمَّا فِي الْحَدِيثِ ، فَثِقَةٌ ، وَهُوَ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْهُ .
قَالَ : وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ يَتَكَلَّمُونَ فِي مَالِكٍ ، وَكَانَ أَشَدَّهُمْ فِيهِ كَلَامًا مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ ، كَانَ يَقُولُ : ائْتُونِي بِبَعْضِ كُتُبِهِ حَتَّى أُبَيِّنَ عُيُوبَهُ ، أَنَا بَيْطَارُ كُتُبِهِ .
قَالَ الْخَطِيبُ : أَمَّا كَلَامُ مَالِكٍ فِي ابْنِ إِسْحَاقَ فَمَشْهُورٌ ، وَأَمَّا حِكَايَةُ ابْنِ فُلَيْحٍ عَنْهُ فِي هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، فَلَيْسَتْ بِالْمَحْفُوظَةِ ، وَرَاوِيهَا عَنِ ابْنِ الْمُنْذِرِ لَا يُعْرَفُ .
قُلْتُ : فَهِيَ مَرْدُودَةٌ .
وَقَدْ أَمْسَكَ عَنِ الِاحْتِجَاجِ بِرِوَايَاتِ ابْنِ إِسْحَاقَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِأَشْيَاءَ ، مِنْهَا : تَشَيُّعُهُ ، وَنُسِبَ إِلَى الْقَدَرِ ، وَيُدَلِّسُ فِي حَدِيثِهِ ، فَأَمَّا الصِّدْقُ ، فَلَيْسَ بِمَدْفُوعٍ عَنْهُ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ . وَذَكَرَ عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ مَا رَأَى أَحَدًا يَتَّهِمُهُ .
قَالَ : وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ تَلَقَّفَ الْمَغَازِي مَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِيمَا يُحَدِّثُهُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ ، وَالَّذِي يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ فِي ابْنِ إِسْحَاقَ ، لَا يَكَادُ يُتَبَيَّنُ ، وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ مِنْ أَتْبَعِ مَنْ رَأَيْنَا لِمَالِكٍ ، أَخْرَجَ إِلَيَّ كُتُبَ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ فِي الْمَغَازِي وَغَيْرِهَا ، فَانْتَخَبْتُ مِنْهَا كَثِيرًا .
قَالَ : وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ : كَانَ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، نَحْوٌ مَنْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ حَدِيثٍ فِي الْأَحْكَامِ ، سِوَى الْمَغَازِي . 40
قُلْتُ : يَعْنِي بِتَكْرَارِ طُرُقِ الْأَحَادِيثِ ، فَأَمَّا الْمُتُونُ الْأَحْكَامِيَّةُ الَّتِي رَوَاهَا فَمَا تَبْلُغُ عُشْرَ ذَلِكَ . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هُنَا فَصْلًا حَسَنًا عَنْ رِجَالِهِ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، فَقَدْ أَكْثَرَا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَلَوْ صَحَّ عَنْ مَالِكٍ تَنَاوُلُهُ مِنَ ابْنِ إِسْحَاقَ ، فَلَرُبَّمَا تَكَلَّمَ الْإِنْسَانُ ، فَيَرْمِي صَاحِبَهُ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ ، وَلَا يَتَّهِمُّهُ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا . قَالَ : وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ : نَهَانِي مَالِكٌ عَنْ شَيْخَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُمَا فِي " الْمُوَطَّأِ " وَهَمَّا مِمَّنْ يُحْتَجُ بِهِمَا ، وَلَمْ يَنْجُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ النَّاسِ فِيهِمْ ، نَحْوَ مَا يُذْكَرُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ مِنْ كَلَامِهِ فِي الشَّعْبِيِّ ، وَكَلَامِ الشَّعْبِيِّ فِي عِكْرِمَةَ وَفِيمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ ، وَتَنَاوُلِ بَعْضِهِمْ فِي الْعِرِضِ وَالنَّفْسِ ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا النَّحْوِ إِلَّا بِبَيَانٍ وَحُجَّةٍ وَلَمْ تَسْقُطْ عَدَالَتُهُمْ إِلَّا بِبُرْهَانٍ ثَابِتٍ وَحُجَّةٍ ، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا كَثِيرٌ .
قُلْتُ : لَسْنَا نَدَّعِي فِي أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ الْعِصْمَةَ مِنَ الْغَلَطِ النَّادِرِ ، وَلَا مِنَ الْكَلَامِ بِنَفَسٍ حَادٍ فَيَمَنْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ شَحْنَاءُ وَإِحْنَةٌ ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ كَلَامِ الْأَقْرَانِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ مُهْدَرٌ لَا عِبْرَةَ بِهِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا وَثَّقَ 41 الرَّجُلَ جَمَاعَةٌ يَلُوحُ عَلَى قَوْلِهِمُ الْإِنْصَافُ ، وَهَذَانَ الرَّجُلَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ نَالَ مِنْ صَاحِبِهِ ، لَكِنْ أَثَّرَ كَلَامُ مَالِكٍ فِي مُحَمَّدٍ بَعْضَ اللِّينِ ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ كَلَامُ مُحَمَّدٍ فِيهِ وَلَا ذَرَّةً ، وَارْتَفَعَ مَالِكٌ ، وَصَارَ كَالنَّجْمِ ، وَالْآخَرُ ، فَلَهُ ارْتِفَاعٌ بِحَسْبِهِ ، وَلَا سِيَّمَا فِي السِّيَرِ ، وَأَمَّا فِي أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ ، فَيَنْحَطُّ حَدِيثُهُ فِيهَا عَنْ رُتْبَةِ الصِّحَّةِ إِلَى رُتْبَةِ الْحَسَنِ ، إِلَّا فِيمَا شَذَّ فِيهِ ، فَإِنَّهُ يُعَدُّ مُنْكَرًا . هَذَا الَّذِي عِنْدِي فِي حَالِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ : سَمِعْتُ شُعْبَةَ يَقُولُ : مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَمِيرُ الْمُحَدِّثِينَ لِحِفْظِهِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : نَظَرْتُ فِي كُتُبِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَمَا وَجَدْتُ عَلَيْهِ إِلَّا فِي حَدِيثَيْنِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا صَحِيحَيْنِ .
وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ : الَّذِي يُذْكَرُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِنْ قَوْلِهِ : كَيْفَ يَدْخُلُ عَلَى امْرَأَتِي ؟ لَوْ صَحَّ هَذَا مِنْ هِشَامٍ لَجَازَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيْهِ فَإِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَرَوْنَ الْكِتَابَ جَائِزًا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا ، فَقَالَ لَهُ : " لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَوْضِعَ كَذَا وَكَذَا " فَلَمَّا بَلَغَهُ قَرَأَهُ وَعَمِلَ بِهِ . وَكَذَلِكَ 42 الْخُلَفَاءُ وَالْأَئِمَّةُ يُفْضُونَ بِكِتَابِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ مِنْهَا ، وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ فِي غَيْبَةِ زَوْجِهَا .
قُلْتُ : ذَاكَ الظَّنُّ بِهِمَا كَمَا أَخَذَ خَلْقٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ عَنِ الصَّحَابِيَّاتِ ، مَعَ جَوَازِ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ عَلَيْهَا ، وَرَآهَا وَهُوَ صَبِيٌّ ، فَحَفِظَ عَنْهَا ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَخَذَ عَنْهَا حِينَ كَبُرَتْ وَعَجَزَتْ ، وَكَذَا يَنْبَغِي ، فَإِنَّهَا أَكْبَرُ مِنْ هِشَامٍ بِأَزْيَدَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ ، فَقَدْ سَمِعَتْ مِنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ ، وَلَمَّا رَوَتْ لِابْنِ إِسْحَاقَ كَانَ لَهَا قَرِيبٌ مِنْ سِتِّينَ سَنَةً .
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ : ابْنُ إِسْحَاقَ رَجُلٌ قَدِ اجْتَمَعَ الْكُبَرَاءُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْأَخْذِ عَنْهُ ، مِنْهُمْ : سُفْيَانُ ، وَشُعْبَةُ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَالْحَمَّادَانِ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، وَرَوَى عَنْهُ مِنَ الْقُدَمَاءِ : يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ . وَقَدِ اخْتَبَرَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ فَرَأَوْا صِدْقًا وَخَيْرًا مَعَ مَدْحِ ابْنِ شِهَابٍ لَهُ ، وَقَدْ ذَاكَرَتْ دُحَيْمًا قَوْلَ مَالِكٍ ، فَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْحَدِيثِ ، إِنَّمَا هُوَ لِأَنَّهُ اتُّهِمَ بِالْقَدَرِ . 43
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ : ابْنُ إِسْحَاقَ النَّاسُ يَشْتَهُونَ حَدِيثَهُ ، وَكَانَ يُرْمَى بِغَيْرِ نَوْعٍ مِنَ الْبِدَعِ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ الزُّبَيْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ : كُنَّا فِي مَجْلِسِ ابْنِ إِسْحَاقَ نَتَعَلَّمُ ، فَأَغْفَى إِغْفَاءَةً ، فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ السَّاعَةَ : كَأَنَّ إِنْسَانًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَمَعَهُ حَبْلٌ ، فَوَضَعَهُ فِي عُنُقِ حِمَارٍ فَأَخْرَجَهُ . فَمَا لَبِثْنَا أَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ رَجُلٌ مَعَهُ حَبْلٌ حَتَّى وَضْعَهُ فِي عُنُقِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَأَخْرَجَهُ ، قَالَ : فَذَهَبَ بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ فَجُلِدَ . قَالَ الزَّبِيرِيُّ : مِنْ أَجْلِ الْقَدَرِ .
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ عُقْدَةَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ بْنِ إِسْحَاقَ ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ يَقُولُ : كَانَ ابْنُ إِسْحَاقَ يُرْمَى بِالْقَدَرِ . وَكَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ .
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ : سَمِعْتُ ابْنَ نُمَيْرٍ - وَذُكِرَ ابْنُ إِسْحَاقَ - فَقَالَ : إِذَا حَدَّثَ عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مِنَ الْمَعْرُوفَيْنِ ، فَهُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ صَدُوقٌ ، وَإِنَّمَا أُتِيَ مِنْ أَنَّهُ يُحَدِّثُ عَنِ الْمَجْهُولِينَ أَحَادِيثَ بَاطِلَةً .
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَلَفٍ ، الْبُخَارِيُّ الْحَافِظُ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ : مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ أَلْفُ حَدِيثٍ يَنْفَرِدُ بِهَا لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ .
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ إِسْحَاقَ الْجَلَّابُ : سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ : تَكَلَّمَ أَحَدٌ فِي ابْنِ إِسْحَاقَ ؟ فَقَالَ : أَمَّا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فَكَانَ يَقُولُ - يَعْنِي عَنِ الزُّهْرِيِّ - : 44 لَا يَزَالُ بِالْمَدِينَةِ عِلْمٌ مَا عَاشَ هَذَا الْغُلَامُ - يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ - وَلَكِنْ حَدَّثَنِي مُصْعَبٌ قَالَ : كَانُوا يَطْعَنُونَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْحَدِيثِ .
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ : سَأَلْتُ عَلِيًّا : كَيْفَ حَدِيثُ ابْنِ إِسْحَاقَ عِنْدَكَ ، صَحِيحٌ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، حَدِيثُهُ عِنْدِي صَحِيحٌ . قُلْتُ : فَكَلَامُ مَالِكٍ فِيهِ ؟ قَالَ : مَالِكٌ لَمْ يُجَالِسْهُ وَلَمْ يَعْرِفْهُ ، وَأَيُّ شَيْءٍ حَدَّثَ بِهِ ابْنُ إِسْحَاقَ بِالْمَدِينَةِ ؟ !
قُلْتُ : فَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ . فَقَالَ عَلِيٌّ : الَّذِي قَالَ هِشَامٌ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، لَعَلَّهُ دَخْلَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهُوَ غُلَامٌ ، فَسَمِعَ مِنْهَا . إِنَّ حَدِيثَهُ لَيُتَبَيَّنُ فِيهِ الصِّدْقُ . يَرْوِي مَرَّةً : حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ ، وَمَرَّةً ذَكَرَ أَبُو الزِّنَادِ ، وَيَرْوِي عَنْ رَجُلٍ عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ يَقُولُ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ عُمَيْرٍ صَوْمُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ مِنْ أَرَوَى النَّاسِ عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، وَيَقُولُ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فِي سَلَفٍ وَبَيْعٍ وَهُوَ مِنْ أَرَوَى النَّاسِ عَنْ عَمْرٍو . 45
قَالَ يَعْقُوبُ الْفَسَوِيُّ : قَالَ عَلِيٌّ : لَمْ أَجِدْ لِابْنِ إِسْحَاقَ إِلَّا حَدِيثَيْنِ مُنْكَرَيْنِ : نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ " وَالزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ " إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ فَرْجَهُ " هَذَانَ لَمْ يَرْوِهِمَا عَنْ أَحَدٍ ، وَالْبَاقُونَ يَقُولُ : ذَكَرَ فُلَانٌ ، وَلَكِنْ هَذَا فِيهِ : حَدَّثَنَا .
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارِ بْنِ خِيَارٍ ، وَقِيلَ : ابْنُ كُوثَانَ الْعَلَّامَةُ الْحَافِظُ الْأَخْبَارِيُّ أَبُو بَكْرٍ ، وَقِيلَ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ الْمُطَّلَبِيُّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيُّ ، صَاحِبُ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ ، وَكَانَ جَدُّهُ يَسَارٌ مِنْ سَبْيِ عَيْنِ التَّمْرِ فِي دَوْلَةِ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ 34 - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ مَوْلَى قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وُلِدَ ابْنُ إِسْحَاقَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَرَأَى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ بِالْمَدِينَةِ ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ .
وَحَدَّثَ عَنْ : أَبِيهِ وَعَمِّهِ مُوسَى بْنُ يَسَارٍ ، وَعَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ - فِيمَا قِيلَ - وَعَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، وَسَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، وَأَبِي سُفْيَانَ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ ، وَعَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ ، وَمَكْحُولٍ الْهُذَلِيِّ ، وَنَافِعٍ الْعُمَرِيِّ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - إِنْ صَحَّ - وَفَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَمَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ - فِيمَا قِيلَ - وَعِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ ، وَسَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، وَسَعِيدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ .
وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، وَصَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ ، وَالصَّلْتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ الْهَاشِمِيِّ ، وَعَبَّادِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، وَنُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، وَيَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ ، وَابْنِ طَاوُسٍ ، وَخَلْقٍ كَثِيرٍ ، إِلَى أَنْ يَنْزِلَ إِلَى صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ ، وَرَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ ، وَشُعْبَةَ وَطَائِفَةٍ . 35 وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ الْعِلْمَ بِالْمَدِينَةِ ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَالِكٍ وَذَوِيهِ ، وَكَانَ فِي الْعِلْمِ بَحْرًا عَجَّاجًا ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِالْمُجَوِّدِ كَمَا يَنْبَغِي .
حَدَّثَ عَنْهُ : يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ شَيْخُهُ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَهُمَا مِنَ التَّابِعِينِ وِفَاقًا ، وَشُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَمَّادَانِ ، وَأَبُو عَوَانَةَ ، وَهُشَيْمٌ ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، وَأَبُو شِهَابٍ الْحَنَّاطُ ، وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَمُوسَى بْنُ أَعْيَنَ ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَابْنُ عَوْنٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ - وَهُمَا أَكْبَرُ مِنْهُ - وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ .
وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، وَابْنُ إِدْرِيسَ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ ، وَزِيَادٌ الْبَكَّائِيُّ ، وَسَلَمَةُ الْأَبْرَشُ ، وَسَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى السَّامِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ ، وَابْنُ فُضَيْلٍ ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَيُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ ، وَأَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَغْرَاءَ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ ، وَأَبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ ، وَأُمَمٌ سِوَاهُمْ يَشُقُّ اسْتِقْصَاؤُهُمْ ، وَيَبْعُدُ إِحْصَاؤُهُمْ .
قَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ : يَسَارٌ مَوْلَى قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ مِنْ سَبْيِ عَيْنِ التَّمْرِ ، وَهُوَ أَوَّلُ سَبْيٍ دَخَلَ الْمَدِينَةَ مِنَ الْعِرَاقِ .
وَرَوَى سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ ، وَالصِّبْيَانُ يَشْتَدُّونَ ، وَيَقُولُونَ : هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَمُوتُ حَتَّى يَلْقَى الدَّجَّالَ .
مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ : عَنْ جَرِيرٍ قَالَ : رَأَيْتُ ابْنَ إِسْحَاقَ يُخَضِّبُ بِالسَّوَادِ .
قَالَ الْمُفَضَّلُ الْغَلَّابِيُّ : سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، فَقَالَ : كَانَ ثِقَةٌ ، حَسَنُ الْحَدِيثِ : فَقُلْتُ : إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ رَأَى سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ . 36 فَقَالَ : إِنَّهُ لِقَدِيمٌ . وَرَوَى عَبَّاسٌ عَنْ يَحْيَى ، قَالَ : قَدْ سَمِعَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ وَمِنْ عَطَاءٍ ، وَمِنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمِنَ الْقَاسِمِ ، قَالَ : وَسَمِعَ مِنْ مَكْحُولٍ وَمِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ .
قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : لَا يَزَالُ بِالْمَدِينَةِ عِلْمٌ مَا بَقِيَ هَذَا - عَنَى ابْنَ إِسْحَاقَ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : مَدَارُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سِتَّةٍ ، فَذَكَرَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : فَصَارَ عِلْمُ السِّتَّةِ عِنْدَ اثْنَيْ عَشَرَ ، أَحَدُهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ .
وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ : رَأَيْتُ الزُّهْرِيَّ أَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، فَاسْتَبْطَأَهُ فَقَالَ لَهُ : أَيْنَ كُنْتَ ؟ قَالَ : وَهَلْ يَصِلُ إِلَيْكَ أَحَدٌ مَعَ حَاجِبِكَ ، قَالَ : فَدَعَا حَاجِبَهُ ، فَقَالَ لَهُ : لَا تَحْجِبْهُ إِذَا جَاءَ .
وَقَالَ : قَالَ سُفْيَانُ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ : لَا يَزَالُ بِالْمَدِينَةِ عِلْمٌ جَمٌّ مَا دَامَ فِيهِمُ ابْنُ إِسْحَاقَ .
وَقَالَ عَلِيٌّ : عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ، وَسُئِلَ عَنْ مَغَازِيهِ ، فَقَالَ : هَذَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَا - يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ .
وَرَوَى حَرْمَلَةُ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَبَحَّرَ فِي الْمَغَازِي ، فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ : سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، فَقَالَ :
قَالَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ : لَا يَزَالُ فِي النَّاسِ عِلْمٌ مَا عَاشَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ .
ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ : حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ، سَمِعْتُ أَبَا مُعَاوِيَةَ يَقُولُ : 37 كَانَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ أَحْفَظِ النَّاسِ ، فَكَانَ إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ خَمْسَةُ أَحَادِيثَ أَوْ أَكْثَرَ ، فَاسْتَوْدَعَهَا عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : احْفَظْهَا عَلَيَّ ، فَإِنْ نَسِيتَهَا كُنْتَ قَدْ حَفِظْتَهَا عَلَيَّ .
قَالَ الْخَلِيلِيُّ : قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ الْحَافِظُ : كَيْفَ لَا يَكُونُ ابْنُ إِسْحَاقَ ثِقَةً وَقَدْ سَمِعَ مِنَ الْأَعْرَجِ ، وَيَرْوِي عَنْهُ ، ثُمَّ يَرْوِي عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْهُ ، ثُمَّ يَرْوِي عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْهُ . ثُمَّ قَالَ الْخَلِيلِيُّ : رَوَى عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ مِنْ أُسْتَاذَيْهِ : الزُّهْرِيِّ وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ وَعُقَيْلٍ وَيُونُسَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ - رَأَى ابْنُ إِسْحَاقَ مُقْبِلًا - : لَا يَزَالُ بِالْحِجَازِ عِلْمٌ كَثِيرٌ مَا دَامَ هَذَا الْأَحْوَلُ .
النُّفَيْلِيُّ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَائِدٍ ، قَالَ : كُنَّا إِذَا جَلَسْنَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، فَأَخَذَ فِي فَنٍّ مِنَ الْعِلْمِ ، قَضَى مَجْلِسَهُ فِي ذَلِكَ الْفَنِّ .
قُلْتُ : قَدْ كَانَ فِي الْمَغَازِي عَلَّامَةً .
قَالَ الْمَيْمُونِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِحَدِيثٍ اسْتَحْسَنَهُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ،
فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ! مَا أَحْسَنَ هَذِهِ الْقَصَصَ الَّتِي يَجِيئُ بِهَا ابْنُ إِسْحَاقَ ! فَتَبَسَّمَ إِلَيَّ مُتَعَجِّبًا .
ابْنُ الْمَدِينِيِّ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ ، وَسُئِلَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : لِمَ لَمْ يَرْوِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَنْهُ ؟ فَقَالَ : جَالَسْتُ ابْنَ إِسْحَاقَ مُنْذُ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً ، وَمَا يَتَّهِمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَلَا يَقُولُ فِيهِ شَيْئًا . فَقُلْتُ لَهُ : كَانَ ابْنُ إِسْحَاقَ يُجَالِسُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْمُنْذِرِ ؟ فَقَالَ : أَخْبَرَنِي أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ ، وَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الذَّهَبِيِّ هُوَ صَادِقٌ فِي ذَلِكَ بِلَا رَيْبٍ . 38
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ ، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يَقُولُ : تَحَدَّثَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ امْرَأَتِي فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ، وَاللَّهِ إِنْ رَآهَا قَطُّ .
قُلْتُ : هِشَامٌ صَادِقٌ فِي يَمِينِهِ ، فَمَا رَآهَا ، وَلَا زَعَمَ الرَّجُلُ أَنَّهُ رَآهَا ، بَلْ ذَكَرَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ ، وَقَدْ سَمِعْنَا مِنْ عِدَّةِ نِسْوَةٍ وَمَا رَأَيْتُهُنَّ . وَكَذَلِكَ رَوَى عِدَّةٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَمَا رَأَوْا لَهَا صُورَةً أَبَدًا .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : فَحَدَّثْتُ أَبِي بِحَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ ; فَقَالَ : وَلِمَ يُنْكِرُ هِشَامٌ ؟ لَعَلَّهُ جَاءَ ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا ، فَأَذِنَتْ لَهُ - يَعْنِي وَلَمْ يَعْلَمْ .
قَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، فَقَالَ : هُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ ، وَذَكَرَهُ فَقَالَ : دَجَّالٌ مِنَ الدَّجَاجِلَةِ .
قَالَ الْخَطِيبُ : ذَكَرَ بَعْضُهُمْ : أَنَّ مَالِكًا عَابَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي زَمَانِهِ بِإِطْلَاقِ لِسَانِهِ فِي قَوْمٍ مَعْرُوفِينَ بِالصَّلَاحِ وَالدِّيَانَةِ وَالثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ .
قُلْتُ : كَلَّا ، مَا عَابَهُمْ إِلَّا وَهُمْ عِنْدَهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَهُوَ مُثَابٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ أَخْطَأَ اجْتِهَادُهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ .
ثُمَّ قَالَ الْخَطِيبُ : أَنْبَأَنَا الْبَرْقَانِيُّ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْآدَمِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْإِيَادِيُّ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ ، قَالَ : قَالَ لِي مَالِكٌ : هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ كَذَّابٌ . قَالَ أَحْمَدُ - وَهُوَ الْأَثْرَمُ 39 إِنْ شَاءَ اللَّهُ - : فَسَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ ، فَقَالَ : عَسَى أَرَادَ فِي الْكَلَامِ ، أَمَّا فِي الْحَدِيثِ ، فَثِقَةٌ ، وَهُوَ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْهُ .
قَالَ : وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ يَتَكَلَّمُونَ فِي مَالِكٍ ، وَكَانَ أَشَدَّهُمْ فِيهِ كَلَامًا مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ ، كَانَ يَقُولُ : ائْتُونِي بِبَعْضِ كُتُبِهِ حَتَّى أُبَيِّنَ عُيُوبَهُ ، أَنَا بَيْطَارُ كُتُبِهِ .
قَالَ الْخَطِيبُ : أَمَّا كَلَامُ مَالِكٍ فِي ابْنِ إِسْحَاقَ فَمَشْهُورٌ ، وَأَمَّا حِكَايَةُ ابْنِ فُلَيْحٍ عَنْهُ فِي هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، فَلَيْسَتْ بِالْمَحْفُوظَةِ ، وَرَاوِيهَا عَنِ ابْنِ الْمُنْذِرِ لَا يُعْرَفُ .
قُلْتُ : فَهِيَ مَرْدُودَةٌ .
وَقَدْ أَمْسَكَ عَنِ الِاحْتِجَاجِ بِرِوَايَاتِ ابْنِ إِسْحَاقَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِأَشْيَاءَ ، مِنْهَا : تَشَيُّعُهُ ، وَنُسِبَ إِلَى الْقَدَرِ ، وَيُدَلِّسُ فِي حَدِيثِهِ ، فَأَمَّا الصِّدْقُ ، فَلَيْسَ بِمَدْفُوعٍ عَنْهُ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ . وَذَكَرَ عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ مَا رَأَى أَحَدًا يَتَّهِمُهُ .
قَالَ : وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ تَلَقَّفَ الْمَغَازِي مَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِيمَا يُحَدِّثُهُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ ، وَالَّذِي يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ فِي ابْنِ إِسْحَاقَ ، لَا يَكَادُ يُتَبَيَّنُ ، وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ مِنْ أَتْبَعِ مَنْ رَأَيْنَا لِمَالِكٍ ، أَخْرَجَ إِلَيَّ كُتُبَ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ فِي الْمَغَازِي وَغَيْرِهَا ، فَانْتَخَبْتُ مِنْهَا كَثِيرًا .
قَالَ : وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ : كَانَ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، نَحْوٌ مَنْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ حَدِيثٍ فِي الْأَحْكَامِ ، سِوَى الْمَغَازِي . 40
قُلْتُ : يَعْنِي بِتَكْرَارِ طُرُقِ الْأَحَادِيثِ ، فَأَمَّا الْمُتُونُ الْأَحْكَامِيَّةُ الَّتِي رَوَاهَا فَمَا تَبْلُغُ عُشْرَ ذَلِكَ . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هُنَا فَصْلًا حَسَنًا عَنْ رِجَالِهِ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، فَقَدْ أَكْثَرَا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَلَوْ صَحَّ عَنْ مَالِكٍ تَنَاوُلُهُ مِنَ ابْنِ إِسْحَاقَ ، فَلَرُبَّمَا تَكَلَّمَ الْإِنْسَانُ ، فَيَرْمِي صَاحِبَهُ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ ، وَلَا يَتَّهِمُّهُ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا . قَالَ : وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ : نَهَانِي مَالِكٌ عَنْ شَيْخَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُمَا فِي " الْمُوَطَّأِ " وَهَمَّا مِمَّنْ يُحْتَجُ بِهِمَا ، وَلَمْ يَنْجُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ النَّاسِ فِيهِمْ ، نَحْوَ مَا يُذْكَرُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ مِنْ كَلَامِهِ فِي الشَّعْبِيِّ ، وَكَلَامِ الشَّعْبِيِّ فِي عِكْرِمَةَ وَفِيمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ ، وَتَنَاوُلِ بَعْضِهِمْ فِي الْعِرِضِ وَالنَّفْسِ ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا النَّحْوِ إِلَّا بِبَيَانٍ وَحُجَّةٍ وَلَمْ تَسْقُطْ عَدَالَتُهُمْ إِلَّا بِبُرْهَانٍ ثَابِتٍ وَحُجَّةٍ ، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا كَثِيرٌ .
قُلْتُ : لَسْنَا نَدَّعِي فِي أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ الْعِصْمَةَ مِنَ الْغَلَطِ النَّادِرِ ، وَلَا مِنَ الْكَلَامِ بِنَفَسٍ حَادٍ فَيَمَنْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ شَحْنَاءُ وَإِحْنَةٌ ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ كَلَامِ الْأَقْرَانِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ مُهْدَرٌ لَا عِبْرَةَ بِهِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا وَثَّقَ 41 الرَّجُلَ جَمَاعَةٌ يَلُوحُ عَلَى قَوْلِهِمُ الْإِنْصَافُ ، وَهَذَانَ الرَّجُلَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ نَالَ مِنْ صَاحِبِهِ ، لَكِنْ أَثَّرَ كَلَامُ مَالِكٍ فِي مُحَمَّدٍ بَعْضَ اللِّينِ ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ كَلَامُ مُحَمَّدٍ فِيهِ وَلَا ذَرَّةً ، وَارْتَفَعَ مَالِكٌ ، وَصَارَ كَالنَّجْمِ ، وَالْآخَرُ ، فَلَهُ ارْتِفَاعٌ بِحَسْبِهِ ، وَلَا سِيَّمَا فِي السِّيَرِ ، وَأَمَّا فِي أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ ، فَيَنْحَطُّ حَدِيثُهُ فِيهَا عَنْ رُتْبَةِ الصِّحَّةِ إِلَى رُتْبَةِ الْحَسَنِ ، إِلَّا فِيمَا شَذَّ فِيهِ ، فَإِنَّهُ يُعَدُّ مُنْكَرًا . هَذَا الَّذِي عِنْدِي فِي حَالِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ : سَمِعْتُ شُعْبَةَ يَقُولُ : مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَمِيرُ الْمُحَدِّثِينَ لِحِفْظِهِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : نَظَرْتُ فِي كُتُبِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَمَا وَجَدْتُ عَلَيْهِ إِلَّا فِي حَدِيثَيْنِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا صَحِيحَيْنِ .
وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ : الَّذِي يُذْكَرُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِنْ قَوْلِهِ : كَيْفَ يَدْخُلُ عَلَى امْرَأَتِي ؟ لَوْ صَحَّ هَذَا مِنْ هِشَامٍ لَجَازَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيْهِ فَإِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَرَوْنَ الْكِتَابَ جَائِزًا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا ، فَقَالَ لَهُ : " لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَوْضِعَ كَذَا وَكَذَا " فَلَمَّا بَلَغَهُ قَرَأَهُ وَعَمِلَ بِهِ . وَكَذَلِكَ 42 الْخُلَفَاءُ وَالْأَئِمَّةُ يُفْضُونَ بِكِتَابِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ مِنْهَا ، وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ فِي غَيْبَةِ زَوْجِهَا .
قُلْتُ : ذَاكَ الظَّنُّ بِهِمَا كَمَا أَخَذَ خَلْقٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ عَنِ الصَّحَابِيَّاتِ ، مَعَ جَوَازِ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ عَلَيْهَا ، وَرَآهَا وَهُوَ صَبِيٌّ ، فَحَفِظَ عَنْهَا ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَخَذَ عَنْهَا حِينَ كَبُرَتْ وَعَجَزَتْ ، وَكَذَا يَنْبَغِي ، فَإِنَّهَا أَكْبَرُ مِنْ هِشَامٍ بِأَزْيَدَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ ، فَقَدْ سَمِعَتْ مِنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ ، وَلَمَّا رَوَتْ لِابْنِ إِسْحَاقَ كَانَ لَهَا قَرِيبٌ مِنْ سِتِّينَ سَنَةً .
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ : ابْنُ إِسْحَاقَ رَجُلٌ قَدِ اجْتَمَعَ الْكُبَرَاءُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْأَخْذِ عَنْهُ ، مِنْهُمْ : سُفْيَانُ ، وَشُعْبَةُ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَالْحَمَّادَانِ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، وَرَوَى عَنْهُ مِنَ الْقُدَمَاءِ : يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ . وَقَدِ اخْتَبَرَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ فَرَأَوْا صِدْقًا وَخَيْرًا مَعَ مَدْحِ ابْنِ شِهَابٍ لَهُ ، وَقَدْ ذَاكَرَتْ دُحَيْمًا قَوْلَ مَالِكٍ ، فَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْحَدِيثِ ، إِنَّمَا هُوَ لِأَنَّهُ اتُّهِمَ بِالْقَدَرِ . 43
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ : ابْنُ إِسْحَاقَ النَّاسُ يَشْتَهُونَ حَدِيثَهُ ، وَكَانَ يُرْمَى بِغَيْرِ نَوْعٍ مِنَ الْبِدَعِ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ الزُّبَيْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ : كُنَّا فِي مَجْلِسِ ابْنِ إِسْحَاقَ نَتَعَلَّمُ ، فَأَغْفَى إِغْفَاءَةً ، فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ السَّاعَةَ : كَأَنَّ إِنْسَانًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَمَعَهُ حَبْلٌ ، فَوَضَعَهُ فِي عُنُقِ حِمَارٍ فَأَخْرَجَهُ . فَمَا لَبِثْنَا أَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ رَجُلٌ مَعَهُ حَبْلٌ حَتَّى وَضْعَهُ فِي عُنُقِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَأَخْرَجَهُ ، قَالَ : فَذَهَبَ بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ فَجُلِدَ . قَالَ الزَّبِيرِيُّ : مِنْ أَجْلِ الْقَدَرِ .
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ عُقْدَةَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ بْنِ إِسْحَاقَ ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ يَقُولُ : كَانَ ابْنُ إِسْحَاقَ يُرْمَى بِالْقَدَرِ . وَكَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ .
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ : سَمِعْتُ ابْنَ نُمَيْرٍ - وَذُكِرَ ابْنُ إِسْحَاقَ - فَقَالَ : إِذَا حَدَّثَ عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مِنَ الْمَعْرُوفَيْنِ ، فَهُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ صَدُوقٌ ، وَإِنَّمَا أُتِيَ مِنْ أَنَّهُ يُحَدِّثُ عَنِ الْمَجْهُولِينَ أَحَادِيثَ بَاطِلَةً .
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَلَفٍ ، الْبُخَارِيُّ الْحَافِظُ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ : مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ أَلْفُ حَدِيثٍ يَنْفَرِدُ بِهَا لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ .
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ إِسْحَاقَ الْجَلَّابُ : سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ : تَكَلَّمَ أَحَدٌ فِي ابْنِ إِسْحَاقَ ؟ فَقَالَ : أَمَّا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فَكَانَ يَقُولُ - يَعْنِي عَنِ الزُّهْرِيِّ - : 44 لَا يَزَالُ بِالْمَدِينَةِ عِلْمٌ مَا عَاشَ هَذَا الْغُلَامُ - يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ - وَلَكِنْ حَدَّثَنِي مُصْعَبٌ قَالَ : كَانُوا يَطْعَنُونَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْحَدِيثِ .
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ : سَأَلْتُ عَلِيًّا : كَيْفَ حَدِيثُ ابْنِ إِسْحَاقَ عِنْدَكَ ، صَحِيحٌ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، حَدِيثُهُ عِنْدِي صَحِيحٌ . قُلْتُ : فَكَلَامُ مَالِكٍ فِيهِ ؟ قَالَ : مَالِكٌ لَمْ يُجَالِسْهُ وَلَمْ يَعْرِفْهُ ، وَأَيُّ شَيْءٍ حَدَّثَ بِهِ ابْنُ إِسْحَاقَ بِالْمَدِينَةِ ؟ !
قُلْتُ : فَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ . فَقَالَ عَلِيٌّ : الَّذِي قَالَ هِشَامٌ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، لَعَلَّهُ دَخْلَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهُوَ غُلَامٌ ، فَسَمِعَ مِنْهَا . إِنَّ حَدِيثَهُ لَيُتَبَيَّنُ فِيهِ الصِّدْقُ . يَرْوِي مَرَّةً : حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ ، وَمَرَّةً ذَكَرَ أَبُو الزِّنَادِ ، وَيَرْوِي عَنْ رَجُلٍ عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ يَقُولُ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ عُمَيْرٍ صَوْمُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ مِنْ أَرَوَى النَّاسِ عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، وَيَقُولُ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فِي سَلَفٍ وَبَيْعٍ وَهُوَ مِنْ أَرَوَى النَّاسِ عَنْ عَمْرٍو . 45
قَالَ يَعْقُوبُ الْفَسَوِيُّ : قَالَ عَلِيٌّ : لَمْ أَجِدْ لِابْنِ إِسْحَاقَ إِلَّا حَدِيثَيْنِ مُنْكَرَيْنِ : نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ " وَالزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ " إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ فَرْجَهُ " هَذَانَ لَمْ يَرْوِهِمَا عَنْ أَحَدٍ ، وَالْبَاقُونَ يَقُولُ : ذَكَرَ فُلَانٌ ، وَلَكِنْ هَذَا فِيهِ : حَدَّثَنَا .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث