سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء الحادي عشر
الصفحة 2029 · ص. المطبوع 317
عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَانَ يَجْتَمِعُ فِي مَجْلِسِ أَحْمَدَ زُهَاءَ خَمْسَةِ آلَافٍ أَوْ يَزِيدُونَ نَحْوُ خَمْسِمِائَةٍ يَكْتُبُونَ ، وَالْبَاقُونَ يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ حُسْنَ الْأَدَبِ وَالسَّمْتِ .
ابْنُ بَطَّةَ : سَمِعَ النَّجَّادَ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ الْمُطَّوِّعِيِّ يَقُولُ : اخْتَلَفْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَهُوَ يَقْرَأُ " الْمُسْنَدَ " عَلَى أَوْلَادِهِ ، فَمَا كَتَبْتُ عَنْهُ حَدِيثًا وَاحِدًا ، إِنَّمَا كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى هَدْيِهِ وَأَخْلَاقِهِ .
قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ : يُقَالُ : لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَشْبَهَ هَدْيًا وَسَمْتًا وَدَلًّا مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ أَشْبَهَ 317 النَّاسِ بِهِ عَلْقَمَةُ ، وَكَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِعَلْقَمَةَ إِبْرَاهِيمُ ، وَكَانَ أَشْبَهَهُمْ بِإِبْرَاهِيمَ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ ، وَأَشْبَهَ النَّاسِ بِهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَشْبَهَ النَّاسِ بِهِ وَكِيعٌ ، وَأَشْبَهَ النَّاسِ بِوَكِيعٍ فِيمَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْجَمَّالُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ .
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ : كُنْتُ فِي مَجْلِسِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، فَقَالَ : مَنْ أَيْنَ أَقْبَلْتُمْ ؟ قُلْنَا : مِنْ مَجْلِسِ أَبِي كُرَيْبٍ ، فَقَالَ : اكْتُبُوا عَنْهُ ; فَإِنَّهُ شَيْخٌ صَالِحٌ ، فَقُلْنَا : إِنَّهُ يَطْعَنُ عَلَيْكَ . قَالَ : فَأَيُّ شَيْءٍ حِيلَتِي ، شَيْخٌ صَالِحٌ قَدْ بُلِيَ بِي .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : سَمِعْتُ أَبِي سُئِلَ : لِمَ لَمْ تَسْمَعْ مِنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ كَثِيرًا ، وَقَدْ نَزَلَ فِي جِوَارِك بِدَارِ عِمَارَةَ ؟ فَقَالَ : حَضَرْنَا مَجْلِسَهُ مَرَّةً فَحَدَّثَنَا . فَلَمَّا كَانَ الْمَجْلِسُ الثَّانِي ، رَأَى شَبَابًا تَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيِ الشُّيُوخِ ، فَغَضِبَ ، وَقَالَ : وَاللَّهِ لَا حَدَّثْتُ سَنَةً . فَمَاتَ وَلَمْ يَحَدِّثْ .
الْخَلَّالُ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، أَخْبَرَنَا الْمَرُّوذِيُّ ، قَالَ : قَالَ جَارُنَا فَلَانٌ : دَخَلْتُ عَلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأَمِيرِ ، وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ ، ذَكَرَ سَلَاطِينَ ، مَا رَأَيْتُ أَهْيَبَ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، صِرْتُ إِلَيْهِ أُكَلِّمُهُ فِي شَيْءٍ ، فَوَقَعَتْ عَلَيَّ الرِّعْدَةُ مِنْ هَيْبَتِهِ . ثُمَّ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : وَلَقَدْ طَرَقَهُ الْكَلْبِيُّ - صَاحِبُ خَبَرِ السِّرِّ - لَيْلًا . فَمِنْ هَيْبَتِهِ لَمْ يَقْرَعُوا ، وَدَقُّوا بَابَ عَمِّهِ .
وَعَنِ الْمَيْمُونِيِّ ، قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَنْقَى ثَوْبًا ، وَلَا أَشَدَّ بَيَاضًا مِنْ أَحْمَدَ .
ابْنُ الْمُنَادِي ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي جَعْفَرٍ ، قَالَ : كَانَ أَحْمَدُ مِنْ أَحْيَى النَّاسِ ، وَأَكْرَمِهِمْ ، وَأَحْسَنِهِمْ عِشْرَةً . وَأَدَبًا ، كَثِيَرُ الْإِطْرَاقِ ، لَا يُسْمَعُ مِنْهُ 318 إِلَّا الْمُذَاكَرَةُ لِلْحَدِيثِ ، وَذِكْرُ الصَّالِحِينَ فِي وَقَارٍ وَسُكُونٍ ، وَلَفْظٍ حَسَنٍ . وَإِذَا لَقِيَهُ إِنْسَانٌ ، بَشَّ بِهِ ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ . وَكَانَ يَتَوَاضَعُ لِلشُّيُوخِ شَدِيدًا ، وَكَانُوا يُعَظِّمُونَهُ ، وَكَانَ يَفْعَلُ بِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ مَا لَمْ أَرَهُ يَعْمَلُ بِغَيْرِهِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالتَّكْرِيمِ وَالتَّبْجِيلِ . كَانَ يَحْيَى أَكْبَرَ مِنْهُ بِسَبْعِ سِنِينَ .
الْخُطَبِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : كَانَ أَبِي إِذَا أَتَى ، الْبَيْتَ مِنَ الْمَسْجِدِ ، ضَرَبَ بِرِجْلِهِ حَتَّى يَسْمَعُوا صَوْتَ نَعْلِهِ ، وَرُبَّمَا تَنَحْنَحَ لِيَعْلَمُوا بِهِ .
الْخَلَّالُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا مُهَنَّى ، قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَرَّاتٍ يُقَبَّلُ وَجْهُهُ وَرَأْسُهُ ، وَلَا يَقُولُ شَيْئًا وَلَا يَمْتَنِعُ ، وَرَأَيْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ الْهَاشِمِيَّ يُقَبَّلُ رَأْسُهُ وَجَبْهَتُهُ ، لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَكْرَهُهُ .
وَقَالَ عَبْدُوسٌ الْعَطَّارُ : وَجَّهْتُ بِابْنِي مَعَ الْجَارِيَةِ يُسَلِّمُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، فَرَحَّبَ بِهِ وَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ ، وَسَاءَلَهُ ، وَاتَّخَذَ لَهُ خَبِيصًا ، وَقَالَ لِلْجَارِيَةِ : كُلِي مَعَهُ ، وَجَعَلَ يَبْسُطُهُ .
وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ : كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَسَنَ الْخُلُقِ ، دَائِمَ الْبِشْرِ ، يَحْتَمِلُ الْأَذَى مِنَ الْجَارِ .
عُلْوَانُ بْنُ الْحُسَيْنِ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ ، قَالَ : سُئِلَ أَبِي : لِمَ لَا تَصْحَبُ النَّاسَ ؟ قَالَ : لِوَحْشَةِ الْفِرَاقِ . 319 ابْنُ بَطَّةَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ، يَقُولُ لِأَحْمَدَ الْوَكِيعِيِّ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ : إِنِّي لَأُحِبُّكَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ ثَوْرٍ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْمِقْدَامِ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ .
ابْنُ بَطَّةَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَافِلَانِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ هَانِئٍ ، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي مَنْزِلِهِ ، وَمَعَهُ الْمَرُّوذِيُّ ، ومُهَنَّى ، فَدَقَّ داقٌ الْبَابَ ، وَقَالَ : الْمَرُّوذِيُّ هَاهُنَا ؟ فَكَأَنَّ الْمَرُّوذِيَّ كَرِهَ أَنْ يُعْلَمَ مَوْضِعُهُ ، فَوَضَعَ مُهَنَّى أُصْبُعَهُ فِي رَاحَتِهِ ، وَقَالَ : لَيْسَ الْمَرُّوذِيُّ هَاهُنَا ، وَمَا يَصْنَعُ الْمَرُّوذِيُّ هَاهُنَا ؟ فَضَحِكَ أَحْمَدُ ، وَلَمْ يُنْكِرْ .
فِي مَعِيشَتِهِ :
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : خَلَّفَ لَهُ أَبُوهُ طِرْزًا وَدَارًا يَسْكُنُهَا ، فَكَانَ يُكْرِي تِلْكَ الطِّرْزَ ، وَيَتَعَفَّفُ بِهَا .
قَالَ ابْنُ الْمُنَادِي : حَدَّثَنَا جَدِّي ، قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : أَنَا أَذْرَعُ هَذِهِ الدَّارَ ، وَأُخْرِجُ الزَّكَاةَ عَنْهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ . أَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ فِي أَرْضِ السَّوَادِ . 320
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، يَقُولُ : الْغَلَّةُ مَا يَكُونُ قُوتَنَا ، وَإِنَّمَا أَذْهَبُ فِيهِ إِلَى أَنَّ لَنَا فِيهِ شَيْئًا . فَقُلْتُ لَهُ : قَالَ رَجُلٌ : لَوْ تَرَكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْغَلَّةَ ، وَكَانَ يَصْنَعُ لَهُ صِدِيقٌ لَهُ ، كَانَ أَعْجَبَ إِلَيَّ . فَقَالَ : هَذِهِ طُعْمَةُ سُوءٍ . وَمَنْ تَعَوَّدَ هَذَا ، لَمْ يَصْبِرْ عَنْهُ . ثُمَّ قَالَ : هَذَا أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْ غَيْرِهِ ، يَعْنِي : الْغَلَّةَ . وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تُقِيمُنَا ، وَإِنَّمَا أَخَذَهَا عَلَى الِاضْطِرَارِ .
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : رُبَّمَا احْتَاجَ أَحْمَدُ ، فَخَرَجَ إِلَى اللِّقَاطِ .
قَالَ الْخَلَّالُ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا الْمَرُّوذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ الطَّرَسُوسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَ عَلَيَّ ، خَرَجَ إِلَى اللِّقَاطِ . فَجَاءَ وَقَدْ لَقَطَ شَيْئًا يَسِيرًا . فَقُلْتُ لَهُ : قَدْ أَكَلْتَ أَكْثَرَ مِمَّا لَقَطْتَ ، فَقَالَ : رَأَيْتُ أَمْرًا اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ ، رَأَيْتُهُمْ يَلْتَقِطُونَ ، فَيَقُومُ الرَّجُلُ عَلَى أَرْبَعٍ ، وَكُنْتُ أَزْحَفُ .
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ : حَدَّثَنَا الْمَرُّوذِيُّ ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : خَرَجْتُ إِلَى الثَّغْرِ عَلَى قَدَمَيَّ ، فَالْتَقَطْتُ ، لَوْ قَدْ رَأَيْتَ قَوْمًا يُفْسِدُونَ مَزَارِعَ النَّاسِ ، قَالَ : وَكُنَّا نَخْرُجُ إِلَى اللِّقَاطِ .
قُلْتُ : وَرُبَّمَا نَسَخَ بِأُجْرَةٍ ، وَرُبَّمَا عَمِلَ التِّكَكَ ، وَأَجَّرَ نَفْسَهُ لِجَمَّالٍ ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث