سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء الثالث عشر
بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدِ
بْنِ يَزِيدَ : الْإِمَامُ ، الْقُدْوَةُ ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْدَلُسِيُّ الْقُرْطُبِيُّ ، الْحَافِظُ ، صَاحِبُ " التَّفْسِيرِ " وَ " الْمُسْنَدِ " اللَّذَيْنِ لَا نَظِيرَ لَهُمَا .
وُلِدَ فِي حُدُودِ سَنَةِ مِائَتَيْنِ أَوْ قَبْلَهَا بِقَلِيلٍ .
وَسَمِعَ مِنْ : يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْأَعْشَى ، وَأَبِي مُصْعَبٍ الزُّهْرِيِّ ، وَصَفْوَانَ بْنِ صَالِحٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيِّ ، وَهِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، وَزُهَيْرِ بْنِ عَبَّادٍ الرُّؤَاسِيِّ ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، وَأَحْمَدَ بْنِ 286 حَنْبَلٍ -مَسَائِلَ وَفَوَائِدَ- وَلَمْ يَرْوِ لَهُ شَيْئًا مُسْنَدًا ، لِكَوْنِهِ كَانَ قَدْ قَطَعَ الْحَدِيثَ ، وَسَمِعَ مِنْ : أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، فَأَكْثَرَ .
وَمِنْ : جُبَارَةَ بْنِ الْمُغَلِّسِ ، وَيَحْيَى بْنِ بِشْرٍ الْحَرِيرِيِّ ، وَشَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ ، وَسُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَهُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ ، وَدَاوُدَ بْنِ رُشَيْدٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ الْوَاسِطِيِّ ، وَحَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَرَّانَيِّ ، وَيَعْقُوبَ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ ، وَعِيسَى بْنِ حَمَّادٍ زُغْبَةَ ، وَسُحْنُونَ بْنِ سَعِيدٍ الْفَقِيهِ ، وَهُرَيْمِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، وَمِنْجَابِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ الْقَوَارِيرِيِّ ، وَأَبِي كُرَيْبٍ ، وَبُنْدَارٍ ، وَهَنَّادٍ ، وَالْفَلَّاسِ ، وَكَثِيرِ بْنِ عُبَيْدٍ ، وَخَلْقٍ . وَعُنِيَ بِهَذَا الشَّأْنِ عِنَايَةً لَا مَزِيدَ عَلَيْهَا ، وَأَدْخَلَ جَزِيرَةَ الْأَنْدَلُسِ عِلْمًا جَمًّا ، وَبِهِ ، وَبِمُحَمَّدِ بْنِ وَضَّاحٍ صَارَتْ تِلْكَ النَّاحِيَةُ دَارَ حَدِيثٍ ، وَعِدَّةُ مَشْيَخَتِهِ الَّذِينَ حَمَلَ عَنْهُمْ مِائَتَانِ وَأَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا .
حَدَّثَ عَنْهُ : ابْنُهُ أَحْمَدُ ، وَأَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرِّيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُمَوِيُّ ، وَأَسْلَمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَزِيرٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ ، وَالْحَسَنُ بْنُ سَعْدٍ الْكِنَانِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ الْمُرَادِيُّ الْقَبْرِيُّ ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ حَمْدُونَ ، وَهِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ الْغَافِقِيُّ ، وَآخَرُونَ . وَكَانَ إِمَامًا مُجْتَهِدًا صَالِحًا ، رَبَّانِيًّا صَادِقًا مُخْلِصًا ، رَأْسًا فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ ، عَدِيمَ الْمِثْلِ ، مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ ، يُفْتِي بِالْأَثَرِ ، وَلَا يُقَلِّدُ أَحَدًا .
وَقَدْ تَفَقَّهَ بِإِفْرِيقِيَّةَ عَلَى سُحْنُونَ بْنِ سَعِيدٍ . ذَكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ ، فَقَالَ : مَا كُنَّا نُسَمِّيهِ إِلَّا الْمِكْنَسَةَ ، وَهَلِ 287 احْتَاجَ بَلَدٌ فِيهِ بَقِيٌّ إِلَى أَنْ يَرْحَلَ إِلَى هَاهُنَا مِنْهُ أَحَدٌ ؟ ! قَالَ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَنْدَلُسِيُّ : حَمَلْتُ مَعِي جُزْءًا مِنْ " مُسْنَدِ " بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ إِلَى الْمَشْرِقِ ، فَأَرَيْتُهُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغَ ، فَقَالَ : مَا اغْتَرَفَ هَذَا إِلَّا مِنْ بَحْرٍ . وَعَجِبَ مِنْ كَثْرَةِ عِلْمِهِ .
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَيُّونَ ، عَنْ بِقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ ، قَالَ : لَمَّا رَجَعْتُ مِنَ الْعِرَاقِ ، أَجْلَسَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ إِلَى جَنْبِهِ ، وَسَمِعَ مِنِّي سَبْعَةَ أَحَادِيثَ .
وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ الْفَرَضِيِّ فِي " تَارِيخِهِ " : مَلَأَ بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ الْأَنْدَلُسَ حَدِيثًا ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ الْأَنْدَلُسِيُّونَ : أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَأَبُو زَيْدٍ ، مَا أَدْخَلَهُ مِنْ كُتُبِ الِاخْتِلَافِ ، وَغَرَائِبِ الْحَدِيثِ ، فَأَغْرَوْا بِهِ السُّلْطَانَ وَأَخَافُوهُ بِهِ ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَظْهَرَهُ عَلَيْهِمْ ، وَعَصَمَهُ مِنْهُمْ ، فَنَشَرَ حَدِيثَهُ وَقَرَأَ لِلنَّاسِ رِوَايَتَهُ . ثُمَّ تَلَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ ، فَصَارَتِ ، الْأَنْدَلُسُ دَارَ حَدِيثٍ وَإِسْنَادٍ . وَمِمَّا انْفَرَدَ بِهِ ، وَلَمْ يُدْخِلْهُ سِوَاهُ " مُصَنَّفُ " أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِتَمَامِهِ ، وَ " كِتَابُ الْفِقْهِ " لِلشَّافِعِيِّ بِكَمَالِهِ -يَعْنِي " الْأُمَّ " - وَ " تَارِيخُ " خَلِيفَةَ ، وَ " طَبَقَاتُ " خَلِيفَةَ ، وَكِتَابُ " سِيرَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ " ، لِأَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ . . . . وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِثْلُ " مُسْنَدِهِ " .
وَكَانَ وَرِعًا فَاضِلًا زَاهِدًا . . . قَدْ ظَهَرَتْ لَهُ إِجَابَاتُ الدَّعْوَةِ فِي غَيْرِ مَا شَيْءٍ . 288
قَالَ : وَكَانَ الْمَشَاهِيرُ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ وَضَّاحٍ لَا يَسْمَعُونَ مِنْهُ ، لِلَّذِي بَيْنَهُمَا مِنَ الْوَحْشَةِ . . . وُلِدَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الدِّمَشْقِيُّ : لَمْ يَقَعْ إِلَيَّ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ مِنْ حَدِيثِ بَقِيٍّ .
قُلْتُ : عَمِلَ لَهُ تَرْجَمَةً حَسَنَةً فِي " تَارِيخِهِ " .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ : أَقْطَعُ أَنَّهُ لَمْ يُؤَلَّفْ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُ " تَفْسِيرِ " بَقِيٍّ ، لَا " تَفْسِيرُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ ، وَلَا غَيْرُهُ .
قَالَ : وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ مُحِبًّا لِلْعُلُومِ عَارِفًا ، فَلَمَّا دَخَلَ بَقِيٌّ الْأَنْدَلُسَ " بِمُصَنَّفِ " أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَقُرِئَ عَلَيْهِ ، أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ مَا فِيهِ مِنَ الْخِلَافِ ، وَاسْتَبْشَعُوهُ وَنَشَّطُوا الْعَامَّةَ عَلَيْهِ ، وَمَنَعُوهُ مِنْ قِرَاءَتِهِ ، فَاسْتَحْضَرَهُ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ مُحَمَّدٌ وَإِيَّاهُمْ ، وَتَصَفَّحَ الْكِتَابَ كُلَّهُ جُزْءًا جُزْءًا ، حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِ ، ثُمَّ قَالَ لِخَازِنِ الْكُتُبِ : هَذَا كِتَابٌ لَا تَسْتَغْنِي خِزَانَتُنَا عَنْهُ ، فَانْظُرْ فِي نَسْخِهِ لَنَا . ثُمَّ قَالَ لَبَقِيٍّ : انْشُرْ عِلْمَكَ ، وَارْوِ مَا عِنْدَكَ . وَنَهَاهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ .
قَالَ أَسْلَمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : حَدَّثَنَا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ، قَالَ : لَمَّا وَضَعْتُ " مُسْنَدِي " ، جَاءَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، وَأَخُوهُ إِسْحَاقُ ; فَقَالَا : بَلَغَنَا أَنَّكَ وَضَعْتَ " مُسْنَدًا " ، قَدَّمْتَ فِيهِ أَبَا مُصْعَبٍ الزُّهْرِيَّ ، وَيَحْيَى بْنَ بُكَيْرٍ ، وَأَخَّرْتَ أَبَانَا ؟ فَقَالَ : أَمَّا تَقْدِيمِي أَبَا مُصْعَبٍ ، فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 289 قَدِّمُوا قُرَيْشًا ، وَلَا تَقَدَّمُوهَا وَأَمَّا تَقْدِيمِي ابْنَ بُكَيْرٍ ، فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : كَبِّرْ كَبِّرْ -يُرِيدُ السِّنَّ- وَمَعَ أَنَّهُ سَمِعَ " الْمُوَطَّأَ " مِنْ مَالِكٍ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً ، وَأَبُوكُمَا لَمْ يَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً .
قُلْتُ : وَلَهُ فِيهِ فَوْتٌ مَعْرُوفٌ .
قَالَ : فَخَرَجَا ، وَلَمْ يَعُودَا ، وَخَرَجَا إِلَى حَدِّ الْعَدَاوَةِ . وَأَلَّفَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ الْقُرْطُبِيُّ ، الْمَيِّتُ فِي عَامِ ثَمَانِيَةٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ كِتَابًا فِي أَخْبَارِ عُلَمَاءِ قُرْطُبَةَ ، ذَكَرَ فِيهِ بَقِيَّ بْنَ مَخْلَدٍ ، فَقَالَ : كَانَ فَاضِلًا تَقِيًّا ، صَوَّامًا قَوَّامًا مُتَبَتِّلًا ، مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ فِي عَصْرِهِ ، مُنْفَرِدًا عَنِ النَّظِيرِ فِي مِصْرِهِ ، كَانَ أَوَّلَ طَلَبِهِ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى 290 الْأَعْشَى ، ثُمَّ رَحَلَ ، فَحَمَلَ عَنْ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ ، وَمِصْرَ ، وَالشَّامِ ، وَالْجَزِيرَةِ ، وَحُلْوَانَ ، وَالْبَصْرَةِ ، وَالْكُوفَةِ ، وَوَاسِطَ وَبَغْدَادَ ، وَخُرَاسَانَ -كَذَا قَالَ ، فَغَلَطَ ، لَمْ يَصِلْ إِلَى خُرَاسَانَ ، بَلْ وَلَا إِلَى هَمَذَانَ ، وَمَا أَدْرِي هَلْ دَخَلَ الْجَزِيرَةَ أَمْ لَا ؟ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ تَأَمَّلَ شُيُوخَهُ- ثُمَّ قَالَ : وَعَدْنَ وَالْقَيْرَوَانَ -قُلْتُ : وَمَا دَخَلَ الرَّجُلُ إِلَى الْيَمَنِ -قَالَ : وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى بَقِيٍّ ، فَقَالَتْ : إِنَّ ابْنِي فِي الْأَسْرِ ، وَلَا حِيلَةَ لِي ، فَلَوْ أَشَرْتَ إِلَى مَنْ يَفْدِيهِ ، فَإِنَّنِي وَالِهَةٌ . قَالَ : نَعَمْ ، انْصَرِفِي حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ . ثُمَّ أَطْرَقَ ، وَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ جَاءَتِ الْمَرْأَةُ بِابْنِهَا ، فَقَالَ : كُنْتُ فِي يَدِ مَلِكٍ ، فَبَيْنًا أَنَا فِي الْعَمَلِ ، سَقَطَ قَيْدِي . قَالَ : فَذَكَرَ الْيَوْمَ وَالسَّاعَةَ ، فَوَافَقَ وَقْتَ دُعَاءِ الشَّيْخِ . قَالَ : فَصَاحَ عَلَى الْمَرْسَمِ بِنَا ، ثُمَّ نَظَرَ وَتَحَيَّرَ ، ثُمَّ أَحْضَرَ الْحَدَّادَ وَقَيَّدَنِي ، فَلَمَّا فَرَّغَهُ وَمَشَيْتُ سَقَطَ الْقَيْدُ ، فَبُهِتُوا ، وَدَعَوْا رُهْبَانَهُمْ ، فَقَالُوا : أَلَكَ وَالِدَةٌ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالُوا : وَافَقَ دُعَاءَهَا الْإِجَابَةُ
. هَذِهِ الْوَاقِعَةُ حَدَّثَ بِهَا الْحَافِظُ حَمْزَةُ السَّهْمِيُّ ، عَنْ أَبِي الْفَتْحِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا أَبِي . . . فَذَكَرَهَا ، وَفِيهَا : ثُمَّ قَالُوا : قَدْ أَطْلَقَكَ اللَّهُ ، فَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نُقَيِّدَكَ . فَزَوَّدُونِي ، وَبَعَثُوا بِي .
قَالَ : وَكَانَ بَقِيٌّ أَوَّلَ مَنْ كَثَّرَ الْحَدِيثَ بِالْأَنْدَلُسِ وَنَشَرَهُ ، وَهَاجَمَ بِهِ شُيُوخَ الْأَنْدَلُسِ ، فَثَارُوا عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُمْ كَانَ عِلْمُهُمْ بِالْمَسَائِلِ وَمَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَكَانَ بَقِيٌّ يُفْتِي بِالْأَثَرِ ، فَشَذَّ عَنْهُمْ شُذُوذًا عَظِيمًا ، فَعَقَدُوا عَلَيْهِ الشَّهَادَاتِ ، 291 وَبِدَّعُوهُ ، وَنَسَبُوا إِلَيْهِ الزَّنْدَقَةِ ، وَأَشْيَاءَ نَزَّهَهُ اللَّهُ مِنْهَا . وَكَانَ بَقِيٌّ يَقُولُ : لَقَدْ غَرَسْتُ لَهُمْ بِالْأَنْدَلُسِ غَرْسًا لَا يُقْلَعُ إِلَّا بِخُرُوجِ الدَّجَّالِ .
قَالَ : وَقَالَ بَقِيٌّ : أَتَيْتُ الْعِرَاقَ ، وَقَدْ مُنِعَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مِنَ الْحَدِيثِ ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُحَدِّثَنِي ، وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خُلَّةٌ ، فَكَانَ يُحَدِّثُنِي بِالْحَدِيثِ فِي زِيِّ السُّؤَالِ ، وَنَحْنُ خُلْوَةٌ ، حَتَّى اجْتَمَعَ لِي عَنْهُ نَحْوٌ مَنْ ثَلَاثِمِائَةِ حَدِيثٍ .
قُلْتُ : هَذِهِ حِكَايَةٌ مُنْقَطِعَةٌ .
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : وَ " مُسْنَدُ " بَقِيٍّ رَوَى فِيهِ عَنْ أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةِ صَاحِبٍ وَنَيِّفٍ ، وَرَتَّبَ حَدِيثَ كُلِّ صَاحِبٍ عَلَى أَبْوَابِ الْفِقْهِ ، فَهُوَ مُسْنَدٌ وَمُصَنَّفٌ ، وَمَا أَعْلَمُ هَذِهِ الرُّتْبَةَ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ ، مَعَ ثِقَتِهِ وَضَبْطِهِ ، وَإِتْقَانِهِ وَاحْتِفَالِهِ فِي الْحَدِيثِ . وَلَهُ مُصَنَّفٌ فِي فَتَاوَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ دُونَهُمُ ، الَّذِي قَدْ أَرْبَى فِيهِ عَلَى " مُصَنَّفِ " ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَلَى " مُصَنَّفِ " عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَعَلَى " مُصَنَّفِ " سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ . . . . ثُمَّ إِنَّهُ نَوَّهَ بِذِكْرِ " تَفْسِيرِهِ " ، وَقَالَ : فَصَارَتْ تَصَانِيفُ هَذَا الْإِمَامِ الْفَاضِلِ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ ، لَا نَظِيرَ لَهَا ، وَكَانَ مُتَخَيِّرًا لَا يُقَلِّدُ أَحَدًا ، وَكَانَ ذَا خَاصَّةٍ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَجَارِيًا فِي مِضْمَارِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ .
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَذْكُورُ فِي " تَارِيخِهِ " : كَانَ بَقِيٌّ طُوَالًا أَقْنَى ذَا لِحْيَةٍ مُضَبَّرًا قَوِيًّا جَلْدًا عَلَى الْمَشْيِ ، لَمْ يُرِ رَاكِبًا دَابَّةً قَطُّ ، 292 وَكَانَ مُلَازِمًا لِحُضُورِ الْجَنَائِزِ ، مُتَوَاضِعًا ، وَكَانَ يَقُولُ إِنِّي لَأَعْرِفُ رَجُلًا ، كَانَ تَمْضِي عَلَيْهِ الْأَيَّامُ فِي وَقْتِ طَلَبِهِ الْعِلْمَ ، لَيْسَ لَهُ عَيْشٌ إِلَّا وَرَقُ الْكُرُنْبِ الَّذِي يُرْمَى ، وَسَمِعْتُ مِنْ كُلِّ مَنْ سَمِعْتُ مِنْهُ فِي الْبُلْدَانِ مَاشِيًا إِلَيْهِمْ عَلَى قَدَمِي .
قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ الْحَافِظُ : كَانَ بَقِيٌّ مِنْ عُقَلَاءِ النَّاسِ وَأَفَاضِلِهِمْ ، وَكَانَ أَسْلَمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُقَدِّمُهُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ لَقِيَهُ بِالْمَشْرِقِ ، وَيَصِفُ زُهْدَهُ ، وَيَقُولُ : رُبَّمَا كُنْتُ أَمْشِي مَعَهُ فِي أَزِقَّةِ قُرْطُبَةَ ، فَإِذَا نَظَرَ فِي مَوْضِعٍ خَالٍ إِلَى ضَعِيفٍ مُحْتَاجٍ أَعْطَاهُ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ .
وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ صَاحِبُ الْقِبْلَةِ قَالَ : كَانَ بَقِيٌّ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ ، فِي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّهَارِ مِائَةَ رَكْعَةٍ ، وَيَصُومُ الدَّهْرَ .
وَكَانَ كَثِيرَ الْجِهَادِ ، فَاضِلًا ، يُذْكَرُ عَنْهُ أَنَّهُ رَابَطَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ غَزْوَةً .
وَنَقَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ كِتَابٍ لِحَفِيدِ بَقِيٍّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : رَحَلَ أَبِي مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَغْدَادَ ، وَكَانَ رَجُلًا بُغْيَتُهُ مُلَاقَاةُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . قَالَ : فَلَمَّا قَرُبْتُ بَلَغَتْنِي الْمِحْنَةُ ، وَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ ، فَاغْتَمَمْتُ غَمًّا شَدِيدًا ، فَاحْتَلَلْتُ بَغْدَادَ ، وَاكْتَرَيْتُ بَيْتًا فِي فُنْدُقٍ ، ثُمَّ أَتَيْتُ الْجَامِعَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَجْلِسَ إِلَى النَّاسِ ، فَدُفِعْتُ إِلَى حَلْقَةٍ نَبِيلَةٍ ، فَإِذَا بِرَجُلٍ يَتَكَلَّمُ فِي 293 الرِّجَالِ ، فَقِيلَ لِي : هَذَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ . فَفُرِجَتْ لى فُرْجَةٌ ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا زَكَرِيَّا : -رَحِمَكَ اللَّهُ- رَجُلٌ غَرِيبٌ نَاءٍ عَنْ وَطَنِهِ ، يُحِبُّ السُّؤَالَ ، فَلَا تَسْتَجْفِنِي ، فَقَالَ : قُلْ . فَسَأَلْتُ عَنْ بَعْضِ مَنْ لَقِيتُهُ ، فَبَعْضًا زَكَّى ، وَبَعْضًا جَرَحَ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، فَقَالَ لِي : أَبُو الْوَلِيدِ ، صَاحِبُ صَلَاةِ دِمَشْقَ ، ثِقَةٌ ، وَفَوْقَ الثِّقَةِ ، لَوْ كَانَ تَحْتَ رِدَائِهِ كِبْرٌ ، أَوْ مُتَقَلِّدًا كِبْرًا ، مَا ضَرَّهُ شَيْئًا لِخَيْرِهِ وَفَضْلِهِ ، فَصَاحَ أَصْحَابُ الْحَلْقَةِ : يَكْفِيكَ -رَحِمَكَ اللَّهُ- غَيْرُكَ لَهُ سُؤَالٌ .
فَقُلْتُ -وَأَنَا وَاقِفٌ عَلَى قَدَمٍ : اكْشِفْ عَنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ : أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، فَنَظَرَ إِلَيَّ كَالْمُتَعَجِّبِ ، فَقَالَ لِي : وَمِثْلُنَا ، نَحْنُ نَكْشِفُ عَنْ أَحْمَدَ ؟ ! ذَاكَ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ ، وَخَيْرُهُمْ وَفَاضِلُهُمْ . فَخَرَجْتُ أَسْتَدِلُّ عَلَى مَنْزِلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، فَدُلِلْتُ عَلَيْهِ ، فَقَرَعْتُ بَابَهُ ، فَخَرَجَ إِلَيَّ .
فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ : رَجُلٌ غَرِيبٌ ، نَائِي الدَّارِ ، هَذَا أَوَّلُ دُخُولِي هَذَا الْبَلَدَ ، وَأَنَا طَالِبُ حَدِيثٍ وَمُقَيَّدُ سُنَّةٍ ، وَلَمْ تَكُنْ رِحْلَتِي إِلَّا إِلَيْكَ ، فَقَالَ : ادْخُلِ الْأُصْطُوَانَ وَلَا يَقَعْ عَلَيْكَ عَيْنٌ . فَدَخَلْتُ ، فَقَالَ لِي : وَأَيْنَ مَوْضِعُكَ ؟ قُلْتُ : الْمَغْرِبُ الْأَقْصَى . فَقَالَ : إِفْرِيقِيَّةُ ؟ قُلْتُ : أَبْعَدُ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ ، أَجُوزُ مِنْ بَلَدِي الْبَحْرَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ ، بَلَدِي الْأَنْدَلُسُ ، قَالَ : إِنَّ مَوْضِعَكَ لَبَعِيدٌ ، وَمَا كَانَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحْسِنَ عَوْنَ مَثْلِكَ ، غَيْرَ أَنِّي مُمْتَحَنٌ بِمَا لَعَلَّهُ قَدْ بَلَغَكَ .
فَقُلْتُ : بَلَى ، قَدْ بَلَغَنِي ، وَهَذَا أَوَّلُ دُخُولِي ، وَأَنَا مَجْهُولُ الْعَيْنِ عِنْدَكُمْ ، فَإِنْ أَذِنْتَ لِي أَنْ آتِيَ كُلَّ يَوْمٍ فِي زِيِّ السُّؤَّالِ ، فَأَقُولُ عِنْدَ الْبَابِ مَا يَقُولُهُ السُّؤَّالُ ، فَتَخْرُجُ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَلَوْ لَمْ تُحَدِّثْنِي كُلَّ يَوْمٍ إِلَّا بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ ، لَكَانَ لِي فِيهِ كِفَايَةٌ . فَقَالَ لِي : نَعَمْ ، عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا تَظْهَرَ فِي الْخَلْقِ ، وَلَا عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ .
فَقُلْتُ : لَكَ شَرْطُكَ ، فَكُنْتُ آخُذُ عَصًا بِيَدِي ، وَأَلُفُّ رَأْسِي بِخِرْقَةٍ مُدَنَّسَةٍ ، وَآتِي بَابَهُ فَأَصِيحُ : الْأَجْرَ -رَحِمَكَ اللَّهُ- وَالسُّؤَّالُ هُنَاكَ كَذَلِكَ ، فَيَخْرُجُ إِلَيَّ ، وَيُغْلِقُ ، 294 وَيُحَدِّثُنِي بِالْحَدِيثِينَ وَالثَّلَاثَةِ وَالْأَكْثَرِ ، فَالْتَزَمْتُ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ الْمُمْتَحِنُ لَهُ ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ مَنْ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ السُّنَّةِ ، فَظَهَرَ أَحْمَدُ ، وَعَلَتْ إِمَامَتُهُ ، وَكَانَتْ تُضْرَبُ إِلَيْهِ آبَاطُ الْإِبِلِ ، فَكَانَ يَعْرِفُ لِي حَقَّ صَبْرِي ، فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُ حَلْقَتَهُ فَسَحَ لِي ، وَيَقُصُّ عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ قِصَّتِي مَعَهُ ، فَكَانَ يُنَاوِلُنِي الْحَدِيثَ مُنَاوَلَةً وَيَقْرَؤُهُ عَلَيَّ وَأَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ ، وَاعْتَلَلْتُ فِي خَلْقِ مَعَهُ . ذَكَرَ الْحِكَايَةَ بِطُولِهَا .
نَقَلَهَا الْقَاسِمُ بْنُ بَشْكُوَالَ فِي بَعْضِ تَآلِيفِهِ ، وَنَقَلْتُهَا أَنَا مِنْ خَطِّ شَيْخِنَا أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ الْحَاجِّ ، وَهِيَ مُنْكَرَةٌ ، وَمَا وَصَلَ ابْنُ مَخْلَدٍ إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ إِلَّا بَعْدَ الثَّلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَكَانَ قَدْ قَطَعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَثْنَاءِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ ، وَمَا رَوَى بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا حَدِيثًا وَاحِدًا ، إِلَى أَنْ مَاتَ
وَلَمَّا زَالَتِ الْمِحْنَةُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ ، وَهَلَكَ الْوَاثِقُ ، وَاسْتُخْلِفَ الْمُتَوَكِّلُ ، وَأَمَرَ الْمُحَدِّثِينَ بِنَشْرِ أَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ وَغَيْرِهَا ، امْتَنَعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنَ التَّحْدِيثِ ، وَصَمَّمَ عَلَى ذَلِكَ ، مَا عَمِلَ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُذَاكِرُ بِالْعِلْمِ وَالْأَثَرِ ، وَأَسْمَاءِ الرِّجَالِ وَالْفِقْهِ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ بَقِيٌّ سَمِعَ مِنْهُ ثَلَاثَمِائَةِ حَدِيثٍ ، لَكَانَ طَرَّزَ بِهَا " مُسْنَدَهُ " ، وَافْتَخَرَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ . فَعِنْدِي مُجَلَّدَانِ مِنْ " مُسْنَدِهِ " ، وَمَا فِيهِمَا عَنْ أَحْمَدَ كَلِمَةٌ .
ثُمَّ بَعْدَهَا حِكَايَةٌ أَنْكَرُ مِنْهَا ، فَقَالَ : نَقَلْتُ مِنْ خَطِّ حَفِيدِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ 295 بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَقِيٍّ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا رَأَتْ أَبِي مَعَ رَجُلٍ طُوَالٍ جِدًّا ، فَسَأَلَتْهُ عَنْهُ ، فَقَالَ : أَرْجُو أَنْ تَكُونِي امْرَأَةً صَالِحَةً ، ذَاكَ الْخَضِرُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَنَقَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا عَنْ جَدِّهِ أَشْيَاءَ ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا ، ثُمَّ قَالَ : كَانَ جَدِّي قَدْ قَسَّمَ أَيَّامَهُ عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ : فَكَانَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ قَرَأَ حِزْبَهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ ، سُدُسَ الْقُرْآنِ ، وَكَانَ أَيْضًا يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي الصَّلَاةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَيَخْرُجُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ إِلَى مَسْجِدِهِ ، فَيَخْتِمُ قُرْبَ انْصِدَاعِ الْفَجْرِ .
وَكَانَ يُصَلِّي بَعْدَ حِزْبِهِ مِنَ الْمُصْحَفِ صَلَاةً طَوِيلَةً جِدًّا ، ثُمَّ يَنْقَلِبُ إِلَى دَارِهِ -وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي مَسْجِدِهِ الطَّلَبَةُ- فَيُجَدِّدُ الْوُضُوءَ ، وَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ ، فَإِذَا انْقَضَتِ الدُّوَلُ ، صَارَ إِلَى صَوْمَعَةِ الْمَسْجِدِ ، فَيُصَلِّي إِلَى الظُّهْرِ ، ثُمَّ يَكُونُ هُوَ الْمُبْتَدِئَ بِالْأَذَانِ ، ثُمَّ يَهْبِطُ ثُمَّ يَسْمَعُ إِلَى الْعَصْرِ ، وَيُصَلِّي وَيَسْمَعُ ، وَرُبَّمَا خَرَجَ فِي بَقِيَّةِ النَّهَارِ ، فَيَقْعُدُ بَيْنَ الْقُبُورِ يَبْكِي وَيَعْتَبِرُ .
فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَتَى مَسْجِدَهُ ، ثُمَّ يُصَلِّي ، وَيَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ فَيُفْطِرُ ، وَكَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَيَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ جِيرَانُهُ ، فَيَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ، ثُمَّ يُصَلِّي الْعِشَاءَ ، وَيَدْخُلُ بَيْتَهُ ، فَيُحَدِّثُ أَهْلَهُ ، ثُمَّ يَنَامُ نَوْمَةً قَدْ أَخَذَتْهَا نَفْسُهُ ، ثُمَّ يَقُومُ . هَذَا دَأْبُهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ .
وَكَانَ جَلْدًا ، قَوِيًّا عَلَى الْمَشْيِ ، قَدْ مَشَى مَعَ ضَعِيفٍ فِي مَظْلَمَةٍ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ ، وَمَشَى مَعَ آخَرَ إِلَى إِلْبِيرَةَ ، وَمَعَ امْرَأَةٍ ضَعِيفَةٍ إِلَى جَيَّانَ . 296
قُلْتُ : وَهِمَ بَعْضُ النَّاسِ ، وَقَالَ : مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ .
بَلِ الصَّوَابُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ ، سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَرَّخَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ .
وَمِنْ مَنَاقِبِهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ كِبَارِ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، يُقَالُ : شَهِدَ سَبْعِينَ غَزْوَةً .
وَمِنْ حَدِيثِهِ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَطَاءِ اللَّهِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَكِّيٍّ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ ، أَنْبَأَنَا خَلَفُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَتَّابٍ ، أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ] يُونُسَ ، حَدَّثَنَا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا هَانِئُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : لَوْلَا أَنِّي أَنْسَى ذِكْرَ اللَّهِ ، مَا تَقَرَّبْتُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ : قَالَ جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ ! إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ عَشْرَ مَرَّاتٍ اسْتَوْجَبَ الْأَمَانَ مِنْ سُخْطِهِ .
بْنِ يَزِيدَ : الْإِمَامُ ، الْقُدْوَةُ ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْدَلُسِيُّ الْقُرْطُبِيُّ ، الْحَافِظُ ، صَاحِبُ " التَّفْسِيرِ " وَ " الْمُسْنَدِ " اللَّذَيْنِ لَا نَظِيرَ لَهُمَا .
وُلِدَ فِي حُدُودِ سَنَةِ مِائَتَيْنِ أَوْ قَبْلَهَا بِقَلِيلٍ .
وَسَمِعَ مِنْ : يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْأَعْشَى ، وَأَبِي مُصْعَبٍ الزُّهْرِيِّ ، وَصَفْوَانَ بْنِ صَالِحٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيِّ ، وَهِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، وَزُهَيْرِ بْنِ عَبَّادٍ الرُّؤَاسِيِّ ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، وَأَحْمَدَ بْنِ 286 حَنْبَلٍ -مَسَائِلَ وَفَوَائِدَ- وَلَمْ يَرْوِ لَهُ شَيْئًا مُسْنَدًا ، لِكَوْنِهِ كَانَ قَدْ قَطَعَ الْحَدِيثَ ، وَسَمِعَ مِنْ : أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، فَأَكْثَرَ .
وَمِنْ : جُبَارَةَ بْنِ الْمُغَلِّسِ ، وَيَحْيَى بْنِ بِشْرٍ الْحَرِيرِيِّ ، وَشَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ ، وَسُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَهُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ ، وَدَاوُدَ بْنِ رُشَيْدٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ الْوَاسِطِيِّ ، وَحَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَرَّانَيِّ ، وَيَعْقُوبَ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ ، وَعِيسَى بْنِ حَمَّادٍ زُغْبَةَ ، وَسُحْنُونَ بْنِ سَعِيدٍ الْفَقِيهِ ، وَهُرَيْمِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، وَمِنْجَابِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ الْقَوَارِيرِيِّ ، وَأَبِي كُرَيْبٍ ، وَبُنْدَارٍ ، وَهَنَّادٍ ، وَالْفَلَّاسِ ، وَكَثِيرِ بْنِ عُبَيْدٍ ، وَخَلْقٍ . وَعُنِيَ بِهَذَا الشَّأْنِ عِنَايَةً لَا مَزِيدَ عَلَيْهَا ، وَأَدْخَلَ جَزِيرَةَ الْأَنْدَلُسِ عِلْمًا جَمًّا ، وَبِهِ ، وَبِمُحَمَّدِ بْنِ وَضَّاحٍ صَارَتْ تِلْكَ النَّاحِيَةُ دَارَ حَدِيثٍ ، وَعِدَّةُ مَشْيَخَتِهِ الَّذِينَ حَمَلَ عَنْهُمْ مِائَتَانِ وَأَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا .
حَدَّثَ عَنْهُ : ابْنُهُ أَحْمَدُ ، وَأَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرِّيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُمَوِيُّ ، وَأَسْلَمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَزِيرٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ ، وَالْحَسَنُ بْنُ سَعْدٍ الْكِنَانِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ الْمُرَادِيُّ الْقَبْرِيُّ ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ حَمْدُونَ ، وَهِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ الْغَافِقِيُّ ، وَآخَرُونَ . وَكَانَ إِمَامًا مُجْتَهِدًا صَالِحًا ، رَبَّانِيًّا صَادِقًا مُخْلِصًا ، رَأْسًا فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ ، عَدِيمَ الْمِثْلِ ، مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ ، يُفْتِي بِالْأَثَرِ ، وَلَا يُقَلِّدُ أَحَدًا .
وَقَدْ تَفَقَّهَ بِإِفْرِيقِيَّةَ عَلَى سُحْنُونَ بْنِ سَعِيدٍ . ذَكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ ، فَقَالَ : مَا كُنَّا نُسَمِّيهِ إِلَّا الْمِكْنَسَةَ ، وَهَلِ 287 احْتَاجَ بَلَدٌ فِيهِ بَقِيٌّ إِلَى أَنْ يَرْحَلَ إِلَى هَاهُنَا مِنْهُ أَحَدٌ ؟ ! قَالَ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَنْدَلُسِيُّ : حَمَلْتُ مَعِي جُزْءًا مِنْ " مُسْنَدِ " بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ إِلَى الْمَشْرِقِ ، فَأَرَيْتُهُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغَ ، فَقَالَ : مَا اغْتَرَفَ هَذَا إِلَّا مِنْ بَحْرٍ . وَعَجِبَ مِنْ كَثْرَةِ عِلْمِهِ .
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَيُّونَ ، عَنْ بِقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ ، قَالَ : لَمَّا رَجَعْتُ مِنَ الْعِرَاقِ ، أَجْلَسَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ إِلَى جَنْبِهِ ، وَسَمِعَ مِنِّي سَبْعَةَ أَحَادِيثَ .
وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ الْفَرَضِيِّ فِي " تَارِيخِهِ " : مَلَأَ بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ الْأَنْدَلُسَ حَدِيثًا ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ الْأَنْدَلُسِيُّونَ : أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَأَبُو زَيْدٍ ، مَا أَدْخَلَهُ مِنْ كُتُبِ الِاخْتِلَافِ ، وَغَرَائِبِ الْحَدِيثِ ، فَأَغْرَوْا بِهِ السُّلْطَانَ وَأَخَافُوهُ بِهِ ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَظْهَرَهُ عَلَيْهِمْ ، وَعَصَمَهُ مِنْهُمْ ، فَنَشَرَ حَدِيثَهُ وَقَرَأَ لِلنَّاسِ رِوَايَتَهُ . ثُمَّ تَلَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ ، فَصَارَتِ ، الْأَنْدَلُسُ دَارَ حَدِيثٍ وَإِسْنَادٍ . وَمِمَّا انْفَرَدَ بِهِ ، وَلَمْ يُدْخِلْهُ سِوَاهُ " مُصَنَّفُ " أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِتَمَامِهِ ، وَ " كِتَابُ الْفِقْهِ " لِلشَّافِعِيِّ بِكَمَالِهِ -يَعْنِي " الْأُمَّ " - وَ " تَارِيخُ " خَلِيفَةَ ، وَ " طَبَقَاتُ " خَلِيفَةَ ، وَكِتَابُ " سِيرَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ " ، لِأَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ . . . . وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِثْلُ " مُسْنَدِهِ " .
وَكَانَ وَرِعًا فَاضِلًا زَاهِدًا . . . قَدْ ظَهَرَتْ لَهُ إِجَابَاتُ الدَّعْوَةِ فِي غَيْرِ مَا شَيْءٍ . 288
قَالَ : وَكَانَ الْمَشَاهِيرُ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ وَضَّاحٍ لَا يَسْمَعُونَ مِنْهُ ، لِلَّذِي بَيْنَهُمَا مِنَ الْوَحْشَةِ . . . وُلِدَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الدِّمَشْقِيُّ : لَمْ يَقَعْ إِلَيَّ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ مِنْ حَدِيثِ بَقِيٍّ .
قُلْتُ : عَمِلَ لَهُ تَرْجَمَةً حَسَنَةً فِي " تَارِيخِهِ " .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ : أَقْطَعُ أَنَّهُ لَمْ يُؤَلَّفْ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُ " تَفْسِيرِ " بَقِيٍّ ، لَا " تَفْسِيرُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ ، وَلَا غَيْرُهُ .
قَالَ : وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ مُحِبًّا لِلْعُلُومِ عَارِفًا ، فَلَمَّا دَخَلَ بَقِيٌّ الْأَنْدَلُسَ " بِمُصَنَّفِ " أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَقُرِئَ عَلَيْهِ ، أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ مَا فِيهِ مِنَ الْخِلَافِ ، وَاسْتَبْشَعُوهُ وَنَشَّطُوا الْعَامَّةَ عَلَيْهِ ، وَمَنَعُوهُ مِنْ قِرَاءَتِهِ ، فَاسْتَحْضَرَهُ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ مُحَمَّدٌ وَإِيَّاهُمْ ، وَتَصَفَّحَ الْكِتَابَ كُلَّهُ جُزْءًا جُزْءًا ، حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِ ، ثُمَّ قَالَ لِخَازِنِ الْكُتُبِ : هَذَا كِتَابٌ لَا تَسْتَغْنِي خِزَانَتُنَا عَنْهُ ، فَانْظُرْ فِي نَسْخِهِ لَنَا . ثُمَّ قَالَ لَبَقِيٍّ : انْشُرْ عِلْمَكَ ، وَارْوِ مَا عِنْدَكَ . وَنَهَاهُمْ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ .
قَالَ أَسْلَمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : حَدَّثَنَا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ، قَالَ : لَمَّا وَضَعْتُ " مُسْنَدِي " ، جَاءَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، وَأَخُوهُ إِسْحَاقُ ; فَقَالَا : بَلَغَنَا أَنَّكَ وَضَعْتَ " مُسْنَدًا " ، قَدَّمْتَ فِيهِ أَبَا مُصْعَبٍ الزُّهْرِيَّ ، وَيَحْيَى بْنَ بُكَيْرٍ ، وَأَخَّرْتَ أَبَانَا ؟ فَقَالَ : أَمَّا تَقْدِيمِي أَبَا مُصْعَبٍ ، فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 289 قَدِّمُوا قُرَيْشًا ، وَلَا تَقَدَّمُوهَا وَأَمَّا تَقْدِيمِي ابْنَ بُكَيْرٍ ، فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : كَبِّرْ كَبِّرْ -يُرِيدُ السِّنَّ- وَمَعَ أَنَّهُ سَمِعَ " الْمُوَطَّأَ " مِنْ مَالِكٍ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً ، وَأَبُوكُمَا لَمْ يَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً .
قُلْتُ : وَلَهُ فِيهِ فَوْتٌ مَعْرُوفٌ .
قَالَ : فَخَرَجَا ، وَلَمْ يَعُودَا ، وَخَرَجَا إِلَى حَدِّ الْعَدَاوَةِ . وَأَلَّفَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ الْقُرْطُبِيُّ ، الْمَيِّتُ فِي عَامِ ثَمَانِيَةٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ كِتَابًا فِي أَخْبَارِ عُلَمَاءِ قُرْطُبَةَ ، ذَكَرَ فِيهِ بَقِيَّ بْنَ مَخْلَدٍ ، فَقَالَ : كَانَ فَاضِلًا تَقِيًّا ، صَوَّامًا قَوَّامًا مُتَبَتِّلًا ، مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ فِي عَصْرِهِ ، مُنْفَرِدًا عَنِ النَّظِيرِ فِي مِصْرِهِ ، كَانَ أَوَّلَ طَلَبِهِ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى 290 الْأَعْشَى ، ثُمَّ رَحَلَ ، فَحَمَلَ عَنْ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ ، وَمِصْرَ ، وَالشَّامِ ، وَالْجَزِيرَةِ ، وَحُلْوَانَ ، وَالْبَصْرَةِ ، وَالْكُوفَةِ ، وَوَاسِطَ وَبَغْدَادَ ، وَخُرَاسَانَ -كَذَا قَالَ ، فَغَلَطَ ، لَمْ يَصِلْ إِلَى خُرَاسَانَ ، بَلْ وَلَا إِلَى هَمَذَانَ ، وَمَا أَدْرِي هَلْ دَخَلَ الْجَزِيرَةَ أَمْ لَا ؟ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ تَأَمَّلَ شُيُوخَهُ- ثُمَّ قَالَ : وَعَدْنَ وَالْقَيْرَوَانَ -قُلْتُ : وَمَا دَخَلَ الرَّجُلُ إِلَى الْيَمَنِ -قَالَ : وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى بَقِيٍّ ، فَقَالَتْ : إِنَّ ابْنِي فِي الْأَسْرِ ، وَلَا حِيلَةَ لِي ، فَلَوْ أَشَرْتَ إِلَى مَنْ يَفْدِيهِ ، فَإِنَّنِي وَالِهَةٌ . قَالَ : نَعَمْ ، انْصَرِفِي حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ . ثُمَّ أَطْرَقَ ، وَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ جَاءَتِ الْمَرْأَةُ بِابْنِهَا ، فَقَالَ : كُنْتُ فِي يَدِ مَلِكٍ ، فَبَيْنًا أَنَا فِي الْعَمَلِ ، سَقَطَ قَيْدِي . قَالَ : فَذَكَرَ الْيَوْمَ وَالسَّاعَةَ ، فَوَافَقَ وَقْتَ دُعَاءِ الشَّيْخِ . قَالَ : فَصَاحَ عَلَى الْمَرْسَمِ بِنَا ، ثُمَّ نَظَرَ وَتَحَيَّرَ ، ثُمَّ أَحْضَرَ الْحَدَّادَ وَقَيَّدَنِي ، فَلَمَّا فَرَّغَهُ وَمَشَيْتُ سَقَطَ الْقَيْدُ ، فَبُهِتُوا ، وَدَعَوْا رُهْبَانَهُمْ ، فَقَالُوا : أَلَكَ وَالِدَةٌ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالُوا : وَافَقَ دُعَاءَهَا الْإِجَابَةُ
. هَذِهِ الْوَاقِعَةُ حَدَّثَ بِهَا الْحَافِظُ حَمْزَةُ السَّهْمِيُّ ، عَنْ أَبِي الْفَتْحِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا أَبِي . . . فَذَكَرَهَا ، وَفِيهَا : ثُمَّ قَالُوا : قَدْ أَطْلَقَكَ اللَّهُ ، فَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نُقَيِّدَكَ . فَزَوَّدُونِي ، وَبَعَثُوا بِي .
قَالَ : وَكَانَ بَقِيٌّ أَوَّلَ مَنْ كَثَّرَ الْحَدِيثَ بِالْأَنْدَلُسِ وَنَشَرَهُ ، وَهَاجَمَ بِهِ شُيُوخَ الْأَنْدَلُسِ ، فَثَارُوا عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُمْ كَانَ عِلْمُهُمْ بِالْمَسَائِلِ وَمَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَكَانَ بَقِيٌّ يُفْتِي بِالْأَثَرِ ، فَشَذَّ عَنْهُمْ شُذُوذًا عَظِيمًا ، فَعَقَدُوا عَلَيْهِ الشَّهَادَاتِ ، 291 وَبِدَّعُوهُ ، وَنَسَبُوا إِلَيْهِ الزَّنْدَقَةِ ، وَأَشْيَاءَ نَزَّهَهُ اللَّهُ مِنْهَا . وَكَانَ بَقِيٌّ يَقُولُ : لَقَدْ غَرَسْتُ لَهُمْ بِالْأَنْدَلُسِ غَرْسًا لَا يُقْلَعُ إِلَّا بِخُرُوجِ الدَّجَّالِ .
قَالَ : وَقَالَ بَقِيٌّ : أَتَيْتُ الْعِرَاقَ ، وَقَدْ مُنِعَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مِنَ الْحَدِيثِ ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُحَدِّثَنِي ، وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خُلَّةٌ ، فَكَانَ يُحَدِّثُنِي بِالْحَدِيثِ فِي زِيِّ السُّؤَالِ ، وَنَحْنُ خُلْوَةٌ ، حَتَّى اجْتَمَعَ لِي عَنْهُ نَحْوٌ مَنْ ثَلَاثِمِائَةِ حَدِيثٍ .
قُلْتُ : هَذِهِ حِكَايَةٌ مُنْقَطِعَةٌ .
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : وَ " مُسْنَدُ " بَقِيٍّ رَوَى فِيهِ عَنْ أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةِ صَاحِبٍ وَنَيِّفٍ ، وَرَتَّبَ حَدِيثَ كُلِّ صَاحِبٍ عَلَى أَبْوَابِ الْفِقْهِ ، فَهُوَ مُسْنَدٌ وَمُصَنَّفٌ ، وَمَا أَعْلَمُ هَذِهِ الرُّتْبَةَ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ ، مَعَ ثِقَتِهِ وَضَبْطِهِ ، وَإِتْقَانِهِ وَاحْتِفَالِهِ فِي الْحَدِيثِ . وَلَهُ مُصَنَّفٌ فِي فَتَاوَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ دُونَهُمُ ، الَّذِي قَدْ أَرْبَى فِيهِ عَلَى " مُصَنَّفِ " ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَلَى " مُصَنَّفِ " عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَعَلَى " مُصَنَّفِ " سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ . . . . ثُمَّ إِنَّهُ نَوَّهَ بِذِكْرِ " تَفْسِيرِهِ " ، وَقَالَ : فَصَارَتْ تَصَانِيفُ هَذَا الْإِمَامِ الْفَاضِلِ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ ، لَا نَظِيرَ لَهَا ، وَكَانَ مُتَخَيِّرًا لَا يُقَلِّدُ أَحَدًا ، وَكَانَ ذَا خَاصَّةٍ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَجَارِيًا فِي مِضْمَارِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ .
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَذْكُورُ فِي " تَارِيخِهِ " : كَانَ بَقِيٌّ طُوَالًا أَقْنَى ذَا لِحْيَةٍ مُضَبَّرًا قَوِيًّا جَلْدًا عَلَى الْمَشْيِ ، لَمْ يُرِ رَاكِبًا دَابَّةً قَطُّ ، 292 وَكَانَ مُلَازِمًا لِحُضُورِ الْجَنَائِزِ ، مُتَوَاضِعًا ، وَكَانَ يَقُولُ إِنِّي لَأَعْرِفُ رَجُلًا ، كَانَ تَمْضِي عَلَيْهِ الْأَيَّامُ فِي وَقْتِ طَلَبِهِ الْعِلْمَ ، لَيْسَ لَهُ عَيْشٌ إِلَّا وَرَقُ الْكُرُنْبِ الَّذِي يُرْمَى ، وَسَمِعْتُ مِنْ كُلِّ مَنْ سَمِعْتُ مِنْهُ فِي الْبُلْدَانِ مَاشِيًا إِلَيْهِمْ عَلَى قَدَمِي .
قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ الْحَافِظُ : كَانَ بَقِيٌّ مِنْ عُقَلَاءِ النَّاسِ وَأَفَاضِلِهِمْ ، وَكَانَ أَسْلَمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُقَدِّمُهُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ لَقِيَهُ بِالْمَشْرِقِ ، وَيَصِفُ زُهْدَهُ ، وَيَقُولُ : رُبَّمَا كُنْتُ أَمْشِي مَعَهُ فِي أَزِقَّةِ قُرْطُبَةَ ، فَإِذَا نَظَرَ فِي مَوْضِعٍ خَالٍ إِلَى ضَعِيفٍ مُحْتَاجٍ أَعْطَاهُ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ .
وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ صَاحِبُ الْقِبْلَةِ قَالَ : كَانَ بَقِيٌّ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ ، فِي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّهَارِ مِائَةَ رَكْعَةٍ ، وَيَصُومُ الدَّهْرَ .
وَكَانَ كَثِيرَ الْجِهَادِ ، فَاضِلًا ، يُذْكَرُ عَنْهُ أَنَّهُ رَابَطَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ غَزْوَةً .
وَنَقَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ كِتَابٍ لِحَفِيدِ بَقِيٍّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : رَحَلَ أَبِي مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَغْدَادَ ، وَكَانَ رَجُلًا بُغْيَتُهُ مُلَاقَاةُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . قَالَ : فَلَمَّا قَرُبْتُ بَلَغَتْنِي الْمِحْنَةُ ، وَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ ، فَاغْتَمَمْتُ غَمًّا شَدِيدًا ، فَاحْتَلَلْتُ بَغْدَادَ ، وَاكْتَرَيْتُ بَيْتًا فِي فُنْدُقٍ ، ثُمَّ أَتَيْتُ الْجَامِعَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَجْلِسَ إِلَى النَّاسِ ، فَدُفِعْتُ إِلَى حَلْقَةٍ نَبِيلَةٍ ، فَإِذَا بِرَجُلٍ يَتَكَلَّمُ فِي 293 الرِّجَالِ ، فَقِيلَ لِي : هَذَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ . فَفُرِجَتْ لى فُرْجَةٌ ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا زَكَرِيَّا : -رَحِمَكَ اللَّهُ- رَجُلٌ غَرِيبٌ نَاءٍ عَنْ وَطَنِهِ ، يُحِبُّ السُّؤَالَ ، فَلَا تَسْتَجْفِنِي ، فَقَالَ : قُلْ . فَسَأَلْتُ عَنْ بَعْضِ مَنْ لَقِيتُهُ ، فَبَعْضًا زَكَّى ، وَبَعْضًا جَرَحَ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، فَقَالَ لِي : أَبُو الْوَلِيدِ ، صَاحِبُ صَلَاةِ دِمَشْقَ ، ثِقَةٌ ، وَفَوْقَ الثِّقَةِ ، لَوْ كَانَ تَحْتَ رِدَائِهِ كِبْرٌ ، أَوْ مُتَقَلِّدًا كِبْرًا ، مَا ضَرَّهُ شَيْئًا لِخَيْرِهِ وَفَضْلِهِ ، فَصَاحَ أَصْحَابُ الْحَلْقَةِ : يَكْفِيكَ -رَحِمَكَ اللَّهُ- غَيْرُكَ لَهُ سُؤَالٌ .
فَقُلْتُ -وَأَنَا وَاقِفٌ عَلَى قَدَمٍ : اكْشِفْ عَنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ : أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، فَنَظَرَ إِلَيَّ كَالْمُتَعَجِّبِ ، فَقَالَ لِي : وَمِثْلُنَا ، نَحْنُ نَكْشِفُ عَنْ أَحْمَدَ ؟ ! ذَاكَ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ ، وَخَيْرُهُمْ وَفَاضِلُهُمْ . فَخَرَجْتُ أَسْتَدِلُّ عَلَى مَنْزِلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، فَدُلِلْتُ عَلَيْهِ ، فَقَرَعْتُ بَابَهُ ، فَخَرَجَ إِلَيَّ .
فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ : رَجُلٌ غَرِيبٌ ، نَائِي الدَّارِ ، هَذَا أَوَّلُ دُخُولِي هَذَا الْبَلَدَ ، وَأَنَا طَالِبُ حَدِيثٍ وَمُقَيَّدُ سُنَّةٍ ، وَلَمْ تَكُنْ رِحْلَتِي إِلَّا إِلَيْكَ ، فَقَالَ : ادْخُلِ الْأُصْطُوَانَ وَلَا يَقَعْ عَلَيْكَ عَيْنٌ . فَدَخَلْتُ ، فَقَالَ لِي : وَأَيْنَ مَوْضِعُكَ ؟ قُلْتُ : الْمَغْرِبُ الْأَقْصَى . فَقَالَ : إِفْرِيقِيَّةُ ؟ قُلْتُ : أَبْعَدُ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ ، أَجُوزُ مِنْ بَلَدِي الْبَحْرَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ ، بَلَدِي الْأَنْدَلُسُ ، قَالَ : إِنَّ مَوْضِعَكَ لَبَعِيدٌ ، وَمَا كَانَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحْسِنَ عَوْنَ مَثْلِكَ ، غَيْرَ أَنِّي مُمْتَحَنٌ بِمَا لَعَلَّهُ قَدْ بَلَغَكَ .
فَقُلْتُ : بَلَى ، قَدْ بَلَغَنِي ، وَهَذَا أَوَّلُ دُخُولِي ، وَأَنَا مَجْهُولُ الْعَيْنِ عِنْدَكُمْ ، فَإِنْ أَذِنْتَ لِي أَنْ آتِيَ كُلَّ يَوْمٍ فِي زِيِّ السُّؤَّالِ ، فَأَقُولُ عِنْدَ الْبَابِ مَا يَقُولُهُ السُّؤَّالُ ، فَتَخْرُجُ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَلَوْ لَمْ تُحَدِّثْنِي كُلَّ يَوْمٍ إِلَّا بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ ، لَكَانَ لِي فِيهِ كِفَايَةٌ . فَقَالَ لِي : نَعَمْ ، عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا تَظْهَرَ فِي الْخَلْقِ ، وَلَا عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ .
فَقُلْتُ : لَكَ شَرْطُكَ ، فَكُنْتُ آخُذُ عَصًا بِيَدِي ، وَأَلُفُّ رَأْسِي بِخِرْقَةٍ مُدَنَّسَةٍ ، وَآتِي بَابَهُ فَأَصِيحُ : الْأَجْرَ -رَحِمَكَ اللَّهُ- وَالسُّؤَّالُ هُنَاكَ كَذَلِكَ ، فَيَخْرُجُ إِلَيَّ ، وَيُغْلِقُ ، 294 وَيُحَدِّثُنِي بِالْحَدِيثِينَ وَالثَّلَاثَةِ وَالْأَكْثَرِ ، فَالْتَزَمْتُ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ الْمُمْتَحِنُ لَهُ ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ مَنْ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ السُّنَّةِ ، فَظَهَرَ أَحْمَدُ ، وَعَلَتْ إِمَامَتُهُ ، وَكَانَتْ تُضْرَبُ إِلَيْهِ آبَاطُ الْإِبِلِ ، فَكَانَ يَعْرِفُ لِي حَقَّ صَبْرِي ، فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُ حَلْقَتَهُ فَسَحَ لِي ، وَيَقُصُّ عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ قِصَّتِي مَعَهُ ، فَكَانَ يُنَاوِلُنِي الْحَدِيثَ مُنَاوَلَةً وَيَقْرَؤُهُ عَلَيَّ وَأَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ ، وَاعْتَلَلْتُ فِي خَلْقِ مَعَهُ . ذَكَرَ الْحِكَايَةَ بِطُولِهَا .
نَقَلَهَا الْقَاسِمُ بْنُ بَشْكُوَالَ فِي بَعْضِ تَآلِيفِهِ ، وَنَقَلْتُهَا أَنَا مِنْ خَطِّ شَيْخِنَا أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ الْحَاجِّ ، وَهِيَ مُنْكَرَةٌ ، وَمَا وَصَلَ ابْنُ مَخْلَدٍ إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ إِلَّا بَعْدَ الثَّلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَكَانَ قَدْ قَطَعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَثْنَاءِ سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ ، وَمَا رَوَى بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا حَدِيثًا وَاحِدًا ، إِلَى أَنْ مَاتَ
وَلَمَّا زَالَتِ الْمِحْنَةُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ ، وَهَلَكَ الْوَاثِقُ ، وَاسْتُخْلِفَ الْمُتَوَكِّلُ ، وَأَمَرَ الْمُحَدِّثِينَ بِنَشْرِ أَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ وَغَيْرِهَا ، امْتَنَعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنَ التَّحْدِيثِ ، وَصَمَّمَ عَلَى ذَلِكَ ، مَا عَمِلَ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُذَاكِرُ بِالْعِلْمِ وَالْأَثَرِ ، وَأَسْمَاءِ الرِّجَالِ وَالْفِقْهِ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ بَقِيٌّ سَمِعَ مِنْهُ ثَلَاثَمِائَةِ حَدِيثٍ ، لَكَانَ طَرَّزَ بِهَا " مُسْنَدَهُ " ، وَافْتَخَرَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ . فَعِنْدِي مُجَلَّدَانِ مِنْ " مُسْنَدِهِ " ، وَمَا فِيهِمَا عَنْ أَحْمَدَ كَلِمَةٌ .
ثُمَّ بَعْدَهَا حِكَايَةٌ أَنْكَرُ مِنْهَا ، فَقَالَ : نَقَلْتُ مِنْ خَطِّ حَفِيدِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ 295 بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَقِيٍّ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا رَأَتْ أَبِي مَعَ رَجُلٍ طُوَالٍ جِدًّا ، فَسَأَلَتْهُ عَنْهُ ، فَقَالَ : أَرْجُو أَنْ تَكُونِي امْرَأَةً صَالِحَةً ، ذَاكَ الْخَضِرُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَنَقَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا عَنْ جَدِّهِ أَشْيَاءَ ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا ، ثُمَّ قَالَ : كَانَ جَدِّي قَدْ قَسَّمَ أَيَّامَهُ عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ : فَكَانَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ قَرَأَ حِزْبَهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ ، سُدُسَ الْقُرْآنِ ، وَكَانَ أَيْضًا يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي الصَّلَاةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَيَخْرُجُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ إِلَى مَسْجِدِهِ ، فَيَخْتِمُ قُرْبَ انْصِدَاعِ الْفَجْرِ .
وَكَانَ يُصَلِّي بَعْدَ حِزْبِهِ مِنَ الْمُصْحَفِ صَلَاةً طَوِيلَةً جِدًّا ، ثُمَّ يَنْقَلِبُ إِلَى دَارِهِ -وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي مَسْجِدِهِ الطَّلَبَةُ- فَيُجَدِّدُ الْوُضُوءَ ، وَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ ، فَإِذَا انْقَضَتِ الدُّوَلُ ، صَارَ إِلَى صَوْمَعَةِ الْمَسْجِدِ ، فَيُصَلِّي إِلَى الظُّهْرِ ، ثُمَّ يَكُونُ هُوَ الْمُبْتَدِئَ بِالْأَذَانِ ، ثُمَّ يَهْبِطُ ثُمَّ يَسْمَعُ إِلَى الْعَصْرِ ، وَيُصَلِّي وَيَسْمَعُ ، وَرُبَّمَا خَرَجَ فِي بَقِيَّةِ النَّهَارِ ، فَيَقْعُدُ بَيْنَ الْقُبُورِ يَبْكِي وَيَعْتَبِرُ .
فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَتَى مَسْجِدَهُ ، ثُمَّ يُصَلِّي ، وَيَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ فَيُفْطِرُ ، وَكَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَيَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ جِيرَانُهُ ، فَيَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ، ثُمَّ يُصَلِّي الْعِشَاءَ ، وَيَدْخُلُ بَيْتَهُ ، فَيُحَدِّثُ أَهْلَهُ ، ثُمَّ يَنَامُ نَوْمَةً قَدْ أَخَذَتْهَا نَفْسُهُ ، ثُمَّ يَقُومُ . هَذَا دَأْبُهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ .
وَكَانَ جَلْدًا ، قَوِيًّا عَلَى الْمَشْيِ ، قَدْ مَشَى مَعَ ضَعِيفٍ فِي مَظْلَمَةٍ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ ، وَمَشَى مَعَ آخَرَ إِلَى إِلْبِيرَةَ ، وَمَعَ امْرَأَةٍ ضَعِيفَةٍ إِلَى جَيَّانَ . 296
قُلْتُ : وَهِمَ بَعْضُ النَّاسِ ، وَقَالَ : مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ .
بَلِ الصَّوَابُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ ، سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَرَّخَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ .
وَمِنْ مَنَاقِبِهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ كِبَارِ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، يُقَالُ : شَهِدَ سَبْعِينَ غَزْوَةً .
وَمِنْ حَدِيثِهِ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَطَاءِ اللَّهِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَكِّيٍّ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ ، أَنْبَأَنَا خَلَفُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَتَّابٍ ، أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ] يُونُسَ ، حَدَّثَنَا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا هَانِئُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : لَوْلَا أَنِّي أَنْسَى ذِكْرَ اللَّهِ ، مَا تَقَرَّبْتُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ : قَالَ جِبْرِيلُ : يَا مُحَمَّدُ ! إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ عَشْرَ مَرَّاتٍ اسْتَوْجَبَ الْأَمَانَ مِنْ سُخْطِهِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث