سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء الرابع عشر
الصفحة 2992 · ص. المطبوع 498
ابْنُ الْبُهْلُولِ
الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْمُتَفَنِّنُ الْقَاضِي الْكَبِيرُ أَبُو جَعْفَرٍ ، أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ بُهْلُولِ بْنِ حَسَّانَ التَّنُوخِيُّ الْأَنْبَارِيُّ ، الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ .
وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ .
وَسَمِعَ أَبَا كُرَيْبٍ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ زُنْبُورٍ الْمَكِّيَّ ، وَيَعْقُوبَ الدَّوْرَقِيَّ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيَّ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ الْمُثَنَّى ، وَأَبَا سَعِيدٍ الْأَشَجَّ ، وَأَبَاهُ إِسْحَاقَ بْنَ بُهْلُولٍ الْحَافِظَ ، وَعِدَّةً .
حَدَّثَ عَنْهُ : مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْوَرَّاقُ ، وَأَبُو حَفْصِ بْنُ شَاهِينَ ، وَأَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَأَبُو طَاهِرٍ الْمُخْلِصُ ، وَآخِرُونَ .
وَكَانَ مِنْ رِجَالِ الْكَمَالِ ، إِمَامًا ثِقَةً ، عَظِيمَ الْخَطَرِ ، وَاسِعَ الْأَدَبِ ، تَامَّ الْمُرُوءَةِ ، بَارِعًا فِي الْعَرَبِيَّةِ . وَلِيَ قَضَاءَ مَدِينَةِ الْمَنْصُورِ عِشْرِينَ سَنَةً ، 498 وَعُزِلَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ . وَكَانَ لَهُ مُصَنَّفٌ فِي نَحْوِ الْكُوفِيِّينَ ، وَكَانَ أَدِيبًا بَلِيغًا مُفَوَّهًا شَاعِرًا .
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : مَا رَأَيْتُ صَاحِبَ طَيْلَسَانٍ أَنْحَى مِنْهُ .
مَاتَ فِي سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ .
وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ كِبَارِ الْحُفَّاظِ ، لَقِيَ ابْنَ عُيَيْنَةَ وَطَبَقَتَهُ ، وَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْعِلْمِ وَالْجَلَالَةِ .
وَكَانَ أَخُوهُ بُهْلُولُ بْنُ إِسْحَاقَ ثِقَةً مُسْنِدًا ، يَرْوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَطَبَقَتِهِ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ كَانَ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ حَدِيثٌ وَاحِدٌ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، وَكَانَ ثِقَةً .
وَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ : كَانَ عَظِيمَ الْقَدْرِ ، وَاسِعَ الْأَدَبِ ، تَامَّ الْمُرُوءَةِ ، حَسَنَ الْفَصَاحَةِ وَالْمَعْرِفَةِ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَلَكِنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ الْأَدَبُ ، وَكَانَ لِأَبِيهِ مُسْنَدٌ كَبِيرٌ . إِلَى أَنْ قَالَ : وَكَانَ دَاوُدُ بْنُ الْهَيْثَمِ بْنِ إِسْحَاقَ أَسَنَّ مِنْ عَمِّهِ أَحْمَدَ ، دَامَ أَحْمَدُ عَلَى قَضَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَكَانَ ثِقَةً ثَبْتًا ، جَيِّدَ الضَّبْطِ ، مُتَفَنِّنًا فِي عُلُومٍ شَتَّى ، مِنْهَا : الْفِقْهُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ، وَرُبَّمَا خَالَفَهُ ، وَكَانَ تَامَّ اللُّغَةِ ، حَسَنَ الْقِيَامِ 499 بِنَحْوِ الْكُوفِيِّينَ ، صَنَّفَ فِيهِ ، وَكَانَ وَاسِعَ الْحِفْظِ لِلْأَخْبَارِ وَالسِّيَرِ وَالتَّفْسِيرِ وَالشِّعْرِ ، وَكَانَ خَطِيبًا مُفَوَّهًا ، شَاعِرًا لَسِنًا ، ذَا حَظٍّ مِنَ التَّرَسُّلِ وَالْبَلَاغَةِ ، وَرِعًا ، مُتَخَشِّنًا فِي الْحُكْمِ ، وَقَدْ وَلِيَ قَضَاءَ هِيْتَ وَالْأَنْبَارِ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسَبْعِينَ " ثُمَّ قَضَاءَ بَعْضِ الْجَبَلِ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو نَصْرٍ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ : كُنْتُ أَحْضُرُ دَارَ الْمُقْتَدِرِ مَعَ أَبِي وَهُوَ يَنُوبُ عَنْ وَالِدِهِ أَبِي عُمَرَ الْقَاضِي ، فَكُنْتُ أَرَى أَبَا جَعْفَرٍ الْقَاضِيَ يَأْتِيهِ أَبِي فَيَجْلِسُ عِنْدَهُ ، فَيَتَذَاكَرَانِ حَتَّى يَجْتَمِعَ عَلَيْهِمَا عَدَدٌ مِنَ الْخَدَمِ ، فَسَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ يَقُولُ : أَحْفَظُ لِنَفْسِي مِنْ شِعْرِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ بَيْتٍ وَأَحْفَظُ لِلنَّاسِ أَضْعَافَ ذَلِكَ .
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاضِي أَبِي جَعْفَرٍ : كُنْتُ مَعَ أَبِي فِي جِنَازَةٍ ، وَإِلَى جَانِبِهِ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ ، فَأَخَذَ أَبِي يَعِظُ صَاحِبَ الْمُصِيبَةِ وَيُسَلِّيهِ ، فَدَاخَلَهُ الطَّبَرَيُّ فِي ذَلِكَ وَذَنَّبَ مَعَهُ ، ثُمَّ اتَّسَعَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا ، وَخَرَجَا إِلَى فُنُونٍ أَعْجَبَتْ مَنْ حَضَرَ ، وَتَعَالَى النَّهَارُ ، فَلَمَّا قُمْنَا قَالَ لِي : يَا بُنَيَّ ، مَنْ هَذَا الشَّيْخُ؟ قُلْتُ : هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ، فَقَالَ : إِنَّا لِلَّهِ! مَا أَحْسَنْتَ عِشْرَتِي ، أَلَّا قُلْتَ لِي ، فَكُنْتُ أُذَاكِرُهُ غَيْرَ تِلْكَ الْمُذَاكَرَةِ؟ 500 هَذَا رَجُلٌ مَشْهُورٌ بِالْحِفْظِ وَالِاتِّسَاعِ .
فَمَضَتْ مُدَّةٌ ثُمَّ حَضَرْنَا فِي حَقِّ رَجُلٍ آخَرَ ، وَجَلَسْنَا ، وَجَاءَ الطَّبَرَيُّ ، فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ أَبِي ، وَتَجَارَيَا ، فَكُلَّمَا جَاءَ إِلَى قَصِيدَةٍ ذَكَرَ الطَّبَرَيُّ بَعْضَهَا وَيُنْشِدُهَا أَبِي ، وَكُلَّمَا ذَكَرَ شَيْئًا مِنَ السِّيَرِ فَكَذَلِكَ ، فَرُبَّمَا تَلَعْثَمَ وَأَبِي يَمُرُّ فِي جَمِيعِهِ ، فَمَا سَكَتَ إِلَى الظُّهْرِ .
أَرَّخَ مَوْتَهُ ابْنُ قَانِعٍ ، وَيُوسُفُ الْقَوَّاسُ كَمَا مَرَّ .
وَقِيلَ : مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَهُوَ وَهْمٌ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث