سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء السابع
الْأَوْزَاعِيُّ ( ع )
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرِو بْنِ يَحْمَدَ ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ ، وَعَالِمُ أَهْلِ الشَّامِ ، أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ .
كَانَ يَسْكُنُ بِمَحِلَّةِ الْأَوْزَاعِ ، وَهِيَ الْعُقَيْبَةُ الصَّغِيرَةُ ظَاهِرُ بَابِ الْفَرَادِيسِ بِدِمَشْقَ ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى بَيْرُوتَ مُرَابِطًا بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ .
وَقِيلَ : كَانَ مَوْلِدُهُ بِبَعْلَبَكَّ . 108
حَدَّثَ عَنْ : عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَمَكْحُولٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ ، وَرَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ الْقَصِيرِ ، وَبِلَالِ بْنِ سَعْدٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَعَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، وَأَبِي كَثِيرٍ السُّحَيْمِيِّ الْيَمَامِيِّ ، وَحَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ ، إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ ، وَمُطْعِمِ بْنِ الْمِقْدَامِ ، وَعُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ الْعَنْسِيِّ ، وَيُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصَبِيِّ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَالْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيِّ .
وَحَفْصِ بْنِ عَنَانٍ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيِّ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيِّ ، وَشَدَّادِ أَبِي عَمَّارٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، وَعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ قَيْسٍ ، وَأَبِي النَّجَاشِيِّ عَطَاءِ بْنِ صُهَيْبٍ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، وَابْنِ الْمُنْكَدِرِ ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانِ ، وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَالْوَلِيدِ بْنِ هِشَامٍ ، وَخَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ ، وَغَيْرِهِمْ .
وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي حَيَاةِ الصَّحَابَةِ .
رَوَى عَنْهُ : ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ - وَهُمَا مِنْ شُيُوخِهِ - وَشُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ ، وَمَالِكٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، وَيَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ الْقَاضِي ، وَبَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَالْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ ، وَالْهِقْلُ بْنُ زِيَادٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ ، وَأَبُو الْمُغِيرَةِ الْحِمْصِيُّ ، وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْمِصِّيصِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، وَيَحْيَى الْبَابْلُتِّيُّ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ الْعُذْرِيُّ ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ . 109
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ : الْأَوْزَاعُ بَطْنٌ مِنْ هَمْدَانَ ، وَهُوَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَكَانَ ثِقَةً . قَالَ : وَوُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ ، وَكَانَ خَيِّرًا ، فَاضِلًا ، مَأْمُونًا كَثِيرَ الْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ ، حُجَّةً . تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ . وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَقَالَ : لَمْ يَكُنْ مِنَ الْأَوْزَاعِ بَلْ نَزَلَ فِيهِمْ .
قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ : سَمِعْتُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ : لَيْسَ هُوَ مِنَ الْأَوْزَاعِ ، هُوَ ابْنُ عَمِّ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ لَحًّا ، إِنَّمَا كَانَ يَنْزِلُ قَرْيَةَ الْأَوْزَاعِ ، إِذَا خَرَجَتْ مِنْ بَابِ الْفَرَادِيسِ .
قَالَ ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ : الْأَوْزَاعُ : اسْمٌ وَقَعَ عَلَى مَوْضِعٍ مَشْهُورٍ بِرَبَضَ دِمَشْقَ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ سَكَنَهُ بَقَايَا مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى ، وَالْأَوْزَاعُ : الْفِرَقُ ، تَقُولُ : وَزَّعْتُهُ ، أَيْ : فَرَّقْتُهُ .
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ : اسْمُ الْأَوْزَاعِيِّ : عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، فَسَمَّى نَفْسَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، وَكَانَ أَصْلُهُ مِنْ سَبْيِ السِّنْدِ ، نَزَلَ فِي الْأَوْزَاعِ ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَكَانَ فَقِيهَ أَهْلِ الشَّامِ ، وَكَانَتْ صَنْعَتُهُ الْكِتَابَةَ وَالتَّرَسُّلَ ، وَرَسَائِلُهُ تُؤْثَرُ .
قَالَ أَبُو مُسْهِرٍ وَطَائِفَةٌ : وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ ضَمْرَةُ : سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ : كُنْتُ مُحْتَلِمًا ، أَوْ شَبِيهًا بِالْمُحْتَلِمِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . وَشَذَّ مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، فَقَالَ : مَوْلِدِي سَنَةَ ثَلَاثٍ 110 وَتِسْعِينَ فَهَذَا خَطَأٌ .
قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ : مَوْلِدُهُ بِبَعْلَبَكَّ ، وَمَنْشَؤُهُ بِالْكَرْكِ - قَرْيَةٍ بِالْبِقَاعِ - ثُمَّ نَقَلَتْهُ أُمُّهُ إِلَى بَيْرُوتَ .
قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ : فَمَا رَأَيْتُ أَبِي يَتَعَجَّبُ مِنْ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا ، تَعَجُّبَهُ مِنَ الْأَوْزَاعِيِّ . فَكَانَ يَقُولُ : سُبْحَانَكَ تَفْعَلُ مَا تَشَاءُ ! كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَتِيمًا فَقِيرًا فِي حَجْرِ أُمِّهِ ، تَنْقُلُهُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ ، وَقَدْ جَرَى حُكْمُكَ فِيهِ أَنْ بَلَّغْتَهُ حَيْثُ رَأَيْتُهُ ، يَا بُنَيَّ ، عَجَزَتِ الْمُلُوكُ أَنْ تُؤَدِّبَ أَنْفُسَهَا وَأَوْلَادَهَا أَدَبَ الْأَوْزَاعِيِّ فِي نَفْسِهِ ، مَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً قَطُّ فَاضِلَةً إِلَّا احْتَاجَ مُسْتَمِعُهَا إِلَى إِثْبَاتِهَا عَنْهُ ، وَلَا رَأَيْتُهُ ضَاحِكًا قَطُّ حَتَّى يُقَهْقِهَ ، وَلَقَدْ كَانَ إِذَا أَخَذَ فِي ذِكْرِ الْمَعَادِ ، أَقُولُ فِي نَفْسِي : أَتُرَى فِي الْمَجْلِسِ قَلْبٌ لَمْ يَبْكِ ؟ ! .
الْفَسَوِيُّ : سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ ، عَنْ شُيُوخِهِمْ ، قَالُوا : قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : مَاتَ أَبِي وَأَنَا صَغِيرٌ ، فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ ، فَمَرَّ بِنَا فُلَانٌ - وَذَكَرَ شَيْخًا جَلِيلًا مِنَ الْعَرَبِ - فَفَرَّ الصِّبْيَانُ حِينَ رَأَوْهُ ، وَثَبَتُّ أَنَا ، فَقَالَ : ابْنُ مَنْ أَنْتَ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ . فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَاكَ . فَذَهَبَ بِي إِلَى بَيْتِهِ ، فَكُنْتُ مَعَهُ حَتَّى بَلَغْتُ ، فَأَلْحَقَنِي فِي الدِّيوَانِ ، وَضَرَبَ عَلَيْنَا بَعْثًا إِلَى الْيَمَامَةِ ، فَلَمَّا قَدِمْنَاهَا ، وَدَخَلْنَا مَسْجِدَ الْجَامِعِ ، وَخَرَجْنَا ، قَالَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : رَأَيْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ مُعْجَبًا بِكَ ، يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ فِي هَذَا الْبَعْثِ أَهْدَى مِنْ هَذَا الشَّابِّ ! قَالَ : فَجَالَسَتْهُ فَكَتَبْتُ عَنْهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ كِتَابًا ، أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، فَاحْتَرَقَ كُلُّهُ . 111
ابْنُ زَبْرٍ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ خَرَجَ فِي بَعْثِ الْيَمَامَةِ ، فَأَتَى مَسْجِدَهَا ، فَصَلَّى ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَرِيبًا مِنْهُ ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى صَلَاتِهِ ، فَأَعْجَبَتْهُ ، ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ إِلَيْهِ ، وَسَأَلَهُ عَنْ بَلَدِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَتَرَكَ الْأَوْزَاعِيُّ الدِّيوَانَ ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ مُدَّةً يَكْتُبُ عَنْهُ ، فَقَالَ لَهُ : يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُبَادِرَ الْبَصْرَةَ لَعَلَّكَ تُدْرِكُ الْحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ ، فَتَأْخُذَ عَنْهُمَا . فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمَا ، فَوَجَدَ الْحَسَنَ قَدْ مَاتَ ، وَابْنُ سِيرِينَ حَيًّا ، فَأَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ : أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ فَعَادَهُ ، وَمَكَثَ أَيَّامًا وَمَاتَ ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، قَالَ : كَانَ بِهِ الْبَطْنُ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ : رَأَيْتُ الْأَوْزَاعِيَّ فَوْقَ الرَّبْعَةِ ، خَفِيفَ اللَّحْمِ ، بِهِ سُمْرَةً ، يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ .
مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ : عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، قَالَ : خَرَجْتُ أُرِيدُ الْحَسَنَ وَمُحَمَّدًا ، فَوَجَدْتُ الْحَسَنَ قَدْ مَاتَ ، وَوَجَدْتُ ابْنَ سِيرِينَ مَرِيضًا .
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَصَنَّفَ الْأَوْزَاعِيُّ . أَبُو مُسْهِرٍ : حَدَّثَنِي الْهِقْلُ ، قَالَ : أَجَابَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي سَبْعِينَ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ ، أَوْ نَحْوِهَا .
قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ : سَمِعْتُ النَّاسَ فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ يَقُولُونَ : الْأَوْزَاعِيُّ الْيَوْمَ عَالِمُ الْأُمَّةِ . أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْهِرٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، قَالَ : الْأَوْزَاعِيُّ هُوَ عَالِمُ أَهْلِ الشَّامِ . وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ شُعَيْبٍ يَقُولُ : قُلْتُ لِأُمَيَّةَ بْنِ يَزِيدَ : أَيْنَ الْأَوْزَاعِيُّ مِنْ مَكْحُولٍ ؟ قَالَ : هُوَ عِنْدَنَا أَرْفَعُ مِنْ مَكْحُولٍ .
قُلْتُ : بِلَا رَيْبِ هُوَ أَوْسَعُ دَائِرَةً فِي الْعِلْمِ مِنْ مَكْحُولٍ . 112 مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : ثُمَّ قَالَ أُمَيَّةُ : كَانَ قَدْ جَمَعَ الْعِبَادَةَ وَالْعِلْمَ وَالْقَوْلَ بِالْحَقِّ . قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الْبَيْرُوتِيُّ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ : بَلَغَ الثَّوْرِيَّ ، وَهُوَ بِمَكَّةَ ، مَقْدَمُ الْأَوْزَاعِيِّ ، فَخَرَجَ حَتَّى لَقِيَهُ بِذِي طُوَى فَلَمَّا لَقِيَهُ ، حَلَّ رَسَنَ الْبَعِيرِ مِنَ الْقِطَارِ ، فَوَضَعَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ ، فَجَعْلَ يَتَخَلَّلُ بِهِ ، فَإِذَا مَرَّ بِجَمَاعَةٍ قَالَ : الطَّرِيقُ لِلشَّيْخِ . رَوَى نَحْوَهَا الْمُحَدِّثُ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ . وَرَوَى شَبِيهًا بِهَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبَّادٍ الْخُتَّلِيُّ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ الثَّوْرِيَّ . . . بِنَحْوِهَا .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : دَخَلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ عَلَى مَالِكٍ ، فَلَمَّا خَرَجَا قَالَ : أَحَدُهُمَا أَكْثَرُ عِلْمًا مِنْ صَاحِبِهِ ، وَلَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ ، وَالْآخَرُ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ - يَعْنِي الْأَوْزَاعِيُّ لِلْإِمَامَةِ . مَسْلَمَةُ بْنُ ثَابِتٍ : عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : الْأَوْزَاعِيُّ إِمَامٌ يُقْتَدَى بِهِ . الشَّاذَكُونِيُّ : سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ : كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ بِمِنًى ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لِلثَّوْرِيِّ : لِمَ لَا تَرْفَعُ يَدَيْكَ فِي خَفْضِ الرُّكُوعِ وَرَفْعِهِ ؟ . فَقَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ . . . فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : رَوَى لَكَ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتُعَارِضُنِي بِيَزِيدَ رَجُلٍ ضَعِيفِ الْحَدِيثِ ، 113 وَحَدِيثُهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَةِ ، فَاحْمَرَّ وَجْهُ سُفْيَانَ . فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : كَأَنَّكَ كَرِهْتَ مَا قُلْتُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ : قُمْ بِنَا إِلَى الْمَقَامِ نَلْتَعِنُ أَيُّنَا عَلَى الْحَقِّ . قَالَ : فَتَبَسَّمَ سُفْيَانُ لَمَّا رَآهُ قَدِ احْتَدَّ .
عَلِيُّ بْنُ بَكَّارٍ : سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْفَزَارِيَّ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ مِثْلَ الْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ ! . فَأَمَّا الْأَوْزَاعِيُّ ، فَكَانَ رَجُلَ عَامَّةٍ ، وَأَمَّا الثَّوْرِيُّ ، فَكَانَ رَجُلَ خَاصَّةِ نَفْسِهِ ، وَلَوْ خُيِّرْتُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لَاخْتَرْتُ لَهَا الْأَوْزَاعِيَّ - يُرِيدُ الْخِلَافَةَ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ بَكَّارٍ : لَوْ خُيِّرْتُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ، لَاخْتَرْتُ لَهَا أَبَا إِسْحَاقَ الْفَزَارِيَّ .
قَالَ الْخُرَيْبِيُّ : كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ .
وَعَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : لَوْ قِيلَ لِيَ : اخْتَرْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ، لَاخْتَرْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَالْأَوْزَاعِيَّ ، وَلَوْ قِيلَ لِيَ : اخْتَرْ أَحَدَهُمَا ، لَاخْتَرْتُ الْأَوْزَاعِيَّ ; لِأَنَّهُ أَرْفَقُ الرَّجُلَيْنِ . وَكَذَا قَالَ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَبُو أُسَامَةَ .
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ : إِنَّمَا النَّاسُ فِي زَمَانِهِمْ أَرْبَعَةٌ : حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ بِالْبَصْرَةِ ، وَالثَّوْرِيُّ بِالْكُوفَةِ ، وَمَالِكٌ بِالْحِجَازِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ بِالشَّامِ .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : حَدِيثُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى مُضْطَرِبٌ . الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ : سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ فِقْهَهُ بِحَدِيثِهِ مِنَ الْأَوْزَاعِيِّ .
قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ : مَا تَقُولُ فِي مَالِكٍ ؟ قَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَرَأْيٌ ضَعِيفٌ . قُلْتُ : فَالْأَوْزَاعِيِّ ؟ قَالَ : حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، وَرَأْيٌ ضَعِيفٌ . قُلْتُ : فَالشَّافِعِيُّ ؟ قَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَرَأْيٌ صَحِيحٌ . قُلْتُ : فَفُلَانٍ ؟ قَالَ : لَا رَأْيَ وَلَا حَدِيثَ . 114 قُلْتُ : يُرِيدُ أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ حَدِيثُهُ ضَعِيفٌ مِنْ كَوْنِهِ يَحْتَجُّ بِالْمَقَاطِيعِ ، وَبِمَرَاسِيلَ أَهْلِ الشَّامِ ، وَفِي ذَلِكَ ضَعْفٌ ، لَا أَنَّ الْإِمَامَ فِي نَفْسِهِ ضَعِيفٌ .
قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ : رَأَيْتُ الْأَوْزَاعِيَّ يَثْبُتُ فِي مُصَلَّاهُ ، يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَيُخْبِرَنَا عَنِ السَّلَفِ : أَنَّ ذَلِكَ كَانَ هَدْيَهُمْ ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، قَامَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، فَأَفَاضُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ ، وَالتَّفَقُّهِ فِي دِينِهِ . عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ : عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، قَالَ : دَفَعَ إِلَيَّ الزُّهْرِيُّ صَحِيفَةً ، فَقَالَ : ارْوِهَا عَنِّي . وَدَفَعَ إِلَيَّ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ صَحِيفَةً ، فَقَالَ : ارْوِهَا عَنِّي . فَقَالَ ابْنُ ذَكْوَانَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ : قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : نَعْمَلُ بِهَا ، وَلَا نُحَدِّثُ بِهَا - يَعْنِي الصَّحِيفَةَ .
قَالَ الْوَلِيدُ : كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ : كَانَ هَذَا الْعِلْمُ كَرِيمًا ، يَتَلَاقَّاهُ الرِّجَالُ بَيْنَهُمْ ، فَلَمَّا دَخَلَ فِي الْكُتُبِ ، دَخَلَ فِيهِ غَيْرُ أَهْلِهِ . وَرَوَى مِثْلَهَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ .
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأَخْذَ مِنَ الصُّحُفِ وَبِالْإِجَازَةِ يَقَعُ فِيهِ خَلَلٌ ، وَلَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ نَقْطٌ وَلَا شَكْلٌ ، فَتَتَصَحَّفُ الْكَلِمَةُ بِمَا يُحِيلُ الْمَعْنَى ، وَلَا يَقَعُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْأَخْذِ مِنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ ، وَكَذَلِكَ التَّحْدِيثُ مِنَ الْحِفْظِ يَقَعُ فِيهِ الْوَهْمُ ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ مِنْ كِتَابٍ مُحَرَّرٍ . مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ : سَمِعْتُ الْوَلِيدَ يَقُولُ : احْتَرَقَتْ 115 كُتُبُ الْأَوْزَاعِيِّ زَمَنَ الرَّجْفَةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قُنْدَاقًا فَأَتَاهُ رَجُلٌ بِنُسَخِهَا ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَمْرٍو ، هَذِهِ نُسْخَةُ كِتَابِكَ ، وَإِصْلَاحُكَ بِيَدِكَ ، فَمَا عَرَضَ لِشَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا .
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ التِّنِّيسِيُّ : قِيلَ لِلْأَوْزَاعِيِّ : يَا أَبَا عَمْرٍو ، الرَّجُلُ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ لَحْنٌ ، أَيُقِيمُهُ عَلَى عَرَبِيَّتِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِعَرَبِيٍّ . قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ : سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ : لَا بَأْسَ بِإِصْلَاحِ اللَّحْنِ وَالْخَطَأِ فِي الْحَدِيثِ .
مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ كَاتِبِ الْمَنْصُورِ ، قَالَ : كَانَتْ تَرِدُ عَلَى الْمَنْصُورِ كُتُبٌ مِنَ الْأَوْزَاعِيِّ نَتَعَجَّبُ مِنْهَا ، وَيَعْجَزُ كُتَّابُهُ عَنْهَا ، فَكَانَتْ تُنْسَخُ فِي دَفَاتِرَ ، وَتُوضَعُ بَيْنَ يَدِيِ الْمَنْصُورِ ، فَيُكْثِرُ النَّظَرَ فِيهَا اسْتِحْسَانًا لِأَلْفَاظِهَا ، فَقَالَ لِسُلَيْمَانَ بْنِ مَجَالِدٍ - وَكَانَ مِنْ أَحْظَى كُتَّابِهِ عِنْدَهُ - : يَنْبَغِي أَنْ تُجِيبَ الْأَوْزَاعِيَّ عَنْ كُتُبِهِ جَوَابًا تَامًّا . قَالَ : وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا أُحْسِنُ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أُحْسِنُ ، وَإِنَّ لَهُ نَظْمًا فِي الْكُتُبِ لَا أَظُنُّ أَحَدًا مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ يَقْدِرُ عَلَى إِجَابَتِهِ عَنْهُ ، وَأَنَا أَسْتَعِينُ بِأَلْفَاظِهِ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهَا مِمَّنْ نُكَاتِبُهُ فِي الْآفَاقِ . 116
قُلْتُ : كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ مَعَ بَرَاعَتِهِ فِي الْعِلْمِ ، وَتَقَدُّمِهِ فِي الْعَمَلِ كَمَا تَرَى رَأْسًا فِي التَّرَسُّلِ - رَحِمَهُ اللَّهُ .
الْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ : سُئِلَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنِ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ ، قَالَ : غَضُّ الْبَصَرِ ، وَخَفْضُ الْجَنَاحِ ، وَلِينُ الْقَلْبِ ، وَهُوَ الْحُزْنُ ، الْخَوْفُ .
قَالَ : وَسُئِلَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ إِمَامٍ تَرَكَ سَجْدَةً سَاهِيًا حَتَّى قَامَ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ . قَالَ : يَسْجُدُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ سَجْدَةً وَهُمْ مُتَفَرِّقُونَ .
وَسَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ : وَسَأَلْتُهُ : مَنِ الْأَبْلَهُ ؟ قَالَ : الْعَمِيُّ عَنِ الشَّرِّ ، الْبَصِيرُ بِالْخَيْرِ . سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ : مَا أَخْطَأَتْ يَدُ الْحَاصِدِ ، أَوْ جَنَتْ يَدُ الْقَاطِفِ ، فَلَيْسَ لِصَاحِبِ الزَّرْعِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمَارَّةِ وَابْنِ السَّبِيلِ .
رَوَى أَبُو مُسْهِرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : وَلِيَ الْأَوْزَاعِيُّ الْقَضَاءَ لِيَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ ، فَجَلَسَ مَجْلِسًا ، ثُمَّ اسْتَعْفَى ، فَأُعْفِيَ ، وَوَلَّى يَزِيدَ ابْنَ أَبِي لَيْلَى الْغَسَّانِيَّ ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى قُتِلَ بِالْغُوطَةِ .
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : إِذَا اجْتَمَعَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ عَلَى أَمْرٍ فَهُوَ سُنَّةٌ .
قُلْتُ : بَلِ السُّنَّةُ مَا سَنَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ . وَالْإِجْمَاعُ : هُوَ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ; إِجْمَاعًا ظَنِّيًّا أَوْ سُكُوتِيًّا ، فَمَنْ شَذَّ عَنْ هَذَا الْإِجْمَاعِ مِنَ التَّابِعَيْنِ أَوْ تَابِعِيهِمْ لِقَوْلٍ بِاجْتِهَادِهِ احْتُمِلَ لَهُ . فَأَمَّا مَنْ خَالَفَ الثَّلَاثَةَ الْمَذْكُورِينَ مِنْ كِبَارِ الْأَئِمَّةِ ، فَلَا يُسَمَّى 117 مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ ، وَلَا لِلسُّنَّةِ ، وَإِنَّمَا مُرَادُ إِسْحَاقَ : أَنَّهُمْ إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى مَسْأَلَةٍ فَهُوَ حَقٌّ غَالِبًا ، كَمَا نَقُولُ الْيَوْمَ : لَا يَكَادُ يُوجَدُ الْحَقُّ فِيمَا اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الِاجْتِهَادِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى خِلَافِهِ ، مَعَ اعْتِرَافِنَا بِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى مَسْأَلَةٍ لَا يَكُونُ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ ، وَنَهَابُ أَنْ نَجْزِمَ فِي مَسْأَلَةٍ اتَّفَقُوا عَلَيْهَا بِأَنَّ الْحَقَّ فِي خِلَافِهَا .
وَمِنْ غَرَائِبِ مَا انْفَرَدَ بِهِ الْأَوْزَاعِيُّ : أَنَّ الْفَخِذَ لَيْسَتْ فِي الْحَمَّامِ عَوْرَةً ، وَأَنَّهَا فِي الْمَسْجِدِ عَوْرَةٌ . وَلَهُ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ حَسَنَةٌ يَنْفَرِدُ بِهَا ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْكُتُبِ الْكِبَارِ ، وَكَانَ لَهُ مَذْهَبٌ مُسْتَقِلٌّ مَشْهُورٌ ، عَمِلَ بِهِ فُقَهَاءُ الشَّامِ مُدَّةً ، وَفُقَهَاءُ الْأَنْدَلُسِ ، ثُمَّ فَنِيَ .
سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ الْبَيْرُوتِيُّ : أَرَادُوا الْأَوْزَاعِيَّ عَلَى الْقَضَاءِ ، فَامْتَنَعَ وَأَبَى ، فَتَرَكُوهُ .
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ ، كَفَاهُ الْيَسِيرُ ، وَمَنْ عَرَفَ أَنَّ مَنْطِقَهُ مِنْ عَمَلِهِ ، قَلَّ كَلَامُهُ .
أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ : عَنِ الْهِقْلِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ : أَنَّهُ وَعَظَ ، فَقَالَ فِي مَوْعِظَتِهِ : أَيُّهَا النَّاسُ ، تَقَوَّوْا بِهَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي أَصْبَحْتُمْ فِيهَا عَلَى الْهَرَبِ مِنْ نَارِ اللَّهِ الْمُوقَدَةِ ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ، فَإِنَّكُمْ فِي دَارٍ الثَّوَاءُ فِيهَا قَلِيلٌ ، وَأَنْتُمْ مُرْتَحِلُونَ وَخَلَائِفُ بَعْدَ الْقُرُونِ ، الَّذِينَ اسْتَقَالُوا مِنَ الدُّنْيَا زَهْرَتَهَا كَانُوا أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَارًا ، وَأَجَدَّ أَجْسَامًا ، وَأَعْظَمَ آثَارًا ، فَجَدَّدُوا الْجِبَالَ ، وَجَابُوا الصُّخُورَ وَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ ، مُؤَيَّدِينَ بِبَطْشٍ شَدِيدٍ ، وَأَجْسَامٍ كَالْعِمَادِ ، فَمَا لَبِثَتِ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي أَنْ طَوَتْ مُدَّتَهُمْ ، وَعَفَّتَ آثَارَهُمْ ، وَأَخْوَتْ مَنَازِلَهُمْ ، وَأَنْسَتْ ذِكْرَهُمْ ، فَمَا تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ ، وَلَا تَسْمَعُ لَهُمْ 118 رِكْزًا . كَانُوا بِلَهْوِ الْأَمَلِ آمِنِينَ ، وَلِمِيقَاتِ يَوْمٍ غَافِلِينَ ، وَلِصَبَاحِ قَوْمٍ نَادِمِينَ ، ثُمَّ إِنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ مَا نَزَلْ بِسَاحَتِهِمْ بَيَاتًا مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ ، فَأَصْبَحَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمَيْنِ ، وَأَصْبَحَ الْبَاقُونَ يَنْظُرُونَ فِي آثَارِ نِقَمِهِ وَزَوَالِ نِعَمِهِ ، وَمَسَاكِنَ خَاوِيَةٍ ، فِيهَا آيَةٌ لِلَّذِينِ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمِ ، وَعِبْرَةٌ لِمَنْ يَخْشَى ، وَأَصْبَحْتُمْ فِي أَجْلٍ مَنْقُوصٍ ، وَدُنْيَا مَقْبُوضَةٍ ، فِي زَمَانٍ قَدْ وَلَّى عَفْوُهُ ، وَذَهَبَ رَخَاؤُهُ ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا حُمَةُ شَرٍّ ، وَصُبَابَةُ كَدَرٍ ، وَأَهَاوِيلُ غِيَرٍ ، وَأَرْسَالُ فِتَنٍ ، وَرُذَالَةُ خَلَفٍ .
الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : مَا كُنْتُ أَحْرِصُ عَلَى السَّمَاعِ مِنَ الْأَوْزَاعِيِّ حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ إِلَى جَنْبِهِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَمَّنْ أَحْمِلُ الْعِلْمَ ؟ قَالَ : عَنْ هَذَا . وَأَشَارَ إِلَى الْأَوْزَاعِيِّ .
قُلْتُ : كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ كَبِيرَ الشَّأْنِ .
قَالَ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ التِّنِّيسِيُّ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ : رَأَيْتُ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ عَرَجَا بِي ، وَأَوْقَفَانِي بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعِزَّةِ ، فَقَالَ لِي : أَنْتَ عَبْدِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الَّذِي تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ ؟ فَقُلْتُ : بِعِزَّتِكَ أَنْتَ أَعْلَمُ . قَالَ : فَهَبِطَا بِي حَتَّى رَدَّانِي إِلَى مَكَانِي . رَوَاهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْهُ .
الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الْبَيْرُوتِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَكَّارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ ، قَالَ : جَلَسْتُ إِلَى شَيْخٍ فِي الْجَامِعِ ، فَقَالَ : أَنَا مَيِّتٌ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا . 119 فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، أَتَيْتُهُ ، فَإِذَا بِهِ يَتَفَلَّى فِي الصَّحْنِ ، فَقَالَ : مَا أَخَذْتُمُ السَّرِيرَ ؟ - يَعْنِي النَّعْشَ - خُذُوهُ قَبْلَ أَنْ تُسْبَقُوا إِلَيْهِ . قُلْتُ : مَا تَقَوُلُ - رَحِمَكَ اللَّهُ ؟ قَالَ : هُوَ الَّذِي أَقُولُ لَكَ ، رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ طَائِرًا وَقَعَ عَلَى رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ هَذِهِ الْقُبَّةِ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : فُلَانٌ قَدَرِيٌّ ، وَفُلَانٌ كَذَا ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ : نِعْمَ الرَّجُلُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَوْزَاعِيُّ خَيْرُ مَنْ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ ، وَأَنْتَ مَيِّتٌ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا ، قَالَ : فَمَا جَاءَتِ الظَّهْرُ حَتَّى مَاتَ ، وَأُخْرِجَ بِجِنَازَتِهِ .
قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ : كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ مِنَ الْعِبَادَةِ عَلَى شَيْءٍ مَا سَمِعْنَا بِأَحَدٍ قَوِيَ عَلَيْهِ ، مَا أَتَى عَلَيْهِ زَوَالٌ قَطُّ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي .
قَالَ مَرْوَانُ الطَّاطَرِيُّ : قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : مَنْ أَطَالَ قِيَامَ اللَّيْلِ ، هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ وُقُوفَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : كَانَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ أَكْثَرَ اجْتِهَادًا فِي الْعِبَادَةِ مِنَ الْأَوْزَاعِيِّ .
مُحَمَّدُ بْنُ سَمَاعَةَ الرَّمْلِيُّ : سَمِعْتُ ضَمْرَةَ بْنَ رَبِيعَةَ يَقُولُ : حَجَجْنَا مَعَ الْأَوْزَاعِيِّ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ ، فَمَا رَأَيْتُهُ مُضْطَجِعًا فِي الْمَحْمَلِ فِي لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ قَطُّ ، كَانَ يُصَلِّي ، فَإِذَا غَلَبَهُ النَّوْمُ ، اسْتَنَدَ إِلَى الْقَتْبِ .
وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ سَلَّامٍ قَالَ : نَزَلَ الْأَوْزَاعِيُّ عَلَى أَبِي ، فَفَرَشْنَا لَهُ فِرَاشًا ، فَأَصْبَحَ عَلَى حَالِهِ ، وَنَزَعْتُ خُفَّيْهِ ، فَإِذَا هُوَ مُبَطَّنٌ بِثَعْلَبٍ .
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ : حَدَّثَنَا بِشِرُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، قَالَ : رَأَيْتُ الْأَوْزَاعِيَّ كَأَنَّهُ أَعْمَى مِنَ الْخُشُوعِ .
ابْنُ زَبْرٍ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ خَالِدٍ ، سَمِعْتُ أَبَا مُسْهِرٍ يَقُولُ : مَا رُئِيَ 120 الْأَوْزَاعِيُّ بَاكِيًا قَطُّ ، وَلَا ضَاحِكًا حَتَّى تَبْدُوَ نَوَاجِذُهُ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ أَحْيَانًا ، كَمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ . وَكَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ صَلَاةً وَقُرْآنًا وَبُكَاءً . وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ إِخْوَانِي مِنْ أَهْلِ بَيْرُوتَ ، أَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ تَدْخُلُ مَنْزِلَ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَتَتَفَقَّدُ مَوْضِعَ مُصَلَّاهُ ، فَتَجِدُهُ رَطْبًا مِنْ دُمُوعِهِ فِي اللَّيْلِ .
أَبُو مُسْهِرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : قَالَ لِي أَبِي : يَا بُنَيَّ ، لَوْ كُنَّا نَقْبَلُ مِنَ النَّاسِ كُلَّ مَا يَعْرِضُونَ عَلَيْنَا ، لَأَوْشَكَ أَنْ نَهُونَ عَلَيْهِمْ .
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرِو بْنِ يَحْمَدَ ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ ، وَعَالِمُ أَهْلِ الشَّامِ ، أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ .
كَانَ يَسْكُنُ بِمَحِلَّةِ الْأَوْزَاعِ ، وَهِيَ الْعُقَيْبَةُ الصَّغِيرَةُ ظَاهِرُ بَابِ الْفَرَادِيسِ بِدِمَشْقَ ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى بَيْرُوتَ مُرَابِطًا بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ .
وَقِيلَ : كَانَ مَوْلِدُهُ بِبَعْلَبَكَّ . 108
حَدَّثَ عَنْ : عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَمَكْحُولٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ ، وَرَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ الْقَصِيرِ ، وَبِلَالِ بْنِ سَعْدٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَعَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، وَأَبِي كَثِيرٍ السُّحَيْمِيِّ الْيَمَامِيِّ ، وَحَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ ، إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ ، وَمُطْعِمِ بْنِ الْمِقْدَامِ ، وَعُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ الْعَنْسِيِّ ، وَيُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصَبِيِّ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَالْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيِّ .
وَحَفْصِ بْنِ عَنَانٍ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيِّ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيِّ ، وَشَدَّادِ أَبِي عَمَّارٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، وَعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ قَيْسٍ ، وَأَبِي النَّجَاشِيِّ عَطَاءِ بْنِ صُهَيْبٍ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، وَابْنِ الْمُنْكَدِرِ ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانِ ، وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَالْوَلِيدِ بْنِ هِشَامٍ ، وَخَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ ، وَغَيْرِهِمْ .
وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي حَيَاةِ الصَّحَابَةِ .
رَوَى عَنْهُ : ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ - وَهُمَا مِنْ شُيُوخِهِ - وَشُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ ، وَمَالِكٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، وَيَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ الْقَاضِي ، وَبَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَالْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ ، وَالْهِقْلُ بْنُ زِيَادٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ ، وَأَبُو الْمُغِيرَةِ الْحِمْصِيُّ ، وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْمِصِّيصِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، وَيَحْيَى الْبَابْلُتِّيُّ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ الْعُذْرِيُّ ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ . 109
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ : الْأَوْزَاعُ بَطْنٌ مِنْ هَمْدَانَ ، وَهُوَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَكَانَ ثِقَةً . قَالَ : وَوُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ ، وَكَانَ خَيِّرًا ، فَاضِلًا ، مَأْمُونًا كَثِيرَ الْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ ، حُجَّةً . تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ . وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَقَالَ : لَمْ يَكُنْ مِنَ الْأَوْزَاعِ بَلْ نَزَلَ فِيهِمْ .
قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ : سَمِعْتُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ : لَيْسَ هُوَ مِنَ الْأَوْزَاعِ ، هُوَ ابْنُ عَمِّ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ لَحًّا ، إِنَّمَا كَانَ يَنْزِلُ قَرْيَةَ الْأَوْزَاعِ ، إِذَا خَرَجَتْ مِنْ بَابِ الْفَرَادِيسِ .
قَالَ ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ : الْأَوْزَاعُ : اسْمٌ وَقَعَ عَلَى مَوْضِعٍ مَشْهُورٍ بِرَبَضَ دِمَشْقَ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ سَكَنَهُ بَقَايَا مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى ، وَالْأَوْزَاعُ : الْفِرَقُ ، تَقُولُ : وَزَّعْتُهُ ، أَيْ : فَرَّقْتُهُ .
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ : اسْمُ الْأَوْزَاعِيِّ : عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، فَسَمَّى نَفْسَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، وَكَانَ أَصْلُهُ مِنْ سَبْيِ السِّنْدِ ، نَزَلَ فِي الْأَوْزَاعِ ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَكَانَ فَقِيهَ أَهْلِ الشَّامِ ، وَكَانَتْ صَنْعَتُهُ الْكِتَابَةَ وَالتَّرَسُّلَ ، وَرَسَائِلُهُ تُؤْثَرُ .
قَالَ أَبُو مُسْهِرٍ وَطَائِفَةٌ : وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ ضَمْرَةُ : سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ : كُنْتُ مُحْتَلِمًا ، أَوْ شَبِيهًا بِالْمُحْتَلِمِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . وَشَذَّ مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، فَقَالَ : مَوْلِدِي سَنَةَ ثَلَاثٍ 110 وَتِسْعِينَ فَهَذَا خَطَأٌ .
قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ : مَوْلِدُهُ بِبَعْلَبَكَّ ، وَمَنْشَؤُهُ بِالْكَرْكِ - قَرْيَةٍ بِالْبِقَاعِ - ثُمَّ نَقَلَتْهُ أُمُّهُ إِلَى بَيْرُوتَ .
قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ : فَمَا رَأَيْتُ أَبِي يَتَعَجَّبُ مِنْ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا ، تَعَجُّبَهُ مِنَ الْأَوْزَاعِيِّ . فَكَانَ يَقُولُ : سُبْحَانَكَ تَفْعَلُ مَا تَشَاءُ ! كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَتِيمًا فَقِيرًا فِي حَجْرِ أُمِّهِ ، تَنْقُلُهُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ ، وَقَدْ جَرَى حُكْمُكَ فِيهِ أَنْ بَلَّغْتَهُ حَيْثُ رَأَيْتُهُ ، يَا بُنَيَّ ، عَجَزَتِ الْمُلُوكُ أَنْ تُؤَدِّبَ أَنْفُسَهَا وَأَوْلَادَهَا أَدَبَ الْأَوْزَاعِيِّ فِي نَفْسِهِ ، مَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً قَطُّ فَاضِلَةً إِلَّا احْتَاجَ مُسْتَمِعُهَا إِلَى إِثْبَاتِهَا عَنْهُ ، وَلَا رَأَيْتُهُ ضَاحِكًا قَطُّ حَتَّى يُقَهْقِهَ ، وَلَقَدْ كَانَ إِذَا أَخَذَ فِي ذِكْرِ الْمَعَادِ ، أَقُولُ فِي نَفْسِي : أَتُرَى فِي الْمَجْلِسِ قَلْبٌ لَمْ يَبْكِ ؟ ! .
الْفَسَوِيُّ : سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ ، عَنْ شُيُوخِهِمْ ، قَالُوا : قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : مَاتَ أَبِي وَأَنَا صَغِيرٌ ، فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ ، فَمَرَّ بِنَا فُلَانٌ - وَذَكَرَ شَيْخًا جَلِيلًا مِنَ الْعَرَبِ - فَفَرَّ الصِّبْيَانُ حِينَ رَأَوْهُ ، وَثَبَتُّ أَنَا ، فَقَالَ : ابْنُ مَنْ أَنْتَ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ . فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَاكَ . فَذَهَبَ بِي إِلَى بَيْتِهِ ، فَكُنْتُ مَعَهُ حَتَّى بَلَغْتُ ، فَأَلْحَقَنِي فِي الدِّيوَانِ ، وَضَرَبَ عَلَيْنَا بَعْثًا إِلَى الْيَمَامَةِ ، فَلَمَّا قَدِمْنَاهَا ، وَدَخَلْنَا مَسْجِدَ الْجَامِعِ ، وَخَرَجْنَا ، قَالَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : رَأَيْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ مُعْجَبًا بِكَ ، يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ فِي هَذَا الْبَعْثِ أَهْدَى مِنْ هَذَا الشَّابِّ ! قَالَ : فَجَالَسَتْهُ فَكَتَبْتُ عَنْهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ كِتَابًا ، أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، فَاحْتَرَقَ كُلُّهُ . 111
ابْنُ زَبْرٍ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ خَرَجَ فِي بَعْثِ الْيَمَامَةِ ، فَأَتَى مَسْجِدَهَا ، فَصَلَّى ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَرِيبًا مِنْهُ ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى صَلَاتِهِ ، فَأَعْجَبَتْهُ ، ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ إِلَيْهِ ، وَسَأَلَهُ عَنْ بَلَدِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَتَرَكَ الْأَوْزَاعِيُّ الدِّيوَانَ ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ مُدَّةً يَكْتُبُ عَنْهُ ، فَقَالَ لَهُ : يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُبَادِرَ الْبَصْرَةَ لَعَلَّكَ تُدْرِكُ الْحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ ، فَتَأْخُذَ عَنْهُمَا . فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمَا ، فَوَجَدَ الْحَسَنَ قَدْ مَاتَ ، وَابْنُ سِيرِينَ حَيًّا ، فَأَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ : أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ فَعَادَهُ ، وَمَكَثَ أَيَّامًا وَمَاتَ ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، قَالَ : كَانَ بِهِ الْبَطْنُ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ : رَأَيْتُ الْأَوْزَاعِيَّ فَوْقَ الرَّبْعَةِ ، خَفِيفَ اللَّحْمِ ، بِهِ سُمْرَةً ، يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ .
مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ : عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، قَالَ : خَرَجْتُ أُرِيدُ الْحَسَنَ وَمُحَمَّدًا ، فَوَجَدْتُ الْحَسَنَ قَدْ مَاتَ ، وَوَجَدْتُ ابْنَ سِيرِينَ مَرِيضًا .
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَصَنَّفَ الْأَوْزَاعِيُّ . أَبُو مُسْهِرٍ : حَدَّثَنِي الْهِقْلُ ، قَالَ : أَجَابَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي سَبْعِينَ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ ، أَوْ نَحْوِهَا .
قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ : سَمِعْتُ النَّاسَ فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ يَقُولُونَ : الْأَوْزَاعِيُّ الْيَوْمَ عَالِمُ الْأُمَّةِ . أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْهِرٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، قَالَ : الْأَوْزَاعِيُّ هُوَ عَالِمُ أَهْلِ الشَّامِ . وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ شُعَيْبٍ يَقُولُ : قُلْتُ لِأُمَيَّةَ بْنِ يَزِيدَ : أَيْنَ الْأَوْزَاعِيُّ مِنْ مَكْحُولٍ ؟ قَالَ : هُوَ عِنْدَنَا أَرْفَعُ مِنْ مَكْحُولٍ .
قُلْتُ : بِلَا رَيْبِ هُوَ أَوْسَعُ دَائِرَةً فِي الْعِلْمِ مِنْ مَكْحُولٍ . 112 مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : ثُمَّ قَالَ أُمَيَّةُ : كَانَ قَدْ جَمَعَ الْعِبَادَةَ وَالْعِلْمَ وَالْقَوْلَ بِالْحَقِّ . قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الْبَيْرُوتِيُّ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ : بَلَغَ الثَّوْرِيَّ ، وَهُوَ بِمَكَّةَ ، مَقْدَمُ الْأَوْزَاعِيِّ ، فَخَرَجَ حَتَّى لَقِيَهُ بِذِي طُوَى فَلَمَّا لَقِيَهُ ، حَلَّ رَسَنَ الْبَعِيرِ مِنَ الْقِطَارِ ، فَوَضَعَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ ، فَجَعْلَ يَتَخَلَّلُ بِهِ ، فَإِذَا مَرَّ بِجَمَاعَةٍ قَالَ : الطَّرِيقُ لِلشَّيْخِ . رَوَى نَحْوَهَا الْمُحَدِّثُ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ . وَرَوَى شَبِيهًا بِهَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبَّادٍ الْخُتَّلِيُّ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ الثَّوْرِيَّ . . . بِنَحْوِهَا .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : دَخَلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ عَلَى مَالِكٍ ، فَلَمَّا خَرَجَا قَالَ : أَحَدُهُمَا أَكْثَرُ عِلْمًا مِنْ صَاحِبِهِ ، وَلَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ ، وَالْآخَرُ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ - يَعْنِي الْأَوْزَاعِيُّ لِلْإِمَامَةِ . مَسْلَمَةُ بْنُ ثَابِتٍ : عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : الْأَوْزَاعِيُّ إِمَامٌ يُقْتَدَى بِهِ . الشَّاذَكُونِيُّ : سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ : كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ بِمِنًى ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لِلثَّوْرِيِّ : لِمَ لَا تَرْفَعُ يَدَيْكَ فِي خَفْضِ الرُّكُوعِ وَرَفْعِهِ ؟ . فَقَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ . . . فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : رَوَى لَكَ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتُعَارِضُنِي بِيَزِيدَ رَجُلٍ ضَعِيفِ الْحَدِيثِ ، 113 وَحَدِيثُهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَةِ ، فَاحْمَرَّ وَجْهُ سُفْيَانَ . فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : كَأَنَّكَ كَرِهْتَ مَا قُلْتُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ : قُمْ بِنَا إِلَى الْمَقَامِ نَلْتَعِنُ أَيُّنَا عَلَى الْحَقِّ . قَالَ : فَتَبَسَّمَ سُفْيَانُ لَمَّا رَآهُ قَدِ احْتَدَّ .
عَلِيُّ بْنُ بَكَّارٍ : سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْفَزَارِيَّ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ مِثْلَ الْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ ! . فَأَمَّا الْأَوْزَاعِيُّ ، فَكَانَ رَجُلَ عَامَّةٍ ، وَأَمَّا الثَّوْرِيُّ ، فَكَانَ رَجُلَ خَاصَّةِ نَفْسِهِ ، وَلَوْ خُيِّرْتُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لَاخْتَرْتُ لَهَا الْأَوْزَاعِيَّ - يُرِيدُ الْخِلَافَةَ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ بَكَّارٍ : لَوْ خُيِّرْتُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ، لَاخْتَرْتُ لَهَا أَبَا إِسْحَاقَ الْفَزَارِيَّ .
قَالَ الْخُرَيْبِيُّ : كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ .
وَعَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : لَوْ قِيلَ لِيَ : اخْتَرْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ، لَاخْتَرْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَالْأَوْزَاعِيَّ ، وَلَوْ قِيلَ لِيَ : اخْتَرْ أَحَدَهُمَا ، لَاخْتَرْتُ الْأَوْزَاعِيَّ ; لِأَنَّهُ أَرْفَقُ الرَّجُلَيْنِ . وَكَذَا قَالَ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَبُو أُسَامَةَ .
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ : إِنَّمَا النَّاسُ فِي زَمَانِهِمْ أَرْبَعَةٌ : حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ بِالْبَصْرَةِ ، وَالثَّوْرِيُّ بِالْكُوفَةِ ، وَمَالِكٌ بِالْحِجَازِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ بِالشَّامِ .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : حَدِيثُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى مُضْطَرِبٌ . الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ : سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ فِقْهَهُ بِحَدِيثِهِ مِنَ الْأَوْزَاعِيِّ .
قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ : مَا تَقُولُ فِي مَالِكٍ ؟ قَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَرَأْيٌ ضَعِيفٌ . قُلْتُ : فَالْأَوْزَاعِيِّ ؟ قَالَ : حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، وَرَأْيٌ ضَعِيفٌ . قُلْتُ : فَالشَّافِعِيُّ ؟ قَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَرَأْيٌ صَحِيحٌ . قُلْتُ : فَفُلَانٍ ؟ قَالَ : لَا رَأْيَ وَلَا حَدِيثَ . 114 قُلْتُ : يُرِيدُ أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ حَدِيثُهُ ضَعِيفٌ مِنْ كَوْنِهِ يَحْتَجُّ بِالْمَقَاطِيعِ ، وَبِمَرَاسِيلَ أَهْلِ الشَّامِ ، وَفِي ذَلِكَ ضَعْفٌ ، لَا أَنَّ الْإِمَامَ فِي نَفْسِهِ ضَعِيفٌ .
قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ : رَأَيْتُ الْأَوْزَاعِيَّ يَثْبُتُ فِي مُصَلَّاهُ ، يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَيُخْبِرَنَا عَنِ السَّلَفِ : أَنَّ ذَلِكَ كَانَ هَدْيَهُمْ ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، قَامَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، فَأَفَاضُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ ، وَالتَّفَقُّهِ فِي دِينِهِ . عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ : عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، قَالَ : دَفَعَ إِلَيَّ الزُّهْرِيُّ صَحِيفَةً ، فَقَالَ : ارْوِهَا عَنِّي . وَدَفَعَ إِلَيَّ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ صَحِيفَةً ، فَقَالَ : ارْوِهَا عَنِّي . فَقَالَ ابْنُ ذَكْوَانَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ : قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : نَعْمَلُ بِهَا ، وَلَا نُحَدِّثُ بِهَا - يَعْنِي الصَّحِيفَةَ .
قَالَ الْوَلِيدُ : كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ : كَانَ هَذَا الْعِلْمُ كَرِيمًا ، يَتَلَاقَّاهُ الرِّجَالُ بَيْنَهُمْ ، فَلَمَّا دَخَلَ فِي الْكُتُبِ ، دَخَلَ فِيهِ غَيْرُ أَهْلِهِ . وَرَوَى مِثْلَهَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ .
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأَخْذَ مِنَ الصُّحُفِ وَبِالْإِجَازَةِ يَقَعُ فِيهِ خَلَلٌ ، وَلَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ نَقْطٌ وَلَا شَكْلٌ ، فَتَتَصَحَّفُ الْكَلِمَةُ بِمَا يُحِيلُ الْمَعْنَى ، وَلَا يَقَعُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْأَخْذِ مِنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ ، وَكَذَلِكَ التَّحْدِيثُ مِنَ الْحِفْظِ يَقَعُ فِيهِ الْوَهْمُ ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ مِنْ كِتَابٍ مُحَرَّرٍ . مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ : سَمِعْتُ الْوَلِيدَ يَقُولُ : احْتَرَقَتْ 115 كُتُبُ الْأَوْزَاعِيِّ زَمَنَ الرَّجْفَةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قُنْدَاقًا فَأَتَاهُ رَجُلٌ بِنُسَخِهَا ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَمْرٍو ، هَذِهِ نُسْخَةُ كِتَابِكَ ، وَإِصْلَاحُكَ بِيَدِكَ ، فَمَا عَرَضَ لِشَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا .
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ التِّنِّيسِيُّ : قِيلَ لِلْأَوْزَاعِيِّ : يَا أَبَا عَمْرٍو ، الرَّجُلُ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ لَحْنٌ ، أَيُقِيمُهُ عَلَى عَرَبِيَّتِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِعَرَبِيٍّ . قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ : سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ : لَا بَأْسَ بِإِصْلَاحِ اللَّحْنِ وَالْخَطَأِ فِي الْحَدِيثِ .
مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ كَاتِبِ الْمَنْصُورِ ، قَالَ : كَانَتْ تَرِدُ عَلَى الْمَنْصُورِ كُتُبٌ مِنَ الْأَوْزَاعِيِّ نَتَعَجَّبُ مِنْهَا ، وَيَعْجَزُ كُتَّابُهُ عَنْهَا ، فَكَانَتْ تُنْسَخُ فِي دَفَاتِرَ ، وَتُوضَعُ بَيْنَ يَدِيِ الْمَنْصُورِ ، فَيُكْثِرُ النَّظَرَ فِيهَا اسْتِحْسَانًا لِأَلْفَاظِهَا ، فَقَالَ لِسُلَيْمَانَ بْنِ مَجَالِدٍ - وَكَانَ مِنْ أَحْظَى كُتَّابِهِ عِنْدَهُ - : يَنْبَغِي أَنْ تُجِيبَ الْأَوْزَاعِيَّ عَنْ كُتُبِهِ جَوَابًا تَامًّا . قَالَ : وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا أُحْسِنُ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أُحْسِنُ ، وَإِنَّ لَهُ نَظْمًا فِي الْكُتُبِ لَا أَظُنُّ أَحَدًا مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ يَقْدِرُ عَلَى إِجَابَتِهِ عَنْهُ ، وَأَنَا أَسْتَعِينُ بِأَلْفَاظِهِ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهَا مِمَّنْ نُكَاتِبُهُ فِي الْآفَاقِ . 116
قُلْتُ : كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ مَعَ بَرَاعَتِهِ فِي الْعِلْمِ ، وَتَقَدُّمِهِ فِي الْعَمَلِ كَمَا تَرَى رَأْسًا فِي التَّرَسُّلِ - رَحِمَهُ اللَّهُ .
الْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ : سُئِلَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنِ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ ، قَالَ : غَضُّ الْبَصَرِ ، وَخَفْضُ الْجَنَاحِ ، وَلِينُ الْقَلْبِ ، وَهُوَ الْحُزْنُ ، الْخَوْفُ .
قَالَ : وَسُئِلَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ إِمَامٍ تَرَكَ سَجْدَةً سَاهِيًا حَتَّى قَامَ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ . قَالَ : يَسْجُدُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ سَجْدَةً وَهُمْ مُتَفَرِّقُونَ .
وَسَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ : وَسَأَلْتُهُ : مَنِ الْأَبْلَهُ ؟ قَالَ : الْعَمِيُّ عَنِ الشَّرِّ ، الْبَصِيرُ بِالْخَيْرِ . سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ : مَا أَخْطَأَتْ يَدُ الْحَاصِدِ ، أَوْ جَنَتْ يَدُ الْقَاطِفِ ، فَلَيْسَ لِصَاحِبِ الزَّرْعِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمَارَّةِ وَابْنِ السَّبِيلِ .
رَوَى أَبُو مُسْهِرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : وَلِيَ الْأَوْزَاعِيُّ الْقَضَاءَ لِيَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ ، فَجَلَسَ مَجْلِسًا ، ثُمَّ اسْتَعْفَى ، فَأُعْفِيَ ، وَوَلَّى يَزِيدَ ابْنَ أَبِي لَيْلَى الْغَسَّانِيَّ ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى قُتِلَ بِالْغُوطَةِ .
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : إِذَا اجْتَمَعَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ عَلَى أَمْرٍ فَهُوَ سُنَّةٌ .
قُلْتُ : بَلِ السُّنَّةُ مَا سَنَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ . وَالْإِجْمَاعُ : هُوَ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ; إِجْمَاعًا ظَنِّيًّا أَوْ سُكُوتِيًّا ، فَمَنْ شَذَّ عَنْ هَذَا الْإِجْمَاعِ مِنَ التَّابِعَيْنِ أَوْ تَابِعِيهِمْ لِقَوْلٍ بِاجْتِهَادِهِ احْتُمِلَ لَهُ . فَأَمَّا مَنْ خَالَفَ الثَّلَاثَةَ الْمَذْكُورِينَ مِنْ كِبَارِ الْأَئِمَّةِ ، فَلَا يُسَمَّى 117 مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ ، وَلَا لِلسُّنَّةِ ، وَإِنَّمَا مُرَادُ إِسْحَاقَ : أَنَّهُمْ إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى مَسْأَلَةٍ فَهُوَ حَقٌّ غَالِبًا ، كَمَا نَقُولُ الْيَوْمَ : لَا يَكَادُ يُوجَدُ الْحَقُّ فِيمَا اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الِاجْتِهَادِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى خِلَافِهِ ، مَعَ اعْتِرَافِنَا بِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى مَسْأَلَةٍ لَا يَكُونُ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ ، وَنَهَابُ أَنْ نَجْزِمَ فِي مَسْأَلَةٍ اتَّفَقُوا عَلَيْهَا بِأَنَّ الْحَقَّ فِي خِلَافِهَا .
وَمِنْ غَرَائِبِ مَا انْفَرَدَ بِهِ الْأَوْزَاعِيُّ : أَنَّ الْفَخِذَ لَيْسَتْ فِي الْحَمَّامِ عَوْرَةً ، وَأَنَّهَا فِي الْمَسْجِدِ عَوْرَةٌ . وَلَهُ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ حَسَنَةٌ يَنْفَرِدُ بِهَا ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْكُتُبِ الْكِبَارِ ، وَكَانَ لَهُ مَذْهَبٌ مُسْتَقِلٌّ مَشْهُورٌ ، عَمِلَ بِهِ فُقَهَاءُ الشَّامِ مُدَّةً ، وَفُقَهَاءُ الْأَنْدَلُسِ ، ثُمَّ فَنِيَ .
سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ الْبَيْرُوتِيُّ : أَرَادُوا الْأَوْزَاعِيَّ عَلَى الْقَضَاءِ ، فَامْتَنَعَ وَأَبَى ، فَتَرَكُوهُ .
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ ، كَفَاهُ الْيَسِيرُ ، وَمَنْ عَرَفَ أَنَّ مَنْطِقَهُ مِنْ عَمَلِهِ ، قَلَّ كَلَامُهُ .
أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ : عَنِ الْهِقْلِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ : أَنَّهُ وَعَظَ ، فَقَالَ فِي مَوْعِظَتِهِ : أَيُّهَا النَّاسُ ، تَقَوَّوْا بِهَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي أَصْبَحْتُمْ فِيهَا عَلَى الْهَرَبِ مِنْ نَارِ اللَّهِ الْمُوقَدَةِ ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ، فَإِنَّكُمْ فِي دَارٍ الثَّوَاءُ فِيهَا قَلِيلٌ ، وَأَنْتُمْ مُرْتَحِلُونَ وَخَلَائِفُ بَعْدَ الْقُرُونِ ، الَّذِينَ اسْتَقَالُوا مِنَ الدُّنْيَا زَهْرَتَهَا كَانُوا أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَارًا ، وَأَجَدَّ أَجْسَامًا ، وَأَعْظَمَ آثَارًا ، فَجَدَّدُوا الْجِبَالَ ، وَجَابُوا الصُّخُورَ وَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ ، مُؤَيَّدِينَ بِبَطْشٍ شَدِيدٍ ، وَأَجْسَامٍ كَالْعِمَادِ ، فَمَا لَبِثَتِ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي أَنْ طَوَتْ مُدَّتَهُمْ ، وَعَفَّتَ آثَارَهُمْ ، وَأَخْوَتْ مَنَازِلَهُمْ ، وَأَنْسَتْ ذِكْرَهُمْ ، فَمَا تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ ، وَلَا تَسْمَعُ لَهُمْ 118 رِكْزًا . كَانُوا بِلَهْوِ الْأَمَلِ آمِنِينَ ، وَلِمِيقَاتِ يَوْمٍ غَافِلِينَ ، وَلِصَبَاحِ قَوْمٍ نَادِمِينَ ، ثُمَّ إِنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ مَا نَزَلْ بِسَاحَتِهِمْ بَيَاتًا مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ ، فَأَصْبَحَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمَيْنِ ، وَأَصْبَحَ الْبَاقُونَ يَنْظُرُونَ فِي آثَارِ نِقَمِهِ وَزَوَالِ نِعَمِهِ ، وَمَسَاكِنَ خَاوِيَةٍ ، فِيهَا آيَةٌ لِلَّذِينِ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمِ ، وَعِبْرَةٌ لِمَنْ يَخْشَى ، وَأَصْبَحْتُمْ فِي أَجْلٍ مَنْقُوصٍ ، وَدُنْيَا مَقْبُوضَةٍ ، فِي زَمَانٍ قَدْ وَلَّى عَفْوُهُ ، وَذَهَبَ رَخَاؤُهُ ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا حُمَةُ شَرٍّ ، وَصُبَابَةُ كَدَرٍ ، وَأَهَاوِيلُ غِيَرٍ ، وَأَرْسَالُ فِتَنٍ ، وَرُذَالَةُ خَلَفٍ .
الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : مَا كُنْتُ أَحْرِصُ عَلَى السَّمَاعِ مِنَ الْأَوْزَاعِيِّ حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ إِلَى جَنْبِهِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَمَّنْ أَحْمِلُ الْعِلْمَ ؟ قَالَ : عَنْ هَذَا . وَأَشَارَ إِلَى الْأَوْزَاعِيِّ .
قُلْتُ : كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ كَبِيرَ الشَّأْنِ .
قَالَ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ التِّنِّيسِيُّ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ : رَأَيْتُ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ عَرَجَا بِي ، وَأَوْقَفَانِي بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعِزَّةِ ، فَقَالَ لِي : أَنْتَ عَبْدِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الَّذِي تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ ؟ فَقُلْتُ : بِعِزَّتِكَ أَنْتَ أَعْلَمُ . قَالَ : فَهَبِطَا بِي حَتَّى رَدَّانِي إِلَى مَكَانِي . رَوَاهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْهُ .
الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الْبَيْرُوتِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَكَّارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ ، قَالَ : جَلَسْتُ إِلَى شَيْخٍ فِي الْجَامِعِ ، فَقَالَ : أَنَا مَيِّتٌ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا . 119 فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، أَتَيْتُهُ ، فَإِذَا بِهِ يَتَفَلَّى فِي الصَّحْنِ ، فَقَالَ : مَا أَخَذْتُمُ السَّرِيرَ ؟ - يَعْنِي النَّعْشَ - خُذُوهُ قَبْلَ أَنْ تُسْبَقُوا إِلَيْهِ . قُلْتُ : مَا تَقَوُلُ - رَحِمَكَ اللَّهُ ؟ قَالَ : هُوَ الَّذِي أَقُولُ لَكَ ، رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ طَائِرًا وَقَعَ عَلَى رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ هَذِهِ الْقُبَّةِ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : فُلَانٌ قَدَرِيٌّ ، وَفُلَانٌ كَذَا ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ : نِعْمَ الرَّجُلُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَوْزَاعِيُّ خَيْرُ مَنْ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ ، وَأَنْتَ مَيِّتٌ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا ، قَالَ : فَمَا جَاءَتِ الظَّهْرُ حَتَّى مَاتَ ، وَأُخْرِجَ بِجِنَازَتِهِ .
قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ : كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ مِنَ الْعِبَادَةِ عَلَى شَيْءٍ مَا سَمِعْنَا بِأَحَدٍ قَوِيَ عَلَيْهِ ، مَا أَتَى عَلَيْهِ زَوَالٌ قَطُّ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي .
قَالَ مَرْوَانُ الطَّاطَرِيُّ : قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : مَنْ أَطَالَ قِيَامَ اللَّيْلِ ، هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ وُقُوفَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : كَانَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ أَكْثَرَ اجْتِهَادًا فِي الْعِبَادَةِ مِنَ الْأَوْزَاعِيِّ .
مُحَمَّدُ بْنُ سَمَاعَةَ الرَّمْلِيُّ : سَمِعْتُ ضَمْرَةَ بْنَ رَبِيعَةَ يَقُولُ : حَجَجْنَا مَعَ الْأَوْزَاعِيِّ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ ، فَمَا رَأَيْتُهُ مُضْطَجِعًا فِي الْمَحْمَلِ فِي لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ قَطُّ ، كَانَ يُصَلِّي ، فَإِذَا غَلَبَهُ النَّوْمُ ، اسْتَنَدَ إِلَى الْقَتْبِ .
وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ سَلَّامٍ قَالَ : نَزَلَ الْأَوْزَاعِيُّ عَلَى أَبِي ، فَفَرَشْنَا لَهُ فِرَاشًا ، فَأَصْبَحَ عَلَى حَالِهِ ، وَنَزَعْتُ خُفَّيْهِ ، فَإِذَا هُوَ مُبَطَّنٌ بِثَعْلَبٍ .
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ : حَدَّثَنَا بِشِرُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، قَالَ : رَأَيْتُ الْأَوْزَاعِيَّ كَأَنَّهُ أَعْمَى مِنَ الْخُشُوعِ .
ابْنُ زَبْرٍ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ خَالِدٍ ، سَمِعْتُ أَبَا مُسْهِرٍ يَقُولُ : مَا رُئِيَ 120 الْأَوْزَاعِيُّ بَاكِيًا قَطُّ ، وَلَا ضَاحِكًا حَتَّى تَبْدُوَ نَوَاجِذُهُ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ أَحْيَانًا ، كَمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ . وَكَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ صَلَاةً وَقُرْآنًا وَبُكَاءً . وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ إِخْوَانِي مِنْ أَهْلِ بَيْرُوتَ ، أَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ تَدْخُلُ مَنْزِلَ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَتَتَفَقَّدُ مَوْضِعَ مُصَلَّاهُ ، فَتَجِدُهُ رَطْبًا مِنْ دُمُوعِهِ فِي اللَّيْلِ .
أَبُو مُسْهِرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : قَالَ لِي أَبِي : يَا بُنَيَّ ، لَوْ كُنَّا نَقْبَلُ مِنَ النَّاسِ كُلَّ مَا يَعْرِضُونَ عَلَيْنَا ، لَأَوْشَكَ أَنْ نَهُونَ عَلَيْهِمْ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث