سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء السابع
قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : بَلَغَنِي أَنَّ شَرِيكًا ، وَالثَّوْرِيَّ ، وَإِسْرَائِيلَ ، وَفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ ، وَغَيْرَهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ وُلِدُوا بِخُرَاسَانَ ، كَانَ يُبْعَثُ بِآبَائِهِمْ فِي الْبُعُوثِ ، وَيَتَسَرَّى بَعْضُهُمْ ، وَيَتَزَوَّجُ بَعْضُهُمْ ، فَلَمَّا قَفَلُوا ، نَقَلُوهُمْ إِلَى الْكُوفَةِ ، وَمَسْرُوقٌ جَدُّ الثَّوْرِيِّ ، شَهِدَ الْجَمَلَ مَعَ عَلِيٍّ . أَبُو الْعَيْنَاءِ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْقٍ ، قَالَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ : كَانَ سُفْيَانُ إِذَا أَخَذَ فِي ذِكْرِ الْآخِرَةِ يَبُولُ الدَّمُ .
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : مَا بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثٌ قَطُّ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ ، وَلَوْ مَرَّةً .
حَاتِمُ بْنُ الْوَلِيدِ الْكَرْمَانِيُّ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ يَقُولُ : قِيلَ 243 لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ : إِلَى مَتَى تَطْلُبُ الْحَدِيثَ ؟ قَالَ : وَأَيُّ خَيْرٍ أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْحَدِيثِ ، فَأَصِيرُ إِلَيْهِ ؟ إِنَّ الْحَدِيثَ خَيْرُ عُلُومِ الدُّنْيَا .
يَحْيَى الْقَطَّانُ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : إِنَّ أَقْبَحَ الرَّعِيَّةِ أَنْ يَطْلُبَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : دَعَا الثَّوْرِيُّ بِطَعَامٍ وَلَحْمٍ ، فَأَكَلَهُ ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرٍ وَزُبْدٍ فَأَكَلَهُ ، ثُمَّ قَامَ ، وَقَالَ : أَحْسِنْ إِلَى الزَّنْجِيِّ وَكُدَّهُ .
أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : إِنِّي لَأَرَى الشَّيْءَ يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَتَكَلَّمَ فِيهِ ، فَلَا أَفْعَلُ ، فَأَبُولُ دَمًا .
ابْنُ مَهْدِيٍّ : كُنَّا مَعَ الثَّوْرِيِّ جُلُوسًا بِمَكَّةَ ، فَوَثَبَ وَقَالَ : النَّهَارُ يَعْمَلُ عَمَلَهُ .
وَعَنْ سُفْيَانَ : مَا وَضَعَ رَجُلٌ يَدَهُ فِي قَصْعَةِ رَجُلٍ إِلَّا ذَلَّ لَهُ . أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ : سَمِعْتُ الثَّوْرِيَّ مَا لَا أُحْصِيهِ يَقُولُ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ ، اللَّهُمَّ سَلِّمْنَا ، وَارْزُقْنَا الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
قَالَ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ : قَالَ سُفْيَانُ : مَا شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ صُحْبَةِ قَارِئٍ ، وَلَا شَيْءَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ صُحْبَةِ فَتًى . أَبُو هِشَامٍ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : لَيْسَ الزُّهْدُ بِأَكْلِ الْغَلِيظِ ، وَلُبْسِ الْخَشِنِ ، وَلَكِنَّهُ قِصَرُ الْأَمَلِ ، وَارْتِقَابُ الْمَوْتِ . يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : الْمَالُ دَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَالْعَالِمُ طَبِيبُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، فَإِذَا جَرَّ الْعَالِمُ الدَّاءَ إِلَى نَفْسِهِ ، فَمَتَى يُبْرِئُ النَّاسَ ؟ 244 وَعَنْ سُفْيَانَ قَالَ : مَا نَعْلَمُ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ بِنِيَّةٍ . الْخُرَيْبِيُّ : عَنْ سُفْيَانَ : قَالَ : احْذَرْ سَخَطَ اللَّهِ فِي ثَلَاثٍ : احْذَرْ أَنْ تُقَصِّرَ فِيمَا أَمَرَكَ ، وَاحْذَرْ أَنْ يَرَاكَ وَأَنْتَ لَا تَرْضَى بِمَا قَسَمَ لَكَ ، وَأَنْ تَطْلُبَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا فَلَا تَجِدُهُ ، أَنْ تَسْخَطَ عَلَى رَبِّكَ .
قَالَ خَالِدُ بْنُ نِزَارٍ الْأَيْلِيُّ : قَالَ سُفْيَانُ : الزُّهْدُ زُهْدَانِ : زُهْدُ فَرِيضَةٍ ، وَزُهْدُ نَافِلَةٍ . فَالْفَرْضُ : أَنْ تَدَعَ الْفَخْرَ وَالْكِبْرَ وَالْعُلُوَّ ، وَالرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ ، وَالتَّزَيُّنَ لِلنَّاسِ . وَأَمَّا زُهْدُ النَّافِلَةِ : فَأَنْ تَدَعَ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ مِنَ الْحَلَالِ ، فَإِذَا تَرَكْتَ شَيْئًا مِنَ ذَلِكَ ، صَارَ فَرِيضَةً عَلَيْكَ أَلَّا تَتْرُكَهُ إِلَّا لِلَّهِ .
وَقِيلَ : إِنَّ عَبْدَ الصَّمَدِ عَمَّ الْمَنْصُورِ ، دَخَلَ عَلَى سُفْيَانَ يَعُودُهُ ، فَحَوْلَ وَجْهَهُ إِلَى الْحَائِطِ ، وَلَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ ، فَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ : يَا سَيْفُ ! أَظُنُّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ نَائِمًا . قَالَ : أَحْسَبُ ذَاكَ - أَصْلَحَكَ اللَّهُ - فَقَالَ سُفْيَانُ : لَا تَكْذِبْ ، لَسْتُ بِنَائِمٍ . فَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ! لَكَ حَاجَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، ثَلَاثُ حَوَائِجَ : لَا تَعُودُ إِلَيَّ ثَانِيَةً ، وَلَا تَشْهَدْ جِنَازَتِي ، وَلَا تَتَرَحَّمْ عَلَيَّ . فَخَجِلَ عَبْدُ الصَّمَدِ ، وَقَامَ ، فَلَمَّا خَرَجَ ، قَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَخْرُجَ إِلَّا وَرَأْسُهُ مَعِي .
قَالَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ : قَالَ سُفْيَانُ : زَيِّنُوا الْعِلْمَ وَالْحَدِيثَ بِأَنْفُسِكُمْ ، وَلَا تَتَزَيَّنُوا بِهِ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ : طُلِبَ سُفْيَانُ ، فَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ ، فَنَفَذَ الْمَهْدِيُّ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - وَهُوَ عَلَى مَكَّةَ - فِي طَلَبِهِ ، فَأُعْلِمَ سُفْيَانُ بِذَلِكَ ، وَقَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ : إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ إِتْيَانَ الْقَوْمِ ، فَاظْهَرْ حَتَّى أَبْعَثَ بِكَ إِلَيْهِمْ ، وَإِلَّا فَتَوَارَ . قَالَ : فَتَوَارَى سُفْيَانُ ، وَطَلَبَهُ مُحَمَّدٌ ، وَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى بِمَكَّةَ : مَنْ جَاءَ بِسُفْيَانَ ، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا ، فَلَمْ يَزَلْ مُتَوَارِيًا بِمَكَّةَ ، لَا يَظْهَرُ إِلَّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمَنْ لَا يَخَافُهُ . 245 وَعَنْ أَبِي شِهَابٍ الْحَنَّاطِ قَالَ : بَعَثَتْ أُخْتُ سُفْيَانَ بِجِرَابٍ مَعِي إِلَى سُفْيَانَ ، وَهُوَ بِمَكَّةَ ، فِيهِ كَعْكٌ وَخُشْكِنَانُ فَقَدِمْتُ ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ ، فَقِيلَ لِي : رُبَّمَا قَعَدَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ مِمَّا يَلِي الْحَنَّاطِينَ ، فَأَتَيْتُهُ ، فَوَجَدْتُهُ مُسْتَلْقِيًا ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يُسَائِلْنِي تِلْكَ الْمُسَاءَلَةَ ، وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيَّ كَمَا كُنْتُ أَعْرِفُهُ ، فَقُلْتُ : إِنَّ أُخْتَكَ بَعَثَتْ مَعِي بِجِرَابٍ ، فَاسْتَوَى جَالِسًا ، وَقَالَ : عَجِّلْ بِهَا . فَكَلَّمْتُهُ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ : يَا أَبَا شِهَابٍ ! لَا تَلُمْنِي ، فَلِي ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لَمْ أَذُقْ فِيهَا ذَوَاقًا ، فَعَذَرْتُهُ .
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : فَلَمَّا خَافَ مِنَ الطَّلَبِ بِمَكَّةَ ، خَرَجَ إِلَى الْبَصْرَةِ ، وَنَزَلَ قُرْبَ مَنْزِلِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، ثُمَّ حَوَّلَهُ إِلَى جِوَارِهِ ، وَفَتَحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بَابًا ، فَكَانَ يَأْتِيهِ بِمُحَدِّثِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ ، وَيَسْمَعُونَ مِنْهُ . أَتَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، وَمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَمَرْحُومٌ الْعَطَّارُ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَأَتَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، فَلَزِمَهُ ، وَكَانَ أَبُو عَوَانَةَ يُسَلِّمُ عَلَى سُفْيَانَ بِمَكَّةَ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ، فَكُلِّمَ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَا أَعْرِفُهُ . وَلَمَّا عَرَفَ سُفْيَانُ أَنَّهُ اشْتُهِرَ مَكَانُهُ وَمُقَامُهُ ، قَالَ لِيَحْيَى : حَوِّلْنِي ، فَحَوْلَهُ إِلَى مَنْزِلِ الْهَيْثَمِ بْنِ مَنْصُورٍ ، فَلَمْ يَزَلْ فِيهِ ، فَكَلَّمَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ فِي تَنَحِّيهِ عَنِ السُّلْطَانِ ، وَقَالَ : هَذَا فِعْلُ أَهْلِ الْبِدَعِ ، وَمَا يُخَافُ مِنْهُمْ . فَأَجْمَعَ سُفْيَانُ وَحَمَّادٌ عَلَى أَنْ يَقْدَمَا بَغْدَادَ ، وَكَتَبَ سُفْيَانُ إِلَى الْمَهْدِيِّ وَإِلَى يَعْقُوبَ بْنِ دَاوُدَ الْوَزِيرِ ، فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ ، فَقِيلَ : إِنَّهُمْ يَغْضَبُونَ مِنْ هَذَا . فَبَدَأَ بِهِمْ ، وَأَتَاهُ جَوَابُ كِتَابِهِ بِمَا يُحِبُّ مِنَ التَّقْرِيبِ وَالْكَرَامَةِ ، وَالسَّمْعِ مِنْهُ وَالطَّاعَةِ ، فَكَانَ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَيْهِ ، فَحُمَّ وَمَرِضَ ، وَحَضَرَ الْمَوْتُ ، فَجَزِعَ ، فَقَالَ لَهُ مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : مَا هَذَا الْجَزَعُ ؟ فَإِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى الرَّبِّ الَّذِي كُنْتَ تَعْبُدُهُ . فَسَكَنَ وَقَالَ : انْظُرُوا مَنْ هُنَا مِنْ أَصْحَابِنَا 246 الْكُوفِيِّينَ . فَأَرْسَلُوا إِلَى عَبَادَانَ ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ ، وَأَوْصَى ، ثُمَّ مَاتَ . وَأُخْرِجَتْ جِنَازَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَجْأَةً ، فَشَهِدَهُ الْخَلْقُ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا ، وَنَزَلَ فِي حُفْرَتِهِ هُوَ وَخَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ .
أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، قَالَ : دَخَلَ عُمَرُ بْنُ حَوْشَبٍ الْوَالِي عَلَى سُفْيَانَ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، فَقَالَ : يَا سُفْيَانُ ! نَحْنُ - وَاللَّهِ - أَنْفَعُ لِلنَّاسِ مِنْكَ ، نَحْنُ أَصْحَابُ الدِّيَاتِ ، وَأَصْحَابُ الْحِمَالَاتِ ، وَأَصْحَابُ حَوَائِجِ النَّاسِ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ ، وَأَنْتَ رَجُلُ نَفْسِكَ . فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ سُفْيَانُ ، فَجَعَلَ يُحَادِثُهُ ، ثُمَّ قَامَ ، فَقَالَ سُفْيَانُ : لَقَدْ ثَقُلَ عَلَيَّ حِينَ دَخَلَ ، وَلَقَدْ غَمَّنِي قِيَامُهُ مِنْ عِنْدِي حِينَ قَامَ .
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْفَظَ لِمَا عِنْدَهُ مِنَ الثَّوْرِيِّ . قِيلَ لَهُ : مَا مَنْعَكَ أَنْ تَرْحَلَ إِلَى الزُّهْرِيِّ ؟ قَالَ : لَمْ تَكُنْ دَرَاهِمُ .
قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ : سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فَوْقَ مَالِكٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ . رَوَاهَا ابْنُ الْمَدِينِيِّ عَنْهُ .
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ : قَالَ لِي سُفْيَانُ : لَوْ كَانَتْ كُتُبِي عِنْدِي ، لَأَفَدْتُكَ عِلْمًا ، كُتُبِي عِنْدَ عَجُوزٍ بِالنِّيلِ . الْكُدَيْمِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : كُنَّا نَأْتِي أَبَا إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيَّ وَفِي عُنُقِ إِسْرَائِيلَ - يَعْنِي حَفِيدَهُ - طَوْقٌ مِنْ ذَهَبٍ . ابْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ : كَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يَقُولُ : إِذَا اجْتَمَعَ هَذَانِ عَلَى 247 شَيْءٍ ، فَذَاكَ قَوِيٌّ - يَعْنِي سُفْيَانَ ، وَأَبَا حَنِيفَةَ .
عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ : عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : حُفَّاظُ النَّاسِ أَرْبَعَةٌ : يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَعَاصِمٌ الْأَحْوَلُ . قُلْتُ : فَالْأَعْمَشُ ؟ فَأَبَى أَنْ يَجْعَلَهُ مَعَهُمْ . أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ : سَمِعْتُ زَائِدَةَ ، وَذُكِرَ عِنْدَهُ سُفْيَانُ ، فَقَالَ : ذَاكَ أَفْقَهُ أَهْلِ الدُّنْيَا . وَكِيعٌ : عَنْ شُعْبَةَ ، قَالَ : سُفْيَانُ أَحْفَظُ مِنِّي .
ابْنُ حُمَيْدٍ : سَمِعْتُ مِهْرَانَ الرَّازِيَّ يَقُولُ : كَتَبْتُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَصْنَافَهُ ، فَضَاعَ مِنِّي كِتَابُ الدِّيَاتِ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : إِذَا وَجَدْتَنِي خَالِيًا فَاذْكُرْ لِي حَتَّى أُمَلِّهِ عَلَيْكَ . فَحَجَّ ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ ، طَافَ بِالْبَيْتِ ، وَسَعَى ، ثُمَّ اضْطَجَعَ ، فَذَكَّرْتُهُ ، فَجَعْلَ يُمْلِي عَلَيَّ الْكِتَابَ ، بَابًا فِي إِثْرِ بَابٍ ، حَتَّى أَمْلَاهُ جَمِيعَهُ مِنْ حَفْظِهِ .
قَالَ الزَّعْفَرَانِيُّ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَسْأَلُ عَفَّانَ : أَيُّهُمَا أَكْثَرُ غَلَطًا ، سُفْيَانُ أَوْ شُعْبَةُ ؟ قَالَ : شُعْبَةُ بِكَثِيرٍ . فَقَالَ أَحْمَدُ : فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ . عَبْدُ الرَّزَّاقِ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : سَلُونِي عَنْ عِلْمِ الْقُرْآنِ وَالْمَنَاسِكِ ، فَإِنِّي عَالِمٌ بِهِمَا .
أَبُو قُدَامَةَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ : مَا كَتَبْتُ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا كَتَبْتُهُ عَنِ الْأَعْمَشِ
إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي اللَّيْثِ : سَمِعْتُ الْأَشْجَعِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ مِنَ الثَّوْرِيِّ ثَلَاثِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ .
قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ : مَاتَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ وَأَنَا بِالْكُوفَةِ ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي 248 سُفْيَانُ نَنْتَظِرُ الْجِنَازَةَ ، فَقَالَ : يَا يَحْيَى ! خُذْ حَتَّى أُحَدِّثَكَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِعَشَرَةِ أَحَادِيثَ ، لَمْ تَسْمَعْ مِنْهَا بِشَيْءٍ ، فَحَدَّثَنِي بِعَشَرَةٍ ، وَكُنْتُ بِمَكَّةَ ، وَبِهَا الْأَوْزَاعِيُّ ، فَلَقِيَنِي سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَلَى الصَّفَا ، فَقَالَ : يَا يَحْيَى ! خَرَجَ الْأَوْزَاعِيُّ اللَّيْلَةَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ فَقَالَ : اجْلِسْ ، لَا تَبْرَحْ حَتَّى أُحَدِّثَكَ عَنْهُ بِعَشَرَةٍ لَمْ تَسْمَعْ مِنْهَا بِشَيْءٍ . قُلْتُ : وَأَيُّ شَيْءٍ سَمِعْتُ أَنَا مِنْهُ ؟ فَلَمْ يَدَعْنِي حَتَّى حَدَّثَنِي عَنْهُ بِعَشَرَةِ أَحَادِيثَ ، لَمْ أَسْمَعْ مِنْهَا بِوَاحِدٍ .
قَالَ الْأَشْجَعِيُّ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : لَوْ هَمَّ رَجُلٌ أَنْ يَكْذِبَ فِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ فِي بَيْتٍ فِي جَوْفِ بَيْتٍ ، لَأَظْهَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ .
عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ : مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَعْرَفَ بِالْحَدِيثِ مِنَ الثَّوْرِيِّ . الْقَوَارِيرِيُّ : قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ : بَاتَ عِنْدِي سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، فَحَدَّثَتْهُ بِحَدِيثَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ ، فَقَامَ يُصَلِّي ، فَرَفَعْتُ الْمُصَلَّى ، فَإِذَا هُوَ قَدْ كَتَبَهُمَا عَنِّي .
أَبُو مُسْهِرٍ : عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، قَالَ : دَخَلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ الْأَزْدِيِّ ، فَاحْتَبَسَ عِنْدَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا ، فَقَالَ : إِنَّهُ كَذَّابٌ .
قَالَ أَبُو مُسْهِرٍ : قَتَلَهُ أَبُو جَعْفَرٍ فِي الزَّنْدَقَةِ .
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : مَا بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثٌ قَطُّ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ ، وَلَوْ مَرَّةً .
حَاتِمُ بْنُ الْوَلِيدِ الْكَرْمَانِيُّ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ يَقُولُ : قِيلَ 243 لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ : إِلَى مَتَى تَطْلُبُ الْحَدِيثَ ؟ قَالَ : وَأَيُّ خَيْرٍ أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْحَدِيثِ ، فَأَصِيرُ إِلَيْهِ ؟ إِنَّ الْحَدِيثَ خَيْرُ عُلُومِ الدُّنْيَا .
يَحْيَى الْقَطَّانُ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : إِنَّ أَقْبَحَ الرَّعِيَّةِ أَنْ يَطْلُبَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : دَعَا الثَّوْرِيُّ بِطَعَامٍ وَلَحْمٍ ، فَأَكَلَهُ ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرٍ وَزُبْدٍ فَأَكَلَهُ ، ثُمَّ قَامَ ، وَقَالَ : أَحْسِنْ إِلَى الزَّنْجِيِّ وَكُدَّهُ .
أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : إِنِّي لَأَرَى الشَّيْءَ يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَتَكَلَّمَ فِيهِ ، فَلَا أَفْعَلُ ، فَأَبُولُ دَمًا .
ابْنُ مَهْدِيٍّ : كُنَّا مَعَ الثَّوْرِيِّ جُلُوسًا بِمَكَّةَ ، فَوَثَبَ وَقَالَ : النَّهَارُ يَعْمَلُ عَمَلَهُ .
وَعَنْ سُفْيَانَ : مَا وَضَعَ رَجُلٌ يَدَهُ فِي قَصْعَةِ رَجُلٍ إِلَّا ذَلَّ لَهُ . أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ : سَمِعْتُ الثَّوْرِيَّ مَا لَا أُحْصِيهِ يَقُولُ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ ، اللَّهُمَّ سَلِّمْنَا ، وَارْزُقْنَا الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
قَالَ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ : قَالَ سُفْيَانُ : مَا شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ صُحْبَةِ قَارِئٍ ، وَلَا شَيْءَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ صُحْبَةِ فَتًى . أَبُو هِشَامٍ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : لَيْسَ الزُّهْدُ بِأَكْلِ الْغَلِيظِ ، وَلُبْسِ الْخَشِنِ ، وَلَكِنَّهُ قِصَرُ الْأَمَلِ ، وَارْتِقَابُ الْمَوْتِ . يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : الْمَالُ دَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَالْعَالِمُ طَبِيبُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، فَإِذَا جَرَّ الْعَالِمُ الدَّاءَ إِلَى نَفْسِهِ ، فَمَتَى يُبْرِئُ النَّاسَ ؟ 244 وَعَنْ سُفْيَانَ قَالَ : مَا نَعْلَمُ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ بِنِيَّةٍ . الْخُرَيْبِيُّ : عَنْ سُفْيَانَ : قَالَ : احْذَرْ سَخَطَ اللَّهِ فِي ثَلَاثٍ : احْذَرْ أَنْ تُقَصِّرَ فِيمَا أَمَرَكَ ، وَاحْذَرْ أَنْ يَرَاكَ وَأَنْتَ لَا تَرْضَى بِمَا قَسَمَ لَكَ ، وَأَنْ تَطْلُبَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا فَلَا تَجِدُهُ ، أَنْ تَسْخَطَ عَلَى رَبِّكَ .
قَالَ خَالِدُ بْنُ نِزَارٍ الْأَيْلِيُّ : قَالَ سُفْيَانُ : الزُّهْدُ زُهْدَانِ : زُهْدُ فَرِيضَةٍ ، وَزُهْدُ نَافِلَةٍ . فَالْفَرْضُ : أَنْ تَدَعَ الْفَخْرَ وَالْكِبْرَ وَالْعُلُوَّ ، وَالرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ ، وَالتَّزَيُّنَ لِلنَّاسِ . وَأَمَّا زُهْدُ النَّافِلَةِ : فَأَنْ تَدَعَ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ مِنَ الْحَلَالِ ، فَإِذَا تَرَكْتَ شَيْئًا مِنَ ذَلِكَ ، صَارَ فَرِيضَةً عَلَيْكَ أَلَّا تَتْرُكَهُ إِلَّا لِلَّهِ .
وَقِيلَ : إِنَّ عَبْدَ الصَّمَدِ عَمَّ الْمَنْصُورِ ، دَخَلَ عَلَى سُفْيَانَ يَعُودُهُ ، فَحَوْلَ وَجْهَهُ إِلَى الْحَائِطِ ، وَلَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ ، فَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ : يَا سَيْفُ ! أَظُنُّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ نَائِمًا . قَالَ : أَحْسَبُ ذَاكَ - أَصْلَحَكَ اللَّهُ - فَقَالَ سُفْيَانُ : لَا تَكْذِبْ ، لَسْتُ بِنَائِمٍ . فَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ! لَكَ حَاجَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، ثَلَاثُ حَوَائِجَ : لَا تَعُودُ إِلَيَّ ثَانِيَةً ، وَلَا تَشْهَدْ جِنَازَتِي ، وَلَا تَتَرَحَّمْ عَلَيَّ . فَخَجِلَ عَبْدُ الصَّمَدِ ، وَقَامَ ، فَلَمَّا خَرَجَ ، قَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَخْرُجَ إِلَّا وَرَأْسُهُ مَعِي .
قَالَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ : قَالَ سُفْيَانُ : زَيِّنُوا الْعِلْمَ وَالْحَدِيثَ بِأَنْفُسِكُمْ ، وَلَا تَتَزَيَّنُوا بِهِ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ : طُلِبَ سُفْيَانُ ، فَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ ، فَنَفَذَ الْمَهْدِيُّ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - وَهُوَ عَلَى مَكَّةَ - فِي طَلَبِهِ ، فَأُعْلِمَ سُفْيَانُ بِذَلِكَ ، وَقَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ : إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ إِتْيَانَ الْقَوْمِ ، فَاظْهَرْ حَتَّى أَبْعَثَ بِكَ إِلَيْهِمْ ، وَإِلَّا فَتَوَارَ . قَالَ : فَتَوَارَى سُفْيَانُ ، وَطَلَبَهُ مُحَمَّدٌ ، وَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى بِمَكَّةَ : مَنْ جَاءَ بِسُفْيَانَ ، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا ، فَلَمْ يَزَلْ مُتَوَارِيًا بِمَكَّةَ ، لَا يَظْهَرُ إِلَّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمَنْ لَا يَخَافُهُ . 245 وَعَنْ أَبِي شِهَابٍ الْحَنَّاطِ قَالَ : بَعَثَتْ أُخْتُ سُفْيَانَ بِجِرَابٍ مَعِي إِلَى سُفْيَانَ ، وَهُوَ بِمَكَّةَ ، فِيهِ كَعْكٌ وَخُشْكِنَانُ فَقَدِمْتُ ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ ، فَقِيلَ لِي : رُبَّمَا قَعَدَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ مِمَّا يَلِي الْحَنَّاطِينَ ، فَأَتَيْتُهُ ، فَوَجَدْتُهُ مُسْتَلْقِيًا ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يُسَائِلْنِي تِلْكَ الْمُسَاءَلَةَ ، وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيَّ كَمَا كُنْتُ أَعْرِفُهُ ، فَقُلْتُ : إِنَّ أُخْتَكَ بَعَثَتْ مَعِي بِجِرَابٍ ، فَاسْتَوَى جَالِسًا ، وَقَالَ : عَجِّلْ بِهَا . فَكَلَّمْتُهُ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ : يَا أَبَا شِهَابٍ ! لَا تَلُمْنِي ، فَلِي ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لَمْ أَذُقْ فِيهَا ذَوَاقًا ، فَعَذَرْتُهُ .
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : فَلَمَّا خَافَ مِنَ الطَّلَبِ بِمَكَّةَ ، خَرَجَ إِلَى الْبَصْرَةِ ، وَنَزَلَ قُرْبَ مَنْزِلِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، ثُمَّ حَوَّلَهُ إِلَى جِوَارِهِ ، وَفَتَحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بَابًا ، فَكَانَ يَأْتِيهِ بِمُحَدِّثِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ ، وَيَسْمَعُونَ مِنْهُ . أَتَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، وَمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَمَرْحُومٌ الْعَطَّارُ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَأَتَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، فَلَزِمَهُ ، وَكَانَ أَبُو عَوَانَةَ يُسَلِّمُ عَلَى سُفْيَانَ بِمَكَّةَ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ، فَكُلِّمَ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَا أَعْرِفُهُ . وَلَمَّا عَرَفَ سُفْيَانُ أَنَّهُ اشْتُهِرَ مَكَانُهُ وَمُقَامُهُ ، قَالَ لِيَحْيَى : حَوِّلْنِي ، فَحَوْلَهُ إِلَى مَنْزِلِ الْهَيْثَمِ بْنِ مَنْصُورٍ ، فَلَمْ يَزَلْ فِيهِ ، فَكَلَّمَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ فِي تَنَحِّيهِ عَنِ السُّلْطَانِ ، وَقَالَ : هَذَا فِعْلُ أَهْلِ الْبِدَعِ ، وَمَا يُخَافُ مِنْهُمْ . فَأَجْمَعَ سُفْيَانُ وَحَمَّادٌ عَلَى أَنْ يَقْدَمَا بَغْدَادَ ، وَكَتَبَ سُفْيَانُ إِلَى الْمَهْدِيِّ وَإِلَى يَعْقُوبَ بْنِ دَاوُدَ الْوَزِيرِ ، فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ ، فَقِيلَ : إِنَّهُمْ يَغْضَبُونَ مِنْ هَذَا . فَبَدَأَ بِهِمْ ، وَأَتَاهُ جَوَابُ كِتَابِهِ بِمَا يُحِبُّ مِنَ التَّقْرِيبِ وَالْكَرَامَةِ ، وَالسَّمْعِ مِنْهُ وَالطَّاعَةِ ، فَكَانَ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَيْهِ ، فَحُمَّ وَمَرِضَ ، وَحَضَرَ الْمَوْتُ ، فَجَزِعَ ، فَقَالَ لَهُ مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : مَا هَذَا الْجَزَعُ ؟ فَإِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى الرَّبِّ الَّذِي كُنْتَ تَعْبُدُهُ . فَسَكَنَ وَقَالَ : انْظُرُوا مَنْ هُنَا مِنْ أَصْحَابِنَا 246 الْكُوفِيِّينَ . فَأَرْسَلُوا إِلَى عَبَادَانَ ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ ، وَأَوْصَى ، ثُمَّ مَاتَ . وَأُخْرِجَتْ جِنَازَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَجْأَةً ، فَشَهِدَهُ الْخَلْقُ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا ، وَنَزَلَ فِي حُفْرَتِهِ هُوَ وَخَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ .
أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، قَالَ : دَخَلَ عُمَرُ بْنُ حَوْشَبٍ الْوَالِي عَلَى سُفْيَانَ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، فَقَالَ : يَا سُفْيَانُ ! نَحْنُ - وَاللَّهِ - أَنْفَعُ لِلنَّاسِ مِنْكَ ، نَحْنُ أَصْحَابُ الدِّيَاتِ ، وَأَصْحَابُ الْحِمَالَاتِ ، وَأَصْحَابُ حَوَائِجِ النَّاسِ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ ، وَأَنْتَ رَجُلُ نَفْسِكَ . فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ سُفْيَانُ ، فَجَعَلَ يُحَادِثُهُ ، ثُمَّ قَامَ ، فَقَالَ سُفْيَانُ : لَقَدْ ثَقُلَ عَلَيَّ حِينَ دَخَلَ ، وَلَقَدْ غَمَّنِي قِيَامُهُ مِنْ عِنْدِي حِينَ قَامَ .
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْفَظَ لِمَا عِنْدَهُ مِنَ الثَّوْرِيِّ . قِيلَ لَهُ : مَا مَنْعَكَ أَنْ تَرْحَلَ إِلَى الزُّهْرِيِّ ؟ قَالَ : لَمْ تَكُنْ دَرَاهِمُ .
قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ : سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فَوْقَ مَالِكٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ . رَوَاهَا ابْنُ الْمَدِينِيِّ عَنْهُ .
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ : قَالَ لِي سُفْيَانُ : لَوْ كَانَتْ كُتُبِي عِنْدِي ، لَأَفَدْتُكَ عِلْمًا ، كُتُبِي عِنْدَ عَجُوزٍ بِالنِّيلِ . الْكُدَيْمِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : كُنَّا نَأْتِي أَبَا إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيَّ وَفِي عُنُقِ إِسْرَائِيلَ - يَعْنِي حَفِيدَهُ - طَوْقٌ مِنْ ذَهَبٍ . ابْنُ الْمَدِينِيِّ قَالَ : كَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يَقُولُ : إِذَا اجْتَمَعَ هَذَانِ عَلَى 247 شَيْءٍ ، فَذَاكَ قَوِيٌّ - يَعْنِي سُفْيَانَ ، وَأَبَا حَنِيفَةَ .
عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ : عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : حُفَّاظُ النَّاسِ أَرْبَعَةٌ : يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَعَاصِمٌ الْأَحْوَلُ . قُلْتُ : فَالْأَعْمَشُ ؟ فَأَبَى أَنْ يَجْعَلَهُ مَعَهُمْ . أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ : سَمِعْتُ زَائِدَةَ ، وَذُكِرَ عِنْدَهُ سُفْيَانُ ، فَقَالَ : ذَاكَ أَفْقَهُ أَهْلِ الدُّنْيَا . وَكِيعٌ : عَنْ شُعْبَةَ ، قَالَ : سُفْيَانُ أَحْفَظُ مِنِّي .
ابْنُ حُمَيْدٍ : سَمِعْتُ مِهْرَانَ الرَّازِيَّ يَقُولُ : كَتَبْتُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَصْنَافَهُ ، فَضَاعَ مِنِّي كِتَابُ الدِّيَاتِ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : إِذَا وَجَدْتَنِي خَالِيًا فَاذْكُرْ لِي حَتَّى أُمَلِّهِ عَلَيْكَ . فَحَجَّ ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ ، طَافَ بِالْبَيْتِ ، وَسَعَى ، ثُمَّ اضْطَجَعَ ، فَذَكَّرْتُهُ ، فَجَعْلَ يُمْلِي عَلَيَّ الْكِتَابَ ، بَابًا فِي إِثْرِ بَابٍ ، حَتَّى أَمْلَاهُ جَمِيعَهُ مِنْ حَفْظِهِ .
قَالَ الزَّعْفَرَانِيُّ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَسْأَلُ عَفَّانَ : أَيُّهُمَا أَكْثَرُ غَلَطًا ، سُفْيَانُ أَوْ شُعْبَةُ ؟ قَالَ : شُعْبَةُ بِكَثِيرٍ . فَقَالَ أَحْمَدُ : فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ . عَبْدُ الرَّزَّاقِ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : سَلُونِي عَنْ عِلْمِ الْقُرْآنِ وَالْمَنَاسِكِ ، فَإِنِّي عَالِمٌ بِهِمَا .
أَبُو قُدَامَةَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ : مَا كَتَبْتُ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا كَتَبْتُهُ عَنِ الْأَعْمَشِ
إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي اللَّيْثِ : سَمِعْتُ الْأَشْجَعِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ مِنَ الثَّوْرِيِّ ثَلَاثِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ .
قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ : مَاتَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ وَأَنَا بِالْكُوفَةِ ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي 248 سُفْيَانُ نَنْتَظِرُ الْجِنَازَةَ ، فَقَالَ : يَا يَحْيَى ! خُذْ حَتَّى أُحَدِّثَكَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِعَشَرَةِ أَحَادِيثَ ، لَمْ تَسْمَعْ مِنْهَا بِشَيْءٍ ، فَحَدَّثَنِي بِعَشَرَةٍ ، وَكُنْتُ بِمَكَّةَ ، وَبِهَا الْأَوْزَاعِيُّ ، فَلَقِيَنِي سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَلَى الصَّفَا ، فَقَالَ : يَا يَحْيَى ! خَرَجَ الْأَوْزَاعِيُّ اللَّيْلَةَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ فَقَالَ : اجْلِسْ ، لَا تَبْرَحْ حَتَّى أُحَدِّثَكَ عَنْهُ بِعَشَرَةٍ لَمْ تَسْمَعْ مِنْهَا بِشَيْءٍ . قُلْتُ : وَأَيُّ شَيْءٍ سَمِعْتُ أَنَا مِنْهُ ؟ فَلَمْ يَدَعْنِي حَتَّى حَدَّثَنِي عَنْهُ بِعَشَرَةِ أَحَادِيثَ ، لَمْ أَسْمَعْ مِنْهَا بِوَاحِدٍ .
قَالَ الْأَشْجَعِيُّ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : لَوْ هَمَّ رَجُلٌ أَنْ يَكْذِبَ فِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ فِي بَيْتٍ فِي جَوْفِ بَيْتٍ ، لَأَظْهَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ .
عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ : مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَعْرَفَ بِالْحَدِيثِ مِنَ الثَّوْرِيِّ . الْقَوَارِيرِيُّ : قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ : بَاتَ عِنْدِي سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، فَحَدَّثَتْهُ بِحَدِيثَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ ، فَقَامَ يُصَلِّي ، فَرَفَعْتُ الْمُصَلَّى ، فَإِذَا هُوَ قَدْ كَتَبَهُمَا عَنِّي .
أَبُو مُسْهِرٍ : عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، قَالَ : دَخَلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ الْأَزْدِيِّ ، فَاحْتَبَسَ عِنْدَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا ، فَقَالَ : إِنَّهُ كَذَّابٌ .
قَالَ أَبُو مُسْهِرٍ : قَتَلَهُ أَبُو جَعْفَرٍ فِي الزَّنْدَقَةِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث